2026/09/05
بث تجريبي
إعلان

حين جاء الأحد ولم يأتِ أبو موسى

حين جاء الأحد ولم يأتِ أبو موسى

كتب أحد طلاب الأستاذ الدكتور العلامة محمد أبو موسى، أستاذ البلاغة بجامعة الأزهر، رسالة مؤثرة يقول فيها:

ما كنت أظن أني سأعيش هذا الشعور يومًا على هذا النحو؛ فهذا هو الأحد الأول منذ سنواتٍ لا يكون فيه درس شيخنا أبي موسى.

والإشكال أن الدرس ليس غائبًا لمرضٍ ألمَّ بالشيخ، ولا لسفرٍ حال بينه وبيننا، ولا لاجتماعٍ في الجامعة أو عارضٍ من عوارض الدنيا؛ وإنما غاب لأن شيخنا قد بلغ من العمر مبلغًا لا تعود معه مشقة الطريق والكلام هينة عليه.

فشيخنا في التسعين من عمره، أمد الله في عمره، وأسبغ عليه لباس العافية، وختم له بخير.

لست أدري كيف يأتي هذا الأحد ويمضي، ولا كيف تنقضي ساعاته من غير أن يملأ أسماعنا صوت الشيخ، ومن غير تلك النبرة التي طالما هزَّت فينا ساكنًا، وأيقظت فينا غافلًا، ودلَّتنا على الطريق.

كيف يمضي الأحد دون أن أسمعه يحثُّ أبناء خير أمة أن يعلوا، وأن يقوموا، وأن يجدّوا ويجتهدوا، وألا يركنوا إلى الدعة، ولا يخلدوا إلى النوم؟

آهٍ يا شيخنا!

لو تعلم أيَّ شيءٍ صنعتَ في أبنائك، وأيَّ أثرٍ تركتَ في قلوبهم وعقولهم!

لو رأيتَ تلك النفوس التي أيقظتَ فيها الهمة بعد خمود، وتلك العقول التي دفعتَها إلى البحث بعد فتور، وتلك الطرق التي فتحتَها أمامنا بعدما كنا لا نكاد نبصر لها معالم؛ لعلمتَ أن الله ما أقامك هذه السنين عبثًا، وما أجلسك على كرسي التعليم كل هذه العقود إلا ليجري على يديك من الخير ما شاء.

لقد كنتَ ـ يا شيخنا ـ أكثر من معلِّم؛ كنتَ باعثًا للهمم، وموقظًا للنفوس، ومستنقذًا للعقول من أسر الكسل والتقليد، وكنتَ تردُّنا كلما هممنا أن نقنع بالقليل إلى ما هو أبعد وأعلى وأشق.

ولعل من أعظم نعم الله عليك أن استعملك في إيقاظ أجيالٍ من طلاب العلم؛ فكم من نفسٍ خاملةٍ بعثتَ فيها الحياة، وكم من عقلٍ واهنٍ شددتَ أزره، وكم من طالبٍ كان يمشي في طريق العلم ثم جاء مجلسك فأبصر الطريق على حقيقته، فعاد إليه بقلبٍ آخر وهمَّةٍ أخرى.

واليوم، ونحن نفتقد مجلس الأحد، لا نفتقد درسًا فحسب؛ وإنما نفتقد حالًا كنا نعيشها مع الشيخ.

نفتقد صوتًا صار جزءًا من أيامنا، ونبرةً ألفتها أسماعنا، ووجهًا كان الأحد يكتمل به.

وكان الأستاذ الدكتور محمد أبو موسى، أستاذ البلاغة والنقد في جامعة الأزهر، قد أنهى دروسه في الرواق العباسي بالجامع الأزهر، بعد أكثر من عشر سنوات قضاها في شرح كتاب «دلائل الإعجاز» للإمام عبد القاهر الجرجاني، في مجلس علمي ظل موعدًا ثابتًا لطلاب العلم ومحبيه.

وجاء توقف الدروس في ظل بلوغ الشيخ عامه التسعين، وما تقتضيه هذه المرحلة من مراعاة لجهده وصحته، ليكون الأحد الأول الذي يغيب فيه مجلسه عن الرواق بعد سنوات من العطاء المتواصل.

لكن الدرس وإن توقف، فإن أثره لا يتوقف؛ وما تركه الشيخ في نفوس طلابه من محبة للعلم، وشغف بالبحث، وعلو في الهمة، سيظل حاضرًا فيهم، كما ستظل كلماته ومجالسه ووقفاته العلمية جزءًا من ذاكرة أجيال تلقت عنه العلم والأدب والنظر الدقيق في كلام العرب.

فالأحد الذي غاب فيه أبو موسى عن مجلسه لم يكن أحدًا عاديًا؛ كان يومًا أدرك فيه تلاميذه أن بعض المجالس لا تُقاس بعدد ساعاتها، وإنما بما تتركه في الإنسان من أثر لا يزول.

رضي الله عن الشيخ، وأطال بقاءه في طاعته، وألبسه ثوب الصحة والعافية، وأدام عليه عزه وكرمه وجزاه عن العلم وأهله وأبنائه خير الجزاء.

إعلان
شارك الخبر:

التعليقات (3)

  • أحسنت شيخ أحمد مرشد

    5 يوم
  • أحسنت شيخ أحمد مرشد

    5 يوم
  • أحسنت يا مولانا

    5 يوم