ليست الأزمة في نتيجة الثانوية العامة لعام 2026 وحدها، وليست الصدمة في رسوب أكثر من مائتي ألف طالب وإحالتهم إلى الدور الثاني، وإنما الأزمة الحقيقية أن الثقة نفسها أصبحت على المحك. والثقة، إذا اهتزت في منظومة التعليم، فإنها لا تخص طالبًا أو أسرة، بل تمس مستقبل وطن بأكمله.
منذ إعلان النتائج، لم تهدأ مواقع التواصل الاجتماعي. آلاف التساؤلات تتدافع، وأولياء أمور يعيشون بين الحسرة والدهشة، بينما تتصدر المشهد أخبار متداولة عن وقائع غش، وحديث عن سماعات إلكترونية، واستغلال أدوات الذكاء الاصطناعي، وفي مقدمتها "شات جي بي تي"، فضلًا عن الجدل الذي أثير حول إحدى اللجان في مركز فاقوس بمحافظة الشرقية، بعد تداول مزاعم عن ارتفاع غير معتاد في درجات عدد كبير من طلابها، ووصول أحدهم إلى المركز الأول على مستوى الجمهورية.
لا يجوز أن نحكم بالإدانة عبر منشورات "السوشيال ميديا"، ولا أن نُصدر أحكاما قبل انتهاء التحقيقات، لكن من حق المجتمع أن يسأل، ومن واجب الدولة أن تجيب. فالشفافية وحدها هي القادرة على إغلاق أبواب الشائعات، وإعادة الطمأنينة إلى ملايين الأسر.
أما الرسوب الجماعي لهذا العدد الكبير من الطلاب، فهو ناقوس خطر لا يمكن تجاوزه ببيان صحفي أو مؤتمر إعلامي. فإما أن الامتحانات جاءت أعلى من مستوى الطلاب بصورة غير مدروسة، أو أن هناك خللا في منظومة التعليم والتقييم، أو أن الأمر يجمع بين الاثنين. وفي كل الأحوال، فإن الخاسر الحقيقي هو الطالب الذي دفع ثمن سنوات من التجريب والتغيير المستمر.
لقد دخل الذكاء الاصطناعي إلى كل بيت، وأصبحت أدواته متاحة للجميع. ولم يعد السؤال: هل يمكن استخدامها في الغش؟ بل كيف نحمي الامتحانات من إساءة استخدامها؟ فالتكنولوجيا ليست عدوا، وإنما تصبح خطرًا عندما نسبقها بالارتجال، ونتأخر عنها بالتشريع والرقابة.
التعليم لا يبنى على الشك، ولا يستقيم إذا شعر المجتهد أن جهده قد يساوي جهد من تحايل أو غش. العدالة هي أساس العملية التعليمية، وإذا غابت العدالة، ضاعت قيمة التفوق، وتحول النجاح إلى مجرد رقم يثير الجدل بدلًا من أن يكون مصدر فخر.
اليوم، لا يحتاج المصريون إلى تبادل الاتهامات، بل إلى تحقيقات واضحة، وإعلان نتائجها للرأي العام بكل شفافية، ومحاسبة كل من يثبت تورطه، أيًا كان موقعه. كما يحتاجون إلى مراجعة شاملة لمنظومة الامتحانات، بما يواكب التطور التقني، ويحمي حق الطالب المجتهد، ويغلق أبواب العبث.
إن هيبة الثانوية العامة لا تستعاد بالشعارات، وإنما بالعدل. ولا تُصان بالتصريحات، وإنما بالحقائق. وسيظل السؤال معلقا في ضمير كل بيت مصري: كيف نضمن أن يكون التفوق ثمرة اجتهاد، لا ثمرة ثغرة؟ فالإجابة عن هذا السؤال هي التي ستحدد مستقبل التعليم، وربما مستقبل الوطن نفسه.!!
حين تهتز الثقة.. من يعيد للثانوية العامة هيبتها؟
د. فتحي عامر
admin
التعليقات (0)