2026/08/05
بث تجريبي
إعلان

ماسبيرو.. عندما يشيخ الجسد ويبقى التاريخ ينتظر الإنقاذ!




هناك مبانٍ لا تُقاس قيمتها بما فيها من طوب وأسمنت، وإنما بما تحفظه بين جدرانها من ذاكرة وطن، وبما شهدته من لحظات صنعت وجدان أمة. وماسبيرو ليس مجرد مبنى يطل على النيل، بل هو أحد أهم رموز القوة الناعمة المصرية، وحارس لذاكرة سمعية وبصرية لا تقدر بثمن، تضم عشرات الآلاف من الساعات التي وثقت تاريخ مصر والعالم العربي، وصوت كبار القادة والمفكرين والأدباء والفنانين، وصورة أجيال صنعت الوعي والثقافة والانتماء.
لكن المؤلم أن هذا الصرح العريق يقف اليوم مثقلًا بسنوات طويلة من الإهمال، وكأن الزمن توقف داخله منذ أكثر من خمسة عشر عامًا. فبحسب ما يتداوله العاملون والخبراء داخل المبنى، فإن كثيرًا من الاستوديوهات والأجهزة لم تشهد تحديثًا حقيقيًا منذ عام 2010، رغم أن العالم الإعلامي تبدل مرات عديدة، وأصبحت التكنولوجيا هي معيار البقاء والمنافسة، بينما لا يزال ماسبيرو يقاوم بأدوات تجاوزها الزمن.
وما يدعو للأسى أكثر أن الأزمة لم تعد تقتصر على قدم الأجهزة، بل امتدت إلى أبسط مقومات العمل الإعلامي، وهي جودة الصوت والصورة. فمن غير المقبول أن تُسجل حلقات مباشرة مع شخصيات عامة وخبراء وأكاديميين، ثم تُبث عبر المنصات الرقمية بلا صوت واضح، أو بصوت يكاد يكون معدومًا، فيفقد الحوار قيمته، ويضيع جهد الضيف وفريق العمل هباءً.
وقد عشت هذه التجربة بنفسي عندما تشرفت بالوجود ضيفًا على قناة مصر التعليمية مع الإعلامية المتميزة الدكتورة إيمان شوقي، في حلقة استمرت ساعة كاملة تناولنا خلالها الإعلام الرقمي ودوره في حياتنا، وأهمية رقمنة أرشيف ماسبيرو، ذلك الكنز الوطني الذي يستحق أن يكون متاحًا للأجيال الجديدة وللباحثين في كل أنحاء العالم. لكن المفاجأة كانت بعد انتهاء الحلقة، عندما ظهرت على المنصات الرقمية بصوت ضعيف يكاد لا يُسمع، رغم أن موضوعها كان يتحدث عن الإعلام الرقمي، الذي يقوم في الأساس على جودة المحتوى وسلامة وصوله إلى الجمهور.
ولم تكن هذه الواقعة استثناءً، بل يؤكد كثير من الضيوف والإعلاميين أنها تتكرر بصورة تثير الحرج والاستياء، رغم ما يقال عن مطالبات متكررة للمسؤولين بضرورة إيجاد حلول عاجلة لهذه المشكلة التي تسيء إلى صورة مؤسسة إعلامية بحجم ماسبيرو، وإلى ضيوفها الذين يخصصون ساعات من وقتهم للمشاركة في تقديم محتوى معرفي وثقافي، ثم يفاجأون بأن الجمهور لا يستطيع سماع ما قالوه.
إن تطوير ماسبيرو ليس رفاهية، وليس مجرد مشروع لتحديث بعض الأجهزة، بل هو قضية أمن ثقافي وإعلامي. فالمبنى يحتضن أكبر أرشيف سمعي وبصري في المنطقة العربية، وربما من أهم الأرشيفات على المستوى العالمي، ويملك من التاريخ والخبرة والكوادر ما يؤهله للعودة إلى موقعه الطبيعي، إذا توافرت الإرادة والاستثمار الحقيقي في بنيته التكنولوجية.
يبقى ماسبيرو بيتًا لكل المصريين، وشاهدًا على عصر كامل من الإبداع والتنوير. ومن حق هذا المبنى علينا أن نعيد إليه شبابه، وأن نمنحه الأدوات التي تليق بتاريخه، حتى لا يظل يحمل أمجاد الماضي، بينما يعجز عن مخاطبة حاضرٍ أصبحت لغته رقمية، وصوته لا يقبل أن يكون خافتا أو غائبا باي حال من الاحوال .

إعلان
شارك الخبر:

التعليقات (0)