2026/10/13
بث تجريبي
إعلان

خطوط إيران الحمراء في الأمم المتحدة..

من على منصة الأمم المتحدة، لم يُلقِ الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان خطابًا تقليديًا لرئيس دولة في ظرف استثنائي، وإنما حاول أن يرسم حدودًا جديدة للصراع بين طهران وواشنطن، وأن يقول بوضوح إن الحرب لم تُسقط الخيارات السياسية لإيران، كما أن التفاوض لم يعد يعني بالنسبة إليها الاستسلام.

كانت الرسالة الأساسية التي أراد بزشكيان تثبيتها أمام العالم واضحة: إيران لا تنحني، ولن تنكسر، لكنها في الوقت نفسه لا تغلق باب الدبلوماسية.

وهنا تحديدًا تكمن أهمية الخطاب.

فالرئيس الإيراني لم يقل إن طهران ترفض التفاوض، بل قال إنها مستعدة للحوار والدبلوماسية والمفاوضات، ولكن من دون قبول «لغة القوة». وهذا الموقف جاء بعد لقاءات أمريكية ـ إيرانية جرت في نيويورك عبر قنوات تفاوضية، وهو ما يكشف أن التصعيد الكلامي لا يعني بالضرورة إغلاق المسار الدبلوماسي.

بمعنى آخر، كانت طهران تقول لواشنطن: إذا أردتم التفاوض، فنحن موجودون، ولكن إذا كان المطلوب هو التفاوض تحت التهديد، فلن تحصلوا على استسلام إيراني.

وهذا فارق استراتيجي مهم:

الرسالة الأولى.. لا تراهنوا على أن الحرب ستجبر إيران على التنازل

أهم ما حمله خطاب بزشكيان أنه أراد إسقاط فكرة أن الضغط العسكري يمكن أن يتحول تلقائيًا إلى ورقة إجبار سياسي.

فالرئيس الإيراني أكد أن الضربات والتهديدات لم تجعل إيران تتخلى عن موقفها، وأن توسيع الحرب لن ينتج الأمن، وفقًا لما نشرته الجارديان البريطانية.

وهنا يمكن قراءة الخطاب باعتباره رسالة مباشرة إلى صانع القرار الأمريكي والإسرائيلي: إذا كان الهدف من القوة العسكرية هو دفع إيران إلى التخلي عن برنامجها النووي أو قبول ترتيبات أمنية أوسع، فإن طهران لا ترى أن القصف وحده سيحقق هذه النتيجة.. وهذه ليست مجرد مسألة نووية.

إيران تحاول الدفاع عن مفهوم أوسع يتعلق بمكانتها كدولة إقليمية؛ أي أنها لا تريد أن تصبح نتيجة الحرب هي إعادة تعريف موقعها في المنطقة بالقوة.

لذلك ربط بزشكيان بين الأمن والسيادة والقدرة النووية السلمية، وبين رفض الإملاءات الخارجية.

النووي.. القضية التي أراد بزشكيان تحويلها من «ملف أمني» إلى «حق سيادي»

كان الملف النووي أحد أكثر محاور الخطاب وضوحًا. الرئيس بزشكيان كرر القول إن إيران لا تسعى إلى امتلاك سلاح نووي، لكنه رفض في الوقت نفسه التخلي عن التكنولوجيا النووية السلمية، معتبرًا أنها حق مرتبط بالتنمية والطاقة والطب والزراعة والصناعة.

وهنا تحاول طهران نقل النقاش من السؤال الذي تطرحه الولايات المتحدة وإسرائيل عادة، وهو: هل ستنتج إيران سلاحًا نوويًا؟ إلى سؤال مختلف: هل يجوز منع إيران من امتلاك التكنولوجيا النووية السلمية بسبب الشكوك والاتهامات؟

والفارق بين السؤالين كبير سياسيًا.

فالأول يضع إيران في خانة الدولة التي ينبغي احتواؤها ومنعها، بينما الثاني يسمح لطهران بتقديم نفسها باعتبارها دولة تطالب بحقوق تكنولوجية وسيادية أساسية.

ولذلك لم يكن غريبًا أن يكرر بزشكيان أمام الجمعية العامة معادلة «المعايير المزدوجة»، مستندًا إلى المقارنة بين وضع البرنامج النووي الإيراني وبين القدرات النووية الإسرائيلية التي تعتبرها طهران خارج منظومة الرقابة الدولية ذاتها.

وهنا ينبغي التمييز بين الموقف الإيراني وبين حقيقة الخلاف الدولي حول الملف النووي؛ فحديث بزشكيان يعكس رواية طهران السياسية، وليس تسوية للخلاف حول طبيعة البرنامج النووي الإيراني أو المخاوف الدولية بشأنه.

اللافت أن بزشكيان لم يترك الملف النووي منفصلًا عن غزة، وحاول أن يربط بين القضيتين داخل إطار سياسي واحد: ازدواجية المعايير الدولية.

إيران، في روايته، تتعرض للعقوبات والضغوط والتفتيش بسبب برنامجها النووي، بينما لا تواجه إسرائيل ـ وفق الرواية الإيرانية ـ المعاملة ذاتها فيما يتعلق بقدراتها النووية.

وفي الوقت نفسه، قدم غزة باعتبارها دليلًا على عجز النظام الدولي عن حماية المدنيين وتحقيق العدالة.

وقد وصف بزشكيان فلسطين بأنها جرح مفتوح في ضمير المجتمع الدولي، وربط تحقيق السلام الدائم في غرب آسيا بالعدالة للفلسطينيين.

وهنا تظهر واحدة من أهم وظائف الخطاب الإيراني: ربط الصراع الإيراني ـ الأمريكي بالصراع الأوسع على مستقبل الشرق الأوسط.

فطهران لا تريