2026/10/13
بث تجريبي
إعلان

عذراء لولايلاكو.. خصلة شعر كشفت آخر عامين من حياة فتاة تجمدت فوق قمة الأنديز بالأرجنتين

عذراء لولايلاكو.. خصلة شعر كشفت آخر عامين من حياة فتاة تجمدت فوق قمة الأنديز بالأرجنتين

كتب- أحمد عبد العظيم:

على ارتفاع 6739 مترًا فوق سطح البحر، في قمة بركان لولايلاكو بجبال الأنديز شمال غربي الأرجنتين، احتفظ الجليد لأكثر من خمسة قرون بسر فتاة من حضارة الإنكا.

لم تكن مجرد مومياء عثر عليها علماء الآثار داخل الجبل، كانت فتاة مراهقة، عُرفت لاحقًا باسم «عذراء لولايلاكو»، وجاء اكتشافها عام 1999 ضمن ثلاثة أطفال محفوظين بصورة استثنائية في أحد المواقع الطقسية قرب قمة البركان.




وبعد سنوات من اكتشافها، لم يعد جسدها وحده هو الذي يتحدث، شعرها كان يحمل سجلًا زمنيًا لحياتها السابقة.

فكلما نما الشعر، احتفظ بداخله بآثار بعض المواد التي دخلت جسمها، وهو ما أتاح للباحثين إعادة بناء جانب من حياتها خلال الفترة التي سبقت وفاتها. 

تنتمي عذراء لولايلاكو إلى طقس إنكاوي كان يُعرف باسم Capacocha، وهو طقس تضحية احتل مكانة مهمة في الإمبراطورية الإنكاوية.

وتشير الدراسة المنشورة في دورية Proceedings of the National Academy of Sciences (PNAS) إلى أن الأطفال الثلاثة الذين عُثر عليهم في لولايلاكو دُفنوا بصورة منفصلة داخل منشآت طقسية قرب القمة، وأن أعمارهم اختلفت بصورة كبيرة؛ فقد كانت الفتاة الكبرى تبلغ نحو 13 عامًا، بينما كان الطفلان الآخران في عمر يتراوح بين 4 و5 سنوات. 





وهنا تظهر أهمية كلمة «عذراء» في اسمها المتداول علميًا، فهي ترجمة للاسم الإنجليزي الذي أطلقه الباحثون عليها: Llullaillaco Maiden.



الظروف المناخية القاسية في هذا الارتفاع ساعدت على حفظ الأجساد بدرجة استثنائية.

وعندما فحص العلماء المومياوات باستخدام تقنيات أثرية وطبية وبيولوجية، وجدوا أن لولايلاكو تقدم فرصة نادرة لدراسة تفاصيل طقس الإنكا، ليس اعتمادًا على الروايات التاريخية وحدها، ولكن من خلال الأدلة الموجودة داخل الأجساد نفسها. 

وكان الشعر هو أحد أهم هذه الأدلة، الشعر الذي تحول إلى «تقويم» لحياتها..

في دراسة منشورة عام 2007، تمكن فريق بحثي بقيادة عالم الآثار الحيوية أندرو ويلسون من تحليل الشعر واستخدام التغيرات الكيميائية والنظائرية فيه لتتبع بعض التحولات التي طرأت على حياة الفتاة قبل وفاتها.

وأظهرت النتائج تغيرًا في نمط غذائها قبل وفاتها بفترة، بما يشير إلى انتقالها إلى نظام غذائي مختلف عن السابق.

كما سجل شعرها مستويات مرتفعة بصورة لافتة من ناتج أيض الكوكا المعروف باسم benzoylecgonine، وهو ما قدم دليلًا على تعرضها المتزايد للكوكا خلال الفترة السابقة لوفاتها. 




لكن المفاجأة لم تكن في وجود الكوكا وحدها، الأشهر الأخيرة كانت مختلفة، عندما أعاد الباحثون تحليل الشعر بتفصيل زمني أكبر، ظهرت صورة أكثر وضوحًا.

الدراسة المنشورة عام 2013 وجدت تصاعدًا في تناول الكوكا والكحول خلال الفترة التي سبقت الوفاة، مع ارتفاع واضح في المؤشرات المرتبطة بهما خلال الأسابيع الأخيرة. 

وهكذا أصبح شعر الفتاة أشبه بسجل زمني صامت، كل جزء منه يمثل فترة من حياتها، وكل تغير في تركيبته يقدم للعلماء معلومة جديدة عن ظروف تلك الفترة.

