كتب- محمد حسن:
أكد الأستاذ الدكتور إبراهيم الهدهد، رئيس جامعة الأزهر الأسبق، أن التفكر في آلاء الله وملكوته عبادة قلبية عظيمة تحيي الإيمان، وتجدد صلة العبد بربه، وتدفعه إلى الشكر والخشوع، كما تضبط سلوكه وتحول دون وقوع جوارحه في الحرام، مشددًا على أن العبادة لا تقتصر على أعمال الجوارح، وإنما تشمل عبادات القلب التي يرتقي بها الإنسان في مراتب الإيمان والإحسان.
جاء ذلك خلال خطبة الجمعة التي ألقاها اليوم بالجامع الأزهر، وتناول فيها تفسير قول الله تعالى: ﴿إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾، موضحًا أن التفكر ينبغي أن يكون عبادة حاضرة في حياة المسلم، يستحضر من خلالها عظمة الخالق في نفسه والكون من حوله.
وأوضح خطيب الجامع الأزهر أن الإسلام والإيمان والإحسان مراتب في التدين، فالإسلام يرتبط بعبادات الجوارح، كالصلاة والصيام والحج، بينما يقوم الإيمان على اليقين الذي يستقر في القلب ويحرك الإنسان نحو الطاعة والإخلاص لله تعالى، أما الإحسان فهو ذروة هذه المراتب، وفيه يعبد العبد ربه كأنه يراه، فإن لم يكن يراه فإنه يعلم أن الله يراه.
وأشار إلى أن الإيمان الحقيقي ليس مجرد أقوال ظاهرة، وإنما يقين يستقر في الصدر، ويملأ القلب بمعرفة الله ومحبته، ويجعل صاحبه مطمئنًا بذكره، مخلصًا له في السر والعلن، بعيدًا عن الرياء، مؤكدًا أن التفكر من العبادات التي تهذب النفس وتدفع الإنسان إلى استحضار مراقبة الله في جميع أحواله.
وقال الدكتور إبراهيم الهدهد إن المتدبر في كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم، وسيرة الصحابة والتابعين، يدرك أهمية التفكر باعتباره عبادة ينبغي ألا تغيب عن حياة المسلم، مستشهدًا بقول الله تعالى: ﴿وَفِي أَنفُسِكُمْ أَفَلَا تُبْصِرُونَ﴾.
وأوضح أن البصر المقصود يتجاوز مجرد النظر بالعين إلى البصيرة القلبية التي تدرك آيات الله وتتعرف إلى عظمته بالتأمل والتدبر، لافتًا إلى أن القرآن الكريم أثبت للكافرين النظر ونفى عنهم البصيرة، في قوله تعالى: ﴿وَتَرَاهُمْ يَنظُرُونَ إِلَيْكَ وَهُمْ لَا يُبْصِرُونَ﴾.
وأضاف أن المسلم مطالب بالتفكر في آلاء الله وملكوته، وفي نفسه وتقلب الليل والنهار وخلق السماوات والأرض وآثار الأمم السابقة، والنظر إلى ما حوله باعتباره مجالًا للتأمل في قدرة الخالق وحكمته.
وأشار خطيب الجامع الأزهر إلى توجيه النبي صلى الله عليه وسلم إلى التفكر في آلاء الله وآيات قدرته، مستشهدًا بما ورد: «تفكروا في آلاء الله، ولا تتفكروا في الله»، موضحًا أن التفكر النافع يكون في آثار قدرة الله وآياته في الكون والنفس والحياة، دون الخوض في ذات الله سبحانه وتعالى.
وأكد أن انشغال الأمة بالتفكر في آلاء الله بدلًا من الانشغال بما يثير الخلاف والنزاع يعزز وحدة القلوب، لأن التفكر الصحيح ينقل الإنسان من ضيق النظر إلى سعة التأمل في ملكوت الله وعظيم صنعه.
واستشهد بالحوار الذي دار بين موسى عليه السلام وفرعون في سورة الشعراء، حين سأل فرعون: ﴿وَمَا رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾، فجاءه رد نبي الله موسى عليه السلام: ﴿رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا إِن كُنتُم مُّوقِنِينَ﴾، لافتًا إلى أن هذا الرد ينقل الإنسان من حدود الملك المادي الضيق إلى آفاق التفكر في ملكوت الخالق الأعظم.
