كتب- أحمد علي:
كشفت البعثة الأثرية المصرية العاملة بمنطقة تل آثار الأبقعين بمحافظة البحيرة عن مجموعة من المنشآت واللقى الأثرية التي تلقي الضوء على الحياة العسكرية واليومية داخل أحد الحصون المصرية القديمة، الذي أُقيم على الحدود الغربية للدلتا خلال عصر الدولة الحديثة لحماية البلاد من هجمات القبائل الليبية.
ويضم الكشف مجمعًا سكنيًا كبيرًا، ومخازن للغلال، وأفرانًا لإعداد الطعام، إلى جانب دفنة كاملة لحصان يرجح ارتباطه بالنشاط العسكري، فضلًا عن العثور لأول مرة في حفائر منطقة آثار البحيرة على جزء من لوحة حجرية تحمل نصًا بالخط الهيراطيقي للملك مرنبتاح.

وقال شريف فتحي، وزير السياحة والآثار، إن الكشف يضيف معلومات جديدة إلى فهم منظومة التحصينات العسكرية التي أقامها المصري القديم لحماية حدود البلاد، موضحًا أن المنشآت واللقى المكتشفة لا تكشف الجانب العسكري للحصن فقط، وإنما تقدم صورة عن الحياة اليومية والاقتصادية والدينية لسكانه.
وأوضح الدكتور هشام الليثي، الأمين العام للمجلس الأعلى للآثار، أن الحفائر أسفرت عن الكشف عن مجمع سكني كبير مشيد بالطوب اللبن، يضم شارعًا رئيسيًا يبلغ عرضه نحو 4 أمتار ويمتد من الشرق إلى الغرب، ويتقاطع معه شارع آخر من الجنوب إلى الشمال.
ويرتبط المدخل الرئيسي للمجمع بالمدخل الجنوبي للحصن المشيد من الحجر الجيري، بما يعكس تخطيطًا عمرانيًا وهندسيًا منظمًا داخل الموقع.
وضم المجمع عددًا من الحجرات التي احتوت على صوامع لتخزين الغلال وأفران أسطوانية من الفخار، استخدمت في إعداد الطعام وخبز الحبوب وتلبية الاحتياجات اليومية لقاطني الحصن.
كما عُثر على مجموعة من الحجرات السكنية بجوار منطقة الآبار في الركن الجنوبي الشرقي للحصن، حيث سبق العثور على 3 آبار حجرية تحمل نقوشًا بألقاب الملك رمسيس الثاني.
• حبوب قمح متفحمة
وأشار محمد عبد البديع، رئيس قطاع الآثار المصرية، إلى أن بعض الحجرات، خاصة الواقعة شمال الشارع الرئيسي، استخدمت كمخازن لحبوب القمح.
وعثرت البعثة داخل هذه الحجرات على جرار فخارية كبيرة لا تزال تحتوي على حبوب قمح متفحمة، بما يقدم دليلًا مباشرًا على أساليب تخزين وإدارة الموارد الغذائية داخل الحصن، وطبيعة النشاط الاقتصادي والمعيشي لسكانه.

ومن أبرز مكتشفات الموقع العثور على دفنة حيوانية كاملة لحصان ذكر صغير السن، أظهرت الدراسات الأولية أنه من سلالة متوسطة الحجم تتميز بالرشاقة والسرعة.
ويرجح الباحثون استخدام هذا النوع من الخيول في التدريب أو الأنشطة العسكرية أو جر العربات الحربية خلال عصر الدولة الحديثة.
وتشير وضعية جسم الحصان واتجاه رأسه وانتظام عملية الدفن إلى أنه دُفن بصورة مقصودة ومنظمة، وهو ما يرجح أن تكون الدفنة تكريمية.
وعلى بعد أمتار قليلة من مكان الدفنة، عثرت البعثة على قطع أسطوانية من الألباستر والحجر الجيري، يرجح أنها كانت ضمن زخارف عدة حصان العجلة الحربية، بما يقدم دلالات إضافية على الطابع العسكري للموقع.
لوحة للملك مرنبتاح لأول مرة في حفائر البحيرة
وأوضح خالد عبد الغني فرحات، مدير عام منطقة آثار البحيرة والمشرف على الحفائر، أن البعثة عثرت، لأول مرة في تاريخ حفائر منطقة آثار البحيرة، على جزء من لوحة من الحجر الجيري تحمل بقايا نص مكتوب بالخط الهيراطيقي للملك مرنبتاح.
ويتضمن النص وصفًا لقوة الملك وتشبيهها بقوة المعبود سيث، إلى جانب الإشارة إلى المعبود بتاح.

كما عُثر على بقايا لوحة من الحجر الجيري مكتوبة بالخط الهيروغليفي تحمل اسم الميلاد واسم التتويج والاسم الحوري للملك رمسيس الثاني.
وضمت المكتشفات لوحة أخرى تحمل مشهدًا لأسير بجسد منحنٍ في وضعية خضوع ومكبل اليدين، وتشير ملابسه إلى أنه أسير ليبي من قبائل المشوش.
• معتقدات سكان الحصن
وشملت المكتشفات عددًا من الجعارين التي تحمل أسماء الملكين رمسيس الثاني وسيتي الأول، إلى جانب أسماء وألقاب عدد من المعبودات، من بينها آمون وسخمت وبتاح وسيث.
كما عثرت البعثة على تمائم دينية مرتبطة بمفاهيم الحماية والخصوبة والتجدد والقوة، من بينها تمائم على هيئة السمكة وزهرة اللوتس وحية الكوبرا وعلامة «نفر» وقرد البابون.
وضمت اللقى أيضًا أواني فخارية استخدمت في التخزين والطهي وتقديم الطعام وحفظ العطور والزيوت، من بينها زمزمية مرتبطة بالحج إلى أبيدوس، إلى جانب أثقال الأنوال المستخدمة في الغزل، وأجزاء من الرحى والمصاحن الحجرية وأثقال الموازين.

كما عُثر على أدوات زينة وحلي شخصية، تكشف جانبًا من الحياة الاجتماعية والذوق الفني لسكان الموقع.
وتواصل البعثة الأثرية المصرية أعمال الحفائر والدراسة والتوثيق في تل الأبقعين للكشف عن المزيد من عناصر الحصن، واستكمال الصورة التاريخية لدوره ضمن منظومة الدفاع عن الحدود الغربية لمصر خلال عصر الدولة الحديثة.
admin
التعليقات (0)