كتب- محمد حسن:
شهدت الجلسة العلمية الثالثة للمؤتمر الدولي الحادي عشر لدار الإفتاء المصرية نقاشات موسعة حول تأثير التحولات الفكرية والثقافية والتكنولوجية على الأسرة، في ظل تصاعد النقاشات المتعلقة بالهوية والقيم وأنماط العلاقات الإنسانية.
وترأس الجلسة فضيلة الأستاذ الدكتور عباس شومان، الأمين العام لهيئة كبار العلماء، والتي حملت عنوان «عولمة القيم والتيارات الفكرية وتحديات الهوية الأسرية»، وشهدت عرض عدد من الدراسات التي تناولت تأثير الذكاء الاصطناعي والهندسة الوراثية والإلحاد الرقمي والممارسات الجنسية غير التقليدية على بنية الأسرة وتماسكها.
وحذر الأستاذ الدكتور عباس شومان من التعامل مع بعض المصطلحات والمفاهيم الوافدة باعتبارها صورًا للتقدم والانفتاح، مؤكدًا ضرورة إخضاعها للنقاش والنقد وعدم التطبيع معها لمجرد انتشارها في الخطاب العام.
وقال إن استخدام مصطلحات مثل «المساكنة» و«المثلية» والتعامل معها باعتبارها مظاهر للتقدم والانفتاح قد يسهم في التقليل من شأن المؤسسات والقيم التي تشكل أساسًا لاستقرار المجتمعات، مشددًا على رفض التطبيع مع هذه المصطلحات التي لا يقرها الدين الإسلامي، وضرورة التعامل معها وفق المرجعية الدينية والقيم المجتمعية.
وفيما يتعلق بمفهوم «ما بعد الإنسانية»، أكد شومان أن التوسع في استخدام الروبوتات والتقنيات الحديثة لا يعني انتهاء الإنسانية أو تجاوز الإنسان، قائلًا: «لا يوجد شيء اسمه ما بعد الإنسانية»، موضحًا أن التقنيات الحديثة تظل أدوات تعتمد على الإنسان وما يزوّدها به من معلومات ومعارف.
وشدد على ضرورة عدم التعامل مع كل فكرة جديدة باعتبارها حقيقة لمجرد ظهورها، وإنما إخضاعها للدراسة والنقاش والتقييم قبل تبنيها أو الترويج لها.
وخلال الجلسة، تناول الدكتور أحمد محمد إبراهيم الصاوي، مدرس العقيدة والفلسفة بكلية الدراسات الإسلامية والعربية بدمياط الجديدة، تأثير تيار «ما بعد الإنسانية» على الهوية الأسرية، موضحًا أن التطورات المتسارعة في الذكاء الاصطناعي والهندسة الوراثية والتقنيات الحيوية وواجهات الدماغ والحاسوب تطرح أسئلة جديدة حول مفاهيم الإنسان والجسد والحرية والأسرة والأبوة والأمومة والهوية.
وأكد الصاوي ضرورة تأصيل الموقف الإسلامي تجاه التقنيات الحديثة، بما يحقق التوازن بين الاستفادة من التطور العلمي والحفاظ على الثوابت ومقاصد الشريعة، خاصة ما يتعلق بحفظ الدين والنفس والعقل والنسل.
وتناول الدكتور نجاح عثمان أبو العنين إسماعيل، أستاذ الشريعة الإسلامية بكلية الحقوق جامعة دمياط، أثر الممارسات الجنسية غير التقليدية على البنية الأسرية، مؤكدًا أن الشريعة الإسلامية أولت الأسرة عناية كبيرة باعتبارها أساس العمران الإنساني ومجال حفظ الدين والنسل والأخلاق والقيم.
وأشار إلى أن بعض الممارسات التي تطرح في بعض البيئات باعتبارها صورًا للحريات الشخصية أو أنماطًا بديلة للحياة تثير تساؤلات حول آثارها على البناء الأسري والتنشئة والهوية والتماسك الاجتماعي.
من جانبه، حذر الدكتور محمد إسماعيل أحمد العطيوي، مدرس الفقه العام بكلية الشريعة والقانون بطنطا، من تنامي تأثير الفضاء الرقمي في نشر الأفكار الإلحادية، مؤكدًا أن البيئة الرقمية أتاحت وصولًا واسعًا إلى أفكار ومعتقدات مختلفة، وأصبحت مجالًا خصبًا للتأثير في بعض الفئات، خاصة الشباب.
وأوضح أن اهتزاز المرجعية الدينية والقيم الأخلاقية يمكن أن ينعكس على العلاقات داخل الأسرة، مؤكدًا الحاجة إلى خطاب ديني قادر على التعامل مع التحولات الرقمية والفكرية الجديدة.
وفي السياق ذاته، أكد الشيخ أحمد ربيع أحمد السيد الأزهري، من علماء الأزهر وأئمة وزارة الأوقاف المصرية، أهمية حماية الأسرة باعتبارها المؤسسة الأولى لتكوين الإنسان دينيًا وأخلاقيًا وفكريًا وقيميًا.
ودعا إلى ترسيخ النموذج الأسري القائم على القيم والتربية من خلال المناهج التعليمية ووسائل الإعلام والمنصات الإلكترونية، إلى جانب إطلاق برامج ومبادرات مجتمعية تعزز الوعي بالقضايا الأسرية من جوانبها الطبية والدينية والأخلاقية.
وأكد المشاركون أن مواجهة التحولات التي تتعرض لها الأسرة لا تتطلب الانغلاق أمام التطور، وإنما تستلزم بناء وعي قادر على فهم المتغيرات والتعامل معها، مع الحفاظ على المرجعية الدينية والهوية والقيم التي تشكل أساس استقرار الأسرة والمجتمع.
admin
التعليقات (0)