2026/09/05
بث تجريبي
إعلان

مصر بين واشنطن وبكين.. لماذا بدأت «حرب الرقائق» من القاهرة؟

مصر بين واشنطن وبكين.. لماذا بدأت «حرب الرقائق» من القاهرة؟

>>| هواوي تعرض إنشاء بنية ضخمة للذكاء الاصطناعي بـ2008 رقاقة

>>| وواشنطن تحشد إنفيديا وAMD ومايكروسوفت لتقديم عرض منافس

>>|  تسهيل التعرف على المركبات والأشخاص وتحليل الفيديوهات والصور 



المدار | وكالات

تحول مشروع إنشاء بنية تحتية متقدمة للذكاء الاصطناعي في مصر، إلى ساحة جديدة للتنافس التكنولوجي بين الولايات المتحدة والصين، لكن تفاصيل العرض الذي قدمته شركة هواوي الصينية للحكومة المصرية تكشف أن الأمر يتجاوز بكثير حدود إنشاء مركز بيانات أو شراء مجموعة من الرقائق الإلكترونية.

وبحسب تقرير نشرته وكالة بلومبرغ، تقدمت هواوي بعرض لإنشاء بنية تحتية للحوسبة بالذكاء الاصطناعي في مصر، تتضمن أكثر من ألفي رقاقة متقدمة، في وقت تتحرك فيه إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب لتشكيل تحالف من شركات أمريكية لتقديم عرض منافس.

وبذلك أصبحت مصر أمام منافسة بين منظومتين تكنولوجيتين، في وقت تسعى فيه القاهرة إلى توسيع قدراتها في الذكاء الاصطناعي وبناء بنية رقمية قادرة على استيعاب التطبيقات الحكومية والاقتصادية والبحثية المتقدمة.

العرض الذي قدمته هواوي يتضمن توريد 1408 رقائق من سلسلة Ascend 950 لاستخدامها في إنشاء سحابة مخصصة لتدريب نماذج الذكاء الاصطناعي.

كما يتضمن العرض 600 رقاقة إضافية، إما من سلسلة Ascend 950 نفسها أو من طراز Ascend 910B الأقدم، لاستخدامها في مركزين مخصصين لما يعرف بـ«الاستدلال»، وهي المرحلة التي يتم خلالها تشغيل نماذج الذكاء الاصطناعي بعد الانتهاء من تدريبها.

وبذلك يصل إجمالي الرقائق المقترحة إلى 2008 رقائق، فيما تشير الوثائق التي اطلعت عليها بلومبرغ إلى أن هواوي اقترحت تنفيذ البنية التحتية خلال 12 شهرًا.

لكن أهمية المشروع بالنسبة إلى الشركة الصينية لا تتوقف عند قيمة المعدات أو حجم الصفقة.

فإذا نجحت هواوي في تنفيذ المشروع، فقد يمثل ذلك واحدًا من أبرز الاختبارات المعروفة لقدرة الشركة على تصدير رقائق Ascend المتقدمة إلى خارج الصين، بعد سنوات من القيود الأمريكية التي استهدفت وصول الشركات الصينية إلى التكنولوجيا المتقدمة.


• تحرك أمريكي
بحسب الأشخاص المطلعين على المفاوضات الذين تحدثوا إلى بلومبرغ، تحركت وزارة الخارجية الأمريكية بعد معرفة العرض الصيني للتواصل مع عدد من شركات التكنولوجيا الأمريكية، من بينها إنفيديا وAMD ومايكروسوفت، بهدف بحث تشكيل تحالف قادر على تقديم عرض منافس للقاهرة.

ولا يعني ذلك أن هذه الشركات أبرمت اتفاقًا مع مصر؛ فحتى الآن لم تعلن الحكومة المصرية اختيارها للعرض الصيني أو الأمريكي، كما لم تعلن الشركات الأمريكية عن صفقة نهائية.

لكن مجرد تحرك واشنطن يعكس إدراكًا أمريكيًا بأن إنشاء بنية تحتية ضخمة للذكاء الاصطناعي في مصر يمكن أن يمنح الصين موطئ قدم تكنولوجيًا مهمًا في المنطقة.

الأكثر إثارة في تفاصيل العرض الصيني أن المشروع، وفق الوثائق التي استند إليها تقرير بلومبرغ، لا يقتصر على توفير القدرة الحاسوبية اللازمة لتدريب نماذج الذكاء الاصطناعي وتشغيلها.

فالوثائق تضمنت تطبيقات تعتمد على الذكاء الاصطناعي في مجالات مثل التعرف على المركبات والأشخاص، وتحليل الفيديو، والوعي الظرفي، وإظهار صورة شاملة للمدينة على شاشة واحدة.

كما أشارت الوثائق إلى مشاركة شركة iFlytek الصينية في بعض جوانب المقترح، وهي شركة متخصصة في تقنيات الذكاء الاصطناعي والتعرف على الصوت، وكانت قد أدرجتها الولايات المتحدة على قوائم القيود التجارية.

ومن المهم التأكيد أن هذه الاستخدامات وردت ضمن العرض والوثائق التي اطلعت عليها بلومبرغ، ولا تعني أن الحكومة المصرية وافقت عليها أو أن هذه الأنظمة ستستخدم بالفعل داخل مصر.

تحاول هواوي منذ سنوات تطوير منظومة صينية قادرة على منافسة منظومة الحوسبة التي تقودها الشركات الأمريكية، وفي مقدمتها إنفيديا.

وتحتل سلسلة Ascend موقعًا أساسيًا في هذه الاستراتيجية، لأنها تمثل محاولة صينية لبناء منظومة متكاملة لمعالجة أحمال الذكاء الاصطناعي، بعيدًا عن الاعتماد الكامل على الرقائق الأمريكية.

وتكمن أهمية السوق المصرية هنا في أن نجاح مشروع كبير باستخدام رقائق Ascend خارج الصين سيمنح هواوي فرصة لإثبات أن منظومتها تستطيع العمل في بيئة دولية، وهو ما قد يساعدها لاحقًا على التوسع في أسواق أخرى في الشرق الأوسط وأفريقيا.

وبالنسبة إلى بكين، لن تكون المسألة مجرد بيع معدات، بل إثبات قدرة التكنولوجيا الصينية على بناء وتشغيل بنية تحتية كاملة للذكاء الاصطناعي خارج حدودها.

بالنسبة إلى القاهرة، يأتي المشروع في توقيت يتزايد فيه الاهتمام الرسمي بالذكاء الاصطناعي والتحول الرقمي.

وتعمل مصر ضمن الاستراتيجية الوطنية للذكاء الاصطناعي 2025–2030 على توسيع استخدام تقنيات الذكاء الاصطناعي في الاقتصاد والخدمات الحكومية والتعليم والبحث العلمي ومجالات أخرى.

كما تتضمن الرؤية المصرية تطوير البنية التحتية اللازمة للتعامل مع البيانات والحوسبة المتقدمة، بما في ذلك التوجه نحو بنية سحابية سيادية.

وهذا يعني أن الحاجة إلى قدرات حوسبة ضخمة لن ترتبط بمشروع واحد، وإنما بالتحول الأوسع نحو استخدام الذكاء الاصطناعي في مؤسسات الدولة والجامعات ومراكز الأبحاث والقطاع الخاص.

وامتلاك بنية حوسبة متقدمة داخل مصر يمكن أن يوفر للقاهرة قدرة أكبر على تدريب وتشغيل نماذج الذكاء الاصطناعي محليًا، بدل الاعتماد الكامل على خدمات حوسبة خارج البلاد.

كما يمكن أن يدعم الجامعات ومراكز الأبحاث التي تحتاج إلى قدرات حوسبة هائلة، ويساعد في جذب استثمارات جديدة في قطاع مراكز البيانات والخدمات السحابية.

وإذا نجحت مصر في بناء قدرة إقليمية كبيرة للحوسبة، فقد تتحول إلى مركز لخدمات الذكاء الاصطناعي يخدم أسواقًا في أفريقيا والشرق الأوسط.

• واشنطن تملك ورقة ضغط

تزداد حساسية المشروع بسبب القيود الأمريكية على تصدير تقنيات الحوسبة المتقدمة.

فالولايات المتحدة فرضت خلال السنوات الماضية قيودا متزايدة على تصدير رقائق الذكاء الاصطناعي المتقدمة والتقنيات المرتبطة بها إلى دول وشركات تعتبرها حساسة، كما تطورت هذه القواعد خلال 2026.

وبحسب المعلومات التي أوردتها بلومبرغ، فإن بعض شحنات رقائق الذكاء الاصطناعي المتقدمة إلى مصر تخضع لمتطلبات ترخيص أمريكية، وهو ما يمنح واشنطن ورقة ضغط مهمة عندما يتعلق الأمر ببعض تقنيات الحوسبة المتقدمة.

ولهذا فإن اختيار مصر لمنظومة صينية لا يعني بالضرورة أن كل مكونات المشروع يمكن إدخالها وتشغيلها بمعزل عن القواعد الأمريكية، خصوصًا إذا كان المشروع يحتاج إلى تقنيات أو مكونات تخضع لنظام التصدير الأمريكي.

وتنظر واشنطن إلى انتشار منظومة هواوي باعتباره قضية تتجاوز المنافسة التجارية، بينما ترى بكين في نجاح شركاتها خارج الصين فرصة لتوسيع نفوذها التكنولوجي وإثبات قدرتها على بناء بديل للمنظومة الأمريكية.

أما مصر، فتجد نفسها أمام فرصة مهمة لبناء قدرات حوسبة متقدمة، لكنها في الوقت نفسه مطالبة باختيار منظومة تضمن لها أكبر قدر ممكن من الاستقلال والمرونة والسيادة على بياناتها وبنيتها الرقمية.

وحتى الآن، لم تعلن الحكومة المصرية اختيار العرض الصيني أو العرض المنافس الذي يجري الإعداد له من الجانب الأمريكي.

لكن المؤكد أن القاهرة أصبحت في قلب واحدة من أهم معارك التكنولوجيا في العالم: من يملك الرقائق، يملك جزءًا كبيرًا من مستقبل الذكاء الاصطناعي.

إعلان
شارك الخبر:

التعليقات (0)