2026/10/13
بث تجريبي
إعلان

من وعد بلفور إلى الخلافات الأخيرة.. بريطانيا وإسرائيل أمام فصل جديد وثلاثة سيناريوهات للأزمة


منذ نعومة أظافرنا ونحن نعلم أن إسرائيل كانت الابن المدلل لبريطانيا، التي لعبت دورًا محوريًا في تهيئة الظروف لقيام الدولة الإسرائيلية، بدءًا من وعد بلفور عام 1917، وما تلاه من سياسات خلال فترة الانتداب البريطاني على فلسطين.

ولم تكن العلاقة بين إسرائيل وأوروبا في يوم من الأيام علاقة بسيطة. فقد قامت على تاريخ طويل من المصالح السياسية والأمنية والاقتصادية، وفي الوقت نفسه شهدت خلافات لم تختفِ حول القضية الفلسطينية والاستيطان والقدس وحدود الدولة الفلسطينية.

لكن ما يجري الآن يبدو مختلفًا.

خلال الأيام الأخيرة، انتقلت بريطانيا وفرنسا وكندا إلى خطوات تستهدف التجارة المرتبطة بالمستوطنات الإسرائيلية في الضفة الغربية، بينما أعلنت دول أوروبية أخرى استعدادها لاتخاذ إجراءات وطنية أو دعم إجراءات أوروبية في الاتجاه نفسه.

وفي المقابل، جاء الرد الإسرائيلي سريعًا، ووصل إلى حد الإعلان عن إغلاق القنصلية البريطانية في القدس الشرقية واتخاذ إجراءات ضد دبلوماسيين ومسؤولين بريطانيين.

قد تبدو القضية، في ظاهرها، مرتبطة بمنتجات تدخل الأسواق الأوروبية أو تخرج منها، لكن اختزالها في الجانب التجاري فقط يفوّت جوهر التطور.

المسألة تتعلق بتغير تدريجي في الطريقة التي تتعامل بها بعض الدول الأوروبية مع إسرائيل.

فالدول التي كانت تكتفي لسنوات بالتعبير عن رفضها للاستيطان بدأت تستخدم أدوات عملية، حتى وإن كانت هذه الأدوات لا ترتقي، حتى الآن، إلى مستوى العقوبات الشاملة على إسرائيل.

واقع الحال يشير إلى أننا أمام بداية إعادة صياغة للعلاقة، وليست مجرد أزمة مؤقتة بين حلفاء.

من وعد بلفور إلى الخلافات الأخيرة

لفهم حساسية الموقف البريطاني الحالي، لا بد من العودة إلى الخلفية التاريخية للعلاقة.

فبريطانيا كانت صاحبة وعد بلفور عام 1917، الذي نص على تأييد إنشاء وطن قومي لليهود في فلسطين، وهو الوعد الذي أصبح لاحقًا أحد أهم المحطات السياسية في التاريخ الذي سبق قيام إسرائيل.

وخلال فترة الانتداب البريطاني على فلسطين، لعبت بريطانيا دورًا أساسيًا في إدارة الأرض الفلسطينية والتعامل مع الحركة الصهيونية والسكان الفلسطينيين، وسط صراعات سياسية وأمنية متزايدة.

وبعد قيام إسرائيل، تطورت العلاقات البريطانية الإسرائيلية في إطار المصالح السياسية والأمنية والاقتصادية، لكنها لم تخلُ من الخلافات، خصوصًا بشأن الاستيطان والقدس والحقوق الفلسطينية.

واليوم، يبدو أن هذه الخلافات تنتقل إلى مستوى أكثر عملية.

فبدلًا من الاكتفاء بالبيانات السياسية، بدأت بعض الدول الأوروبية تبحث عن أدوات اقتصادية وقانونية يمكن استخدامها للضغط على إسرائيل، خصوصًا فيما يتعلق بالمستوطنات في الأراضي الفلسطينية المحتلة.

من بيانات الإدانة والشجب إلى الإجراءات

في 8 سبتمبر 2026، أعلنت بريطانيا وفرنسا وكندا التحرك ضد تجارة منتجات المستوطنات، بينما وقعت إلى جانبها تسع دول أخرى بيانًا مشتركًا أكدت فيه الدول الاثنتا عشرة استعدادها لإدخال قيود وطنية أو دعم قيود أوروبية على التجارة مع المستوطنات التي تعتبر غير قانونية بموجب القانون الدولي، أو دراسة إجراءات أخرى وفقًا للإجراءات الوطنية لكل دولة.

وهذه الصياغة مهمة؛ لأنها تكشف أن أوروبا لم تتخذ قرارًا موحدًا بفرض عقوبات شاملة على إسرائيل.

هناك تحرك وطني من بعض الدول، وتحرك أوروبي محتمل من دول أخرى، ومحاولات للوصول إلى موقف أوسع داخل الاتحاد الأوروبي.

بمعنى آخر، ما يحدث ليس «قرارًا أوروبيًا واحدًا»، وإنما اتجاه سياسي وقانوني يتوسع داخل أوروبا.

وهذا الاتجاه يستند إلى قناعة باتت أكثر رسوخًا لدى عدد من الحكومات الأوروبية بأن استمرار الاستيطان يهدد إمكانية قيام دولة فلسطينية قابلة للحياة.

العمق القانوني.. من أين جاءت هذه الإجراءات؟

هنا تصبح الصورة أكثر تعقيدًا، وربما أكثر أهمية مما تبدو عليه في العناوين الإخبارية وشاشات التلفاز.

فمحكمة العدل الدولية أصدرت في 19 يوليو 2024 رأيًا استشاريًا بشأن الآثار القانونية لسياسات وممارسات إسرائيل في الأراضي الفلسطينية المحتلة، بما فيها القدس الشرقية.

وخلصت المحكمة إلى أن استمرار الوجود الإسرائيلي في الأراضي الفلسطينية المحتلة غير قانوني، وأكدت أن على الدول عدم الاعتراف بالوضع الناشئ عن هذا الوجود باعتباره قانونيًا، وألا تقدم المساعدة أو العون في الحفاظ على الوضع غير القانوني، كما شددت على ضرورة التمييز في التعامل بين أراضي دولة إسرائيل والأراضي الفلسطينية المحتلة منذ عام 1967.

وهنا يجب تسجيل نقطة قانونية مهمة:

الرأي الاستشاري لمحكمة العدل الدولية ليس، في حد ذاته، عقوبة تجارية تلقائية تفرض على الدول حظرًا على منتجات المستوطنات.

فالمحكمة لا تصدر هنا قرارًا تنفيذيًا يقول لبريطانيا أو فرنسا: «احظروا هذه السلعة».

ما فعلته المحكمة هو تحديد الآثار القانونية للوضع القائم والالتزامات التي تقع على الدول في التعامل معه.

أما تحويل هذه الالتزامات إلى سياسة تجارية أو عقوبات أو قيود على الشركات، فيتم من خلال الآليات القانونية الوطنية أو الأوروبية لكل دولة.

وهذا ما يفسر اختلاف الإجراءات من دولة إلى أخرى.

فبريطانيا، على سبيل المثال، أعلنت أن التشريع الخاص بحظر التجارة والإعلانات المرتبطة بالمستوطنات سيحتاج إلى إجراءات تشريعية، وقالت الحكومة إن التشريع سيصبح نافذًا خلال ستة إلى تسعة أشهر، مع اتخاذ إجراءات أخرى بصورة فورية.

وفي فرنسا، كانت الحكومة قد حذرت الشركات الفرنسية منذ يونيو 2026 من المخاطر القانونية والاقتصادية والسمعية المرتبطة بالأنشطة الاقتصادية والمالية في المستوطنات، وربطت موقفها صراحة بقرارات مجلس الأمن وبرأي محكمة العدل الدولية لعام 2024.

إذن نحن أمام مسارين متداخلين: مرجعية القانون الدولي من جهة، وتحويل هذه المرجعية إلى إجراءات وطنية من جهة أخرى.

وهذه نقطة جوهرية؛ لأنها تعني أن الإجراءات الأوروبية لا تقوم فقط على خلاف سياسي مع الحكومة الإسرائيلية، وإنما تحاول أن تقدم لنفسها أساسًا قانونيًا يتعلق بالتعامل مع الأراضي المحتلة والاستيطان.

ماذا يعني ذلك لإسرائيل؟

المشكلة بالنسبة لإسرائيل لا تكمن فقط في قيمة المنتجات التي ستُمنع من دخول الأسواق الأوروبية.

فحتى المصادر التي تناولت القرار أشارت إلى أن تجارة المستوطنات تمثل جزءًا صغيرًا من إجمالي التجارة الإسرائيلية، وبالتالي فإن الأثر الاقتصادي المباشر محدود.

لكن التأثير السياسي مختلف.

إذا تحولت قرارات حظر منتجات المستوطنات إلى قاعدة تتبناها دول أوروبية إضافية، ثم توسعت إلى الخدمات والاستثمارات والشركات التي تشارك في مشاريع الاستيطان، فإن التكلفة يمكن أن تصبح أكبر.

وهذا هو الخطر الحقيقي من وجهة النظر الإسرائيلية.

ليس أن أوروبا ستُسقط الاقتصاد الإسرائيلي غدًا، وإنما أن الاستيطان قد يتحول من سياسة لا تتجاوزها سوى الانتقادات الدولية إلى نشاط يحمل تكلفة قانونية واقتصادية متزايدة على الشركات والدول المتعاملة معه.

إسرائيل ترد

الرد الإسرائيلي يعكس إدراكًا لحساسية هذه النقطة.

فقد أعلنت إسرائيل إغلاق القنصلية البريطانية في القدس الشرقية خلال ثلاثين يومًا، واتخذت إجراءات ضد عدد من المسؤولين والدبلوماسيين البريطانيين، في أعقاب الخطوات البريطانية والفرنسية والكندية.

وهذا التصعيد الدبلوماسي يقول إن إسرائيل لا ترى الإجراءات الجديدة مجرد خلاف تجاري.

لكن في الوقت نفسه، لا تزال العلاقات الأمنية والاستراتيجية مع الدول الغربية قائمة، ولم تتحول بريطانيا أو فرنسا إلى خصمين لإسرائيل بالمعنى المتعارف عليه.

وبذلك نصل إلى لب المسألة.

فما نشهده ليس انتقالًا من «الصداقة إلى العداوة»، بقدر ما هو انتقال من تحالف غير مشروط إلى علاقة أكثر ارتباطًا بالسلوك السياسي والقانوني.

أوروبا ليست جبهة واحدة

من الخطأ الحديث عن أوروبا باعتبارها كتلة موحدة ضد إسرائيل.

فالاتحاد الأوروبي نفسه ما زال منقسمًا حول حجم الإجراءات التي يمكن اتخاذها ضد إسرائيل، وهناك حكومات أكثر تحفظًا من غيرها.

والدليل أن البيان الأخير لم يقل إن الدول الاثنتي عشرة فرضت جميعها العقوبات نفسها، بل تحدث عن نوايا مختلفة: إجراءات وطنية، أو دعم قيود أوروبية، أو دراسة إجراءات أخرى وفق الإجراءات الوطنية.

وهذا يعني أن الطريق أمام أوروبا ما زال طويلًا.

لكن مجرد انتقال النقاش من «هل يجب أن ننتقد الاستيطان؟» إلى «ما الأدوات التي يمكن استخدامها للضغط على سياسة الاستيطان؟» يمثل تحولًا سياسيًا مهمًا.

حدود التحول.. من الصداقة إلى العلاقة المشروطة

التاريخ الدولي لا يعرف علاقات دائمة بالمعنى المطلق، فالمصالح هي التي تحدد شكل العلاقات وتعيد رسم حدودها.

لكن وصف الوضع الحالي بأنه تحول أوروبي إلى العداء لإسرائيل سيكون مبالغًا فيه.

فبريطانيا ما زالت تؤكد أنها لا تستهدف إسرائيل كدولة، وأن إجراءاتها موجهة ضد المستوطنات والتوسع الاستيطاني، كما تؤكد استمرار التجارة مع إسرائيل داخل الخط الأخضر.

إذن ما يتغير هو طبيعة العلاقة، وليس وجود العلاقة نفسها.

وقد تصبح القاعدة الجديدة شيئًا من هذا القبيل:

تعاون أمني واستخباراتي وسياسي في ملفات معينة، يقابله ضغط اقتصادي ودبلوماسي في ملفات أخرى.

وهذه العلاقات المركبة ليست استثناءً في السياسة الدولية.

ثلاثة سيناريوهات للأزمة

المشهد الآن لا يسمح بحسم اتجاه واحد، ولذلك يمكن تصور ثلاثة سيناريوهات رئيسية للمرحلة المقبلة.

السيناريو الأول: التصعيد

يقوم هذا السيناريو على استمرار الحكومة الإسرائيلية في توسيع المستوطنات، خصوصًا في المناطق التي ترى دول أوروبية أنها تهدد التواصل الجغرافي للدولة الفلسطينية، وفي مقدمتها مشروع E1.

في هذه الحالة، قد تنتقل الإجراءات الأوروبية من المنتجات إلى الشركات والخدمات والاستثمارات المرتبطة بالمستوطنات.

وقد تظهر قيود إضافية على مسؤولين أو كيانات مرتبطة بالتوسع الاستيطاني، وربما تتوسع الدول الأوروبية التي تتبنى هذه السياسة.

كما أن الرد الإسرائيلي قد يصبح أكثر حدة، خصوصًا إذا شعرت الحكومة الإسرائيلية أن الإجراءات الأوروبية بدأت تتحول إلى سياسة جماعية.

وهذا السيناريو سيكون الأخطر على العلاقات الأوروبية الإسرائيلية؛ لأنه قد ينقلها من خلاف سياسي إلى أزمة استراتيجية.

السيناريو الثاني: التراجع

هناك احتمال آخر.

قد تحدث تغيرات سياسية داخل إسرائيل، أو تتراجع الحكومة عن بعض خطوات الاستيطان، أو يبدأ مسار تفاوضي جدي يعيد الحديث عن حل الدولتين.

في هذه الحالة، قد تعتبر بعض الحكومات الأوروبية أن هدف الضغط تحقق جزئيًا، فتتراجع عن توسيع العقوبات أو تجمد إجراءات إضافية.

وهذا السيناريو ليس مستحيلًا، خصوصًا أن الحكومات الأوروبية تقول إن هدفها المعلن ليس معاقبة إسرائيل لمجرد العقاب، وإنما حماية إمكانية قيام دولتين والضغط لوقف التوسع الاستيطاني.

السيناريو الثالث: الاستمرار التدريجي

وهذا، في تقديري، هو السيناريو الأكثر ترجيحًا في المدى القريب.

لن نشهد قطيعة أوروبية مع إسرائيل، ولن نشهد في المقابل عودة سريعة إلى الوضع السابق.

بل ستستمر الإجراءات بصورة تدريجية.

دولة تتخذ قرارًا وطنيًا، وأخرى تدعم خطوة أوروبية، وثالثة تفرض عقوبات على مستوطنين أو كيانات، بينما تستمر العلاقات الأمنية والتجارية مع إسرائيل في ملفات أخرى.

وهذا يعني أن العلاقة ستصبح أكثر تعقيدًا وأقل راحة بالنسبة لإسرائيل.

قد لا تكون أوروبا قد أصبحت خصمًا، لكنها بالتأكيد لم تعد مستعدة لتجاهل الخلافات كما كان يحدث في مراحل سابقة.

وماذا عن الولايات المتحدة؟

وجود الولايات المتحدة في الصورة يمنع الوصول إلى استنتاج مبالغ فيه.

فواشنطن لم تتبنَّ حتى الآن النهج الأوروبي نفسه تجاه منتجات المستوطنات، بل أشارت إلى أنها لا تعتزم منع هذه الواردات.

وهذا يعني أن إسرائيل ما زالت تمتلك دعمًا قويًا من واشنطن، وأن الإجراءات الأوروبية لن تتحول بسهولة إلى حصار سياسي غربي شامل.

لكن ذلك لا يلغي أهمية ما يحدث.

فأي تحول كبير في السياسة الدولية لا يبدأ دائمًا بإجماع كامل.

أحيانًا يبدأ الأمر بمجموعة دول تتحرك، ثم تصبح خطوتها سابقة، وبعد ذلك تبدأ دول أخرى في اللحاق بها.

ولهذا فإن أهمية الإجراءات الحالية قد تظهر بعد سنوات أكثر مما تظهر اليوم.

أما العرب.. فماذا عنهم؟

وهنا يأتي الجزء الذي لا ينبغي أن يمر مرور الكرام.

إذا كانت بعض الدول الأوروبية قد بدأت بالفعل في الانتقال من البيانات إلى الإجراءات، فإن السؤال العربي يصبح أكثر إلحاحًا.

فالمسألة لا تتعلق بما إذا كان العرب سيبقون عند مستوى الشجب والتنديد، أم سيحاولون تحويل أدواتهم السياسية والاقتصادية والدبلوماسية إلى تأثير حقيقي.

وهذا هو جوهر الاختبار.

لا يعني ذلك الدعوة إلى مواجهة مفتوحة أو إلى قطع العلاقات، لكن الدول العربية تملك أوراقًا كثيرة يمكن استخدامها بصورة قانونية ومدروسة، من بينها التحرك داخل الأمم المتحدة، ودعم المسارات القانونية الدولية، والتنسيق مع الدول الأوروبية التي تتحرك في اتجاه حل الدولتين، واستخدام العلاقات الاقتصادية والدبلوماسية في بناء مواقف مشتركة.

والأهم أن يكون هناك تصور عربي موحد لما ينبغي الوصول إليه.

لأن المشكلة ليست في إصدار موقف صحيح، وإنما في تحويل هذا الموقف إلى نتيجة سياسية.

ماذا لو استمر التحول الأوروبي؟

إذا استمر السيناريو الثالث، أي الاستمرار التدريجي، فإن السنوات المقبلة قد تشهد شكلًا جديدًا من العلاقة بين إسرائيل وأوروبا.

لن تنقطع العلاقات، ولن تختفي المصالح المشتركة.

لكن إسرائيل ستجد نفسها أمام حكومات أوروبية أكثر استعدادًا لربط بعض جوانب العلاقة بسلوكها في الأراضي الفلسطينية.

وهنا يصبح الاستيطان اختبارًا حقيقيًا.

فكلما توسعت المستوطنات، أصبح من الصعب على الدول الأوروبية التي تعلن التزامها بحل الدولتين أن تكتفي بالتصريحات.

أما إذا توقفت عملية التوسع وبدأ مسار سياسي جدي، فقد تتراجع الضغوط تدريجيًا.

وهذا يجعل القرار الإسرائيلي نفسه عاملًا أساسيًا في تحديد مستقبل العلاقة مع أوروبا.

الفصل الجديد لم يُكتب بالكامل بعد

ما يحدث لا يعني أن أوروبا أصبحت عدوًا لإسرائيل، ولا أن التحالف الغربي معها انتهى.

لكنه يعني أن شيئًا تغير.

القانون الدولي أصبح جزءًا أكثر حضورًا في النقاش السياسي الأوروبي، ورأي محكمة العدل الدولية لعام 2024 أصبح مرجعًا تستند إليه بعض الحكومات في تبرير ضرورة التمييز بين إسرائيل والأراضي المحتلة وعدم دعم الأنشطة التي تساعد على ترسيخ الوضع القائم هناك.

وفي الوقت نفسه، بدأت بعض الدول تحويل هذه المبادئ إلى إجراءات وطنية فعلية، بينما تحاول دول أخرى بناء مسار أوروبي مشترك.

لم يعد الجدل يدور حول ما إذا كانت أوروبا ستنقلب على إسرائيل، بل أصبح حول تحول العلاقة من تحالف يقوم على المصالح المشتركة إلى علاقة تقوم على المصالح ذاتها، ولكن مع شروط وحدود سياسية وقانونية أكثر وضوحًا.

إذا كان سيناريو الاستمرار التدريجي هو الأقرب، فإن هذا التحول لن يحدث في يوم واحد، ولن يكون صاخبًا بالضرورة.

سيأتي عبر قرارات صغيرة، وعقوبات محدودة، وقيود تجارية، وإجراءات قانونية، ومواقف دبلوماسية تتراكم مع الوقت.

وهنا أيضًا تبرز مسؤولية العرب.

فإذا كانت أوروبا تعيد صياغة أدواتها، فإن بقاء العرب في موقع المتلقي لن يخدم القضية الفلسطينية.

المطلوب ليس الدخول في مواجهة غير محسوبة، وإنما بناء قدرة عربية على التأثير، والاستفادة من أي تغير في الموقف الدولي لدعم حل سياسي عادل وقابل للحياة.

وفي النهاية، قد لا تكون أوروبا بصدد كتابة نهاية علاقتها بإسرائيل، لكنها بدأت بالفعل في كتابة فصل جديد فيها.

فهل تكتب بريطانيا، من وعد بلفور إلى خلافاتها الأخيرة مع إسرائيل، فصلًا جديدًا في هذه العلاقة؟ وهل ينجح العرب في الانتقال من رد الفعل إلى التأثير؟


إعلان
شارك الخبر:

التعليقات (0)