كتب- محمد سالم:
في توقيت بالغ الحساسية بالنسبة لمنطقة القرن الأفريقي والبحر الأحمر، أعلنت إسرائيل دعمها العلني لمساعي إثيوبيا للحصول على منفذ بحري على البحر الأحمر، في خطوة تعيد ملف الموانئ والممرات البحرية إلى واجهة الصراع الجيوسياسي في المنطقة.
وقال السفير الإسرائيلي لدى إثيوبيا، أفراهام نغوسيه، في تصريحات لوكالة الأنباء الإثيوبية، إن إسرائيل «تقف بقوة» إلى جانب الجهود الإثيوبية للحصول على منفذ بحري، مؤكدًا أن موقف بلاده من هذا الملف يمثل «سياسة إسرائيلية واضحة».
وأضاف أن تمكين إثيوبيا وتعزيز قدراتها وتحقيق الاستقرار في البحر الأحمر يمثل مصلحة للمجتمع الدولي بأسره.

ورغم أن التصريح الإسرائيلي لم يتضمن إعلانًا صريحًا بدعم أي تحرك عسكري إثيوبي ضد إريتريا، فإن حساسية الموقف تأتي من أن أحد أبرز الخيارات التي تطرحها أديس أبابا للوصول إلى البحر الأحمر يرتبط بموانئ تقع داخل الأراضي الإريترية، وعلى رأسها ميناء عصب.
• ميناء عصب نقطة التوتر
أصبحت إثيوبيا دولة حبيسة منذ استقلال إريتريا عام 1993، بعد أن فقدت الوصول المباشر إلى ساحل البحر الأحمر وموانئه، وعلى رأسها عصب ومصوع.
ومنذ ذلك الوقت تعتمد إثيوبيا بصورة كبيرة على الموانئ الخارجية، وعلى رأسها ميناء جيبوتي، لتأمين جانب كبير من تجارتها الخارجية، حيث أن أكثر من 95% من واردات وصادرات إثيوبيا تمر عبر جيبوتي، وهو ما يجعل مسألة الوصول إلى البحر بالنسبة لأديس أبابا قضية اقتصادية واستراتيجية في الوقت نفسه.
لكن المشكلة تبدأ عندما يتحول الحديث من الوصول التجاري إلى البحر إلى الحديث عن منفذ سيادي أو وجود عسكري أو السيطرة على ميناء داخل دولة أخرى.
وهنا تصبح القضية أكثر تعقيدًا، لأن ميناء عصب يقع داخل الأراضي الإريترية وتحت سيادة دولة عضو في الأمم المتحدة والاتحاد الأفريقي.
• الخارجية الاريترية
في وثيقة نشرتها وزارة الخارجية الإريترية في أبريل الماضي تحت عنوان «السيادة في مواجهة طموح الهيمنة: السعي التوسعي الإثيوبي إلى منفذ بحري»، رفضت إريتريا الطرح الإثيوبي القائم على اعتبار الوصول إلى البحر قضية وجودية تبرر الضغط على دول الجوار، واعتبرت أن مثل هذا المنطق يمكن أن يتحول إلى مبرر للتوسع على حساب سيادة الدول الأخرى.
وتتمسك أسمرة بأن ميناء عصب وأراضيها الساحلية تخضع لسيادتها الكاملة، وأن أي ترتيبات تتعلق باستخدام الميناء أو إنشاء وجود أمني أو عسكري يجب أن تتم من خلال اتفاق واضح مع الدولة صاحبة السيادة، وليس عبر فرض الأمر الواقع.
وفي فبراير 2026، وبينما تصاعدت الخلافات بين البلدين، فتحت إثيوبيا الباب أمام التفاوض مع إريتريا بشأن قضايا عدة، من بينها الشؤون البحرية والوصول إلى البحر عبر ميناء عصب، وهو ما يؤكد أن الملف لم يُحسم باتفاق بين الطرفين حتى الآن.
القانون الدولي يميز بوضوح بين حق الدولة الحبيسة في الوصول إلى البحر وبين حقها في امتلاك أو السيطرة على أرض أو ميناء تابع لدولة أخرى.
