▪️بحث الدكتور عبد الرحيم ريحان
أبدع المصريون القدماء في الهندسة والتعامل مع البيئة، واستطاعوا تطويعها لتفادي مخاطر الكوارث الطبيعية، حيث يؤكد الباحثون أن تصميم الأهرامات بالشكل الهرمي منحها قدرة كبيرة على مقاومة الزلازل عبر آلاف السنين.
كما أن المصري القديم امتلك معرفة دقيقة بقياسات الأرض وعلوم البناء، وهو ما يتضح من قدرة الهرم الأكبر على تحمل وزن ضخم يصل إلى نحو 6 ملايين طن، حيث لم تؤثر الزلازل التي مرت عليه إلا في أجزاء من الكسوة الخارجية، بينما ظل البناء الأساسي صامدًا.
تمثالا ممنون.. آثار صمدت أمام الزلازل
ومن أبرز الآثار التي تأثرت بالزلازل معبد أمنحتب الثالث بالضفة الغربية لنهر النيل، حيث دُمر المعبد بعد فترة قصيرة من بنائه نتيجة زلزال وقع عام 1200 قبل الميلاد، ولم يتبق منه سوى التمثالين العملاقين المعروفين باسم تمثالي ممنون.

وتعرض التمثالان، اللذان يجسدان أمنحتب الثالث في وضع الجلوس، لأضرار أكبر بسبب زلزال عام 27 قبل الميلاد. وقد صُنعا من كتل ضخمة من الحجر الرملي المستخرج من الجبل الأحمر، ونُقلا لمسافة نحو 675 كيلومترًا إلى الأقصر.
وأعاد المهندسون الرومان بناء التمثال الشمالي بعد انهياره، حيث أضيفت إليه خمس كتل حجرية لترميمه، ليصل ارتفاعه إلى نحو 18 مترًا ووزنه إلى 720 طنًا، بينما ظل التمثال الجنوبي محتفظًا بكتلة حجرية واحدة.
وكان التمثال الشمالي قد اشتهر بإصدار أصوات غريبة في الصباح بعد الزلزال، إلا أن هذه الظاهرة توقفت بعد أعمال الترميم التي أجريت خلال الفترة من 193 إلى 212 ميلادية.
تسونامي الإسكندرية وتأثيره على الآثار
تعرضت الإسكندرية لتسونامي عام 1303م، وهو الحدث الذي ارتبط بزلزال كبير في البحر المتوسط، حيث أثرت موجات المد البحري المدمرة على أسوار المدينة ومنارة الإسكندرية، كما تسببت في أضرار بالكسوة الخارجية لبعض الآثار.
دير سانت كاترين يواجه الزلازل
كما تعرض دير سانت كاترين بسيناء لزلزال عام 1312م، أدى إلى سقوط أجزاء من جدرانه الشرقية والغربية، بينما ظل الركن الجنوبي الغربي صامدًا لقرون، وتم ترميم الأجزاء المتضررة لاحقًا.
زلزال 1992.. أكبر اختبار للآثار الإسلامية
يعد زلزال 12 أكتوبر 1992، الذي وقع في الساعة الثالثة وتسع دقائق عصرًا، من أكثر الزلازل تأثيرًا في تاريخ مصر الحديث. وكان مركزه السطحي بالقرب من دهشور على بعد نحو 35 كيلومترًا جنوب غرب القاهرة، وبلغت قوته 5.8 درجة على مقياس ريختر.
وتسبب الزلزال في وفاة 545 شخصًا وإصابة أكثر من 6500 آخرين، وتشريد نحو 50 ألف شخص، كما استمرت توابعه عدة أيام.
وكانت الآثار الإسلامية في القاهرة التاريخية من أكثر المتضررين، حيث تضرر نحو 210 مواقع أثرية من أصل 560 أثرًا، وشملت الأضرار مناطق مسجلة ضمن التراث العالمي لليونسكو، مثل منطقة القلعة وابن طولون والجمالية وشارع المعز ومنطقة الفسطاط.
وبدأت الدولة مشروعًا واسعًا لترميم الآثار المتضررة عام 1998 على عدة مراحل، شمل ترميم عدد كبير من المساجد والمنشآت التاريخية، من بينها مدرسة السلطان برقوق، ومدرسة الناصر محمد، ومسجد السلحدار، وعدد من آثار شارع المعز لدين الله الفاطمي.
وأكد د. ريحان أن الحفاظ على الآثار القائمة فوق الأرض يمثل أولوية، لأنها أكثر عرضة للاندثار مع مرور الزمن، بينما تظل الآثار المدفونة تحت الأرض محفوظة إلى حين اكتشافها حتى بعد عقود أو قرون.
admin
التعليقات (0)