كتب- محمد حسن:
أكد فضيلة الدكتور محمود الهواري، الأمين المساعد لمجمع البحوث الإسلامية، أن الإسلام لا يدعو إلى الاستسلام للظروف أو الرضا بالدونية والتواكل، وإنما يدعو إلى العبادة وعمارة الأرض والقيادة والسيادة، مشددًا على أن الأمة التي تلقت أنوار الوحي لا يليق بها أن تكون في ذيل القافلة أو أن تجتر أمجاد الماضي وهي غارقة في بؤس الحاضر.
جاء ذلك خلال خطبة الجمعة التي ألقاها اليوم بالجامع الأزهر تحت عنوان «أمة الأكابر»، موضحًا أن الإسلام يربي أتباعه على علو الهمة وإتقان العمل والارتقاء بالأخلاق، مستشهدًا بقول النبي صلى الله عليه وسلم: «إن الله يحب معالي الأمور وأشرافها، ويكره سفسافها».
وأوضح الهواري أن «أكابر الأمة» هم أصحاب الهمم العالية والأخلاق الرفيعة والأعمال المتقنة، الذين لا تتوقف اهتماماتهم عند إشباع رغباتهم الشخصية، وإنما ينظرون إلى احتياجات مجتمعهم وأمتهم، فيواجهون الجهل بالعلم، والفقر بالعطاء، والضعف بالعمل والبناء.
وأشار إلى أن من أبرز صفات هؤلاء الأكابر تنزيه النفس عن صغائر الخصومات، والالتزام بالأدب عند الاختلاف، والعفو عند المقدرة، إلى جانب إتقان العمل، مؤكدًا أن الكبير في عمله هو العالم الذي يتعمق في تخصصه، والصانع الذي يجود منتجه، والمزارع الذي يؤدي عمله بإخلاص، والموظف الذي يحترم وقت الناس.
وقال إن الأكابر هم أهل «الصناعة المحكمة، والفكر العميق، والبناء المتين»، لافتًا إلى أن تاريخ الأمة حافل بنماذج لعلو الهمة، من بينها أبو بكر الصديق، وعثمان بن عفان، ومصعب بن عمير، وعمر بن عبد العزيز، إلى جانب علماء كبار مثل الإمام الشافعي وابن جرير الطبري.
وحذر الأمين المساعد لمجمع البحوث الإسلامية من انقلاب معايير القيمة في المجتمع، قائلًا إن «التافهين» أصبحوا في بعض الأحيان نجومًا يتابعهم الملايين وتُبذل لهم الأموال، بينما يعيش العالم والمفكر والمخترع ومن يعمل على بناء الأمة على هامش الاهتمام العام.
وانتقد استنزاف طاقات قطاعات من الشباب في الاستهلاك والفضائح والشائعات والمحتوى الفارغ والألعاب الإلكترونية والمتابعات غير الهادفة، بما يؤدي إلى تراجع القراءة الجادة والتفكير العميق والإنتاج والابتكار، داعيًا إلى استعادة الاهتمام بالقضايا الكبرى، وفي مقدمتها إصلاح التعليم، وبناء النهضة العلمية، وتعزيز الإنتاج والاستقلال.
وأكد الهواري أن الرضا بـ«السفساف» ليس مجرد خطأ فردي، وإنما مرض حضاري، موضحًا أن الدول والحضارات تبدأ في التراجع عندما يستشري الترف الفارغ، وتصغر الهمم، وتضيع المبادئ، وينشغل الناس بالصغائر عن القضايا الكبرى.
وشدد على أن العودة إلى «أمة الأكابر» تبدأ بإعادة تعريف النجاح والقيمة داخل المجتمع، بحيث يحظى أهل العلم والإبداع والتربية والعمل المخلص والأخلاق الرفيعة بالتقدير، بدلًا من صناعة قدوات زائفة.
ودعا إلى تربية الأبناء والشباب على تحمل المسؤولية وصناعة الهمة، وتعريفهم بسير العلماء والمصلحين والعظماء، إلى جانب احترام الوقت ومحاربة الفراغ، وإتقان العمل ورفض الرداءة، ونبذ الحسد والنميمة وتتبع العورات والخصومات الصغيرة.
ووجه خطيب الجامع الأزهر رسالة مباشرة إلى الشباب، قائلًا: «لستم نافلة في الوجود، ولستم عالة على الخلق»، مؤكدًا أن الأمة في أشد الحاجة إلى عقولهم النيرة وسواعدهم القوية وهممهم الشامخة.
ودعا الشباب إلى الابتعاد عن الشهوات الهابطة، والإقبال على العلم والبحث والابتكار، مؤكدًا أن الحضارات لا تُبنى بالأماني، وإنما بالعمل والعرق والسهر والإخلاص.
خطيب الجامع الأزهر: أمة الأكابر لا ترضى بالدون.. والتافهون أصبحوا نجومًا والعلماء على الهامش
admin
التعليقات (0)