وأكد الدكتور إبراهيم الهدهد أن التفكر في نعم الله ليس أمرًا هامشيًا في حياة المؤمن، وإنما سبيل لاستحضار عظمة الله وتجديد الصلة به، مستشهدًا بما روي عن أم ذر رضي الله عنها حين سئلت عن أكثر عبادة أبي ذر رضي الله عنه، فقالت: «كان النهار أجمع خاليًا يتفكر».
كما استشهد بحال النبي صلى الله عليه وسلم في قيامه وعبادته، حين قالت السيدة عائشة رضي الله عنها إنه قام يصلي ويبكي حتى بل حجره ولحيته والأرض من دموعه، فلما سئل عن ذلك قال: «أفلا أكون عبدًا شكورًا؟».
وأشار إلى قول الله تعالى: ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآيَاتٍ لِأُولِي الْأَلْبَابِ﴾، مؤكدًا أن العبادة الحقيقية لا تنفصل عن التفكر الذي يوقظ القلب ويقوده إلى الشكر والخشوع، ويجعل المؤمن أكثر وعيًا بحقيقة الدنيا والاستعداد للقاء الله.
ولفت إلى أن الإنسان مسؤول عن عمره وعلمه وماله وجسمه، مستشهدًا بحديث النبي صلى الله عليه وسلم: «لا تزول قدما عبد يوم القيامة حتى يسأل عن عمره فيم أفناه، وعن علمه فيم فعل فيه، وعن ماله من أين اكتسبه وفيم أنفقه، وعن جسمه فيم أبلاه».
وأوضح خطيب الجامع الأزهر أن القرآن الكريم يربي الإنسان على التأمل في تفاصيل حياته اليومية، مستشهدًا بقول الله تعالى: ﴿فَلْيَنظُرِ الْإِنسَانُ إِلَىٰ طَعَامِهِ﴾، مبينًا أن الآية تدعو إلى التأمل في قدرة الله وعظيم صنعه، وكيف يخرج الطعام من الأرض بعد موتها، وتنبت فيها أنواع الزروع والثمار.
وأضاف أن التفكر في الطعام والشراب وتسخير الشمس والقمر والبر والبحر والدواب وسائر المخلوقات يحول المشاهد المألوفة إلى آيات تدعو القلب إلى الشكر والتعظيم، وتذكر الإنسان بنعم الله الظاهرة والباطنة.
وأشار إلى أن المخلوقات والدواب تسبح بحمد ربها ولا تخرج عن حدود ما أمرها الله به، بينما قد ينشغل الإنس والجن عن هذه الحقيقة بسبب الشهوات ووساوس الشيطان والنفس.
وشدد الدكتور إبراهيم الهدهد على أن ذكر الله لا يعني مجرد تحريك اللسان بالألفاظ، وإنما يعني حضور الله في القلب واستحضاره في كل ما ينظر إليه الإنسان ويتدبره، مؤكدًا أن المؤمن إذا أحيا هذه العبادة في قلبه أصبح أكثر مراقبة لله في أقواله وأفعاله.
وأوضح أن حضور الله في القلب يضبط الجوارح، فلا تمتد يد المؤمن إلى الحرام، ولا تنظر عينه إلى ما يغضب الله، ولا يظل العلم مجرد معرفة نظرية، بل يتحول إلى سلوك وأثر ملموس في الحياة، يمنح الإنسان القدرة على مقاومة الشهوات والانحرافات.
واختتم خطبته بالدعاء بأن يشرح الله صدور عباده لطاعته، ويملأ قلوبهم بذكره، ويرزقهم حسن التفكر والتدبر، مؤكدًا أن الكون كله ميدان للتعرف إلى عظمة الخالق، وأن المؤمن مطالب بأن يحسب ساعات عمره استعدادًا للقاء الله.
ودعا إلى تدبر القرآن الكريم أثناء التلاوة والصلاة، لما لذلك من أثر في إحياء القلوب وتقوية صلة العبد بربه، موضحًا أن التدبر ينقل التلاوة من مجرد ترديد الألفاظ إلى معايشة حقيقية للمعاني والتشريعات، فتخشع الجوارح وتطمئن النفوس، وتستعيد الصلاة والتلاوة أثرهما الإيماني في سلوك الإنسان وحياته.
الهدهد: التفكر في خلق السماوات والأرض ونعم الله سبيل إلى الشكر والخشوع
admin
التعليقات (0)