فالدول الحبيسة لها حقوق تتعلق بالوصول إلى البحر والتجارة الدولية، ويمكنها التفاوض مع دول العبور بشأن ترتيبات النقل والموانئ، لكن هذا لا يعني أن كون إثيوبيا دولة حبيسة يمنحها حقا تلقائيا في الحصول على جزء من الساحل الإريتري أو فرض وجود عسكري فيه.
وتؤكد الدراسات القانونية المتعلقة بالملف أن إثيوبيا لا تملك، استنادًا إلى وضعها كدولة حبيسة، حقا في ملكية عصب أو أي جزء من الساحل الإريتري، بينما يمكنها السعي إلى ترتيبات سلمية وقانونية تضمن وصولها إلى البحر.
• الدول المجاورة تراقب
ولا تقف إريتريا وحدها أمام الطموح البحري الإثيوبي، مصر أعلنت بوضوح أن الوصول التجاري لإثيوبيا إلى البحر يمكن بحثه، لكنها ترفض أن يتحول الأمر إلى وجود عسكري أو فرض ترتيبات بالقوة على البحر الأحمر.
كما أكدت القاهرة وأسمرة أن أمن البحر الأحمر وإدارته مسؤولية الدول المشاطئة، ورفضتا فرض أدوار أمنية من أطراف غير مشاطئة بالمخالفة للقانون الدولي.
أما الصومال، فينظر بحساسية شديدة إلى التحركات الإثيوبية في المنطقة، خصوصًا بعد الاتفاق الذي أُعلن عام 2024 بين إثيوبيا وإقليم أرض الصومال، والذي ارتبط بمنح إثيوبيا وصولًا إلى جزء من الساحل مقابل مسار للاعتراف بأرض الصومال. وقد اعتبرت مقديشو هذه التحركات مساسًا بسيادتها ووحدة أراضيها.
وفي جيبوتي، تظل العلاقة مع إثيوبيا شديدة الأهمية؛ إذ تعتمد أديس أبابا بدرجة كبيرة على الموانئ الجيبوتية في تجارتها الخارجية. ولذلك فإن أي تحول في خريطة الموانئ والنفوذ في البحر الأحمر وخليج عدن يمكن أن يعيد ترتيب الحسابات الاقتصادية والأمنية للدولة التي أصبحت البوابة البحرية الرئيسية لإثيوبيا.
أما السودان، فيمثل طرفًا آخر شديد الحساسية بحكم موقعه على البحر الأحمر وحدوده مع كل من مصر وإريتريا وإثيوبيا، فضلًا عن الأزمة الداخلية التي تجعل أي تحول في موازين القوى الإقليمية ذا تأثير مباشر على أمنه.
• إسرائيل على الخط
تكمن أهمية التصريح الإسرائيلي الأخير، في أن اسرائيل لا تنظر إلى البحر الأحمر باعتباره مجرد طريق ملاحي، بل باعتباره جزءا من منظومة أمنية واستراتيجية تمتد من شرق أفريقيا إلى باب المندب وخليج عدن.
ومن ثم فإن دعم إثيوبيا في الحصول على منفذ بحري يمنح أديس أبابا دعما سياسيا من قوة خارج الإقليم، في وقت أصبحت فيه الموانئ والسواحل في القرن الأفريقي محورا لتنافس دولي وإقليمي واسع.

واللافت أن إسرائيل أعلنت في الوقت نفسه خلال العام الحالي تعزيز حضورها وعلاقاتها في منطقة القرن الأفريقي، في ظل تطورات متعلقة بأرض الصومال والبحر الأحمر.
• السيناريو الأخطر
الخطر الحقيقي لا يكمن في حصول إثيوبيا على منفذ تجاري من خلال اتفاق قانوني مع دولة ساحلية، وإنما في أن يتحول ملف «المنفذ البحري» إلى مشروع للوجود العسكري أو إلى مطالبة إقليمية تفرضها موازين القوى.
وفي هذه الحالة لن يصبح الأمر مجرد خلاف إثيوبي–إريتري، بل قد يتحول إلى أزمة إقليمية تشمل مصر والسودان وجيبوتي والصومال، وتمتد تداعياتها إلى أمن باب المندب والملاحة الدولية والبحر الأحمر.
admin
التعليقات (0)