2026/10/30
إعلان

لماذا نقول للصنايعي الماهر «أسطى»؟ حكاية كلمة فارسية تركية تعيش في الشارع المصري حتى اليوم

لماذا نقول للصنايعي الماهر «أسطى»؟   حكاية كلمة فارسية تركية تعيش في الشارع المصري حتى اليوم

كتب- محمد سالم:

«الأسطى فلان».. عبارة تتردد يوميًا في الشارع المصري، عندما يريد شخص أن يشير إلى حرفي ماهر يتقن صنعته، سواء كان سباكًا أو كهربائيًا أو نجارًا أو ميكانيكيًا. 
لكن هل تساءلنا يومًا عن أصل هذه الكلمة؟ وكيف تحولت من لقب يرتبط بأصحاب الحرف إلى شهادة شعبية بالمهارة والإتقان؟

• من الفارسية إلى التركية

كلمة «أُسطى» ليست عربية الأصل، وإنما ترتبط لغويا بالكلمة الفارسية «أُستاد» التي تعني المعلم أو الخبير، وانتقلت إلى التركية العثمانية بصيغة «Usta»، بمعنى المعلم المتمكن من حرفته أو صاحب الخبرة فيها، ومنها انتشرت في عدد من اللهجات العربية، ومن بينها العامية المصرية.

وهكذا لم تكن الكلمة في بدايتها اسمًا لمهنة بعينها، وإنما لقبًا يُمنح لمن بلغ درجة متقدمة من الخبرة والمعرفة في مجال عمله.

• من الصبي إلى الأسطى

في الورش المصرية القديمة، لم يكن تعلم الحرفة يتم بصورة عشوائية، بل كان يقوم على نظام من التدرج واكتساب الخبرة، يبدأ بالصبي أو المتدرب الذي يتعلم أصول الصنعة على يد أصحاب الخبرة، ثم ينتقل إلى مرحلة العامل الذي يستطيع تنفيذ الأعمال بنفسه، وصولًا إلى المعلم أو الأسطى الذي يمتلك المهارة الكافية لإدارة العمل والإشراف على المتدربين وتعليمهم أسرار المهنة.

وكانت الورش جزءًا من تنظيم اجتماعي ومهني أوسع عُرف باسم طوائف الحرف، حيث كان لكل حرفة تنظيمها وأعرافها، وتوجد بها مستويات مختلفة من المسؤولية والخبرة، وصولا إلى شيخ الطائفة الذي يتولى الإشراف على شؤون أصحاب المهنة وتمثيلهم.

والأسطى ليس اسم حرفة مستقلة، وإنما لقب مهني يعبر عن التمكن والخبرة، وقد ارتبط تاريخيا بمكانة المعلم داخل الورشة، والمسؤول عن جودة العمل ونقل الخبرة إلى الأجيال الجديدة من الحرفيين.

وتشير دراسات تاريخ الحرف في مصر إلى أن لقب «أُسطى» استُخدم أيضًا في الورش الحديثة للدلالة على المعلم أو المشرف على العمال، بينما أُطلقت تسميات أخرى على العامل الماهر والمتدرب.

• شهادة بالمهارة..

مع مرور الزمن، تجاوز استخدام كلمة «أسطى» حدود نظام الورش التقليدي، وأصبحت جزءًا أصيلًا من التعبير اليومي لدى المصريين.

فلم يعد اللقب مرتبطا فقط بالنجار أو الحداد أو الميكانيكي، بل أصبح يُطلق على كل شخص يتقن عمله ويؤديه باحتراف، حتى إننا نسمع اليوم تعبيرات مثل «أسطى في شغله» أو «ده أسطى كبير»، للدلالة على الخبرة والقدرة على إنجاز العمل بجودة عالية.

وهكذا احتفظت كلمة «أسطى» بمعناها الأساسي رغم تغير الزمن وتطور المهن، لتظل واحدة من الكلمات التي تحمل في داخلها جانبا من تاريخ الحرف والصناعات في المجتمع المصري.

إعلان
شارك الخبر:

التعليقات (0)