لم يكن الباحثون بحاجة إلى قصة مكتوبة من خمسة قرون مضت، القصة كانت محفوظة في شعرها، وخصلة أخرى كانت تنتظر العلماء

لكن إحدى أكثر التفاصيل إثارة في اكتشاف لولايلاكو لم تكن في شعر رأسها نفسه، فقد عثر الباحثون معها على كيس يحتوي على خصلات شعر مقصوصة.

وبمقارنة البيانات الكيميائية والنظائرية، تمكن الفريق من مطابقة الشعر الموجود في الكيس مع شعر عذراء لولايلاكو، وتوصل إلى أن هذه الخصلات كانت قد قُصت قبل وفاتها بنحو ستة أشهر.

كما تشير الدراسة إلى أن شعرها قُص ورتب وضُفّر بصورة متقنة قبيل وفاتها. 
هذه ليست قصة تخمينية عن شخص احتفظ بذكرى منها؛ فالعلم استطاع إثبات أن الخصلات الموجودة في الكيس كانت مرتبطة بها زمنيًا وبيولوجيًا.




أما سبب الاحتفاظ بها أو هوية الشخص الذي حملها، فلا تسمح الأدلة العلمية المتاحة بالجزم به، ولذلك لا ينبغي أن نحول هذه الجزئية إلى رواية عاطفية غير موثقة.

ماذا حدث في الساعات الأخيرة، هنا تصبح القصة أكثر تعقيدًا، فقد أظهرت الفحوص الطبية والأثرية أن الجسد كان محفوظًا بصورة استثنائية، وأن الفتاة وُضعت في موضعها النهائي على الجبل في ظروف طقسية.

لكن العلماء لا يقولون إنهم يستطيعون إعادة بناء كل لحظة من لحظاتها الأخيرة بصورة أكيدة.

ما توصلوا إليه هو أن الأدلة المتراكمة، ومن بينها تحليل الشعر والفحوص الإشعاعية والآثار الموجودة مع المومياء، تشير إلى أنها كانت قد تناولت الكوكا والكحول بصورة متزايدة خلال الفترة السابقة للوفاة، وأن هذه المواد كانت جزءًا من السياق الذي سبق وضعها في المدفن. 

لذلك، فإن الرواية المنتشرة التي تقول إنها «نامت ببساطة وماتت من البرد» تتجاوز ما تثبته الدراسات، والأدق أن نقول إن العلماء توصلوا إلى أدلة على تناول الكوكا والكحول في الفترة الأخيرة، مع بقاء تفاصيل اللحظات النهائية موضع تفسير علمي.

الدراسات لا تتعامل مع عذراء لولايلاكو باعتبارها حالة منفردة، بل باعتبارها جزءًا من طقس ديني وسياسي معقد في الإمبراطورية الإنكاوية.

ويشير الباحثون إلى أن اختيار الأطفال ومعاملتهم ارتبطا بالعمر والمكانة والدور الطقسي، وأن طقس Capacocha كان جزءًا من منظومة دينية وسياسية في الدولة الإنكاوية. 

ولهذا فإن جسد فتاة واحدة على قمة جبل لم يكن مجرد اكتشاف أثري، لقد أصبح نافذة على مجتمع اختفى منذ قرون.

ربما كانت المفارقة الأكثر إثارة في قصة عذراء لولايلاكو أن الزمن الذي كان يفترض أن يمحو تفاصيل حياتها فعل العكس تمامًا.

الجليد حفظ جسدها، والجبل حفظ المكان، والشعر حفظ تفاصيل السنوات الأخيرة.

والعلماء، بعد أكثر من خمسة قرون، استطاعوا أن يقرأوا جزءًا من ذلك السجل، من خلال خصلة شعر، عرف الباحثون أن حياتها لم تكن ثابتة حتى اللحظة الأخيرة؛ فقد تغير غذاؤها، وارتفع استهلاكها للكوكا، وظهرت أدلة على تناول الكحول، ثم جاء الطقس الذي انتهت خلاله حياتها فوق واحدة من أعلى القمم التي شهدت آثارًا بشرية محفوظة في العالم. 




لم تترك عذراء لولايلاكو كتابًا يروي قصتها.
لكنها تركت شيئًا أكثر غرابة، شعرًا ظل يحتفظ بصفحات من حياتها لأكثر من 500 عام.

إعلان
شارك الخبر:

التعليقات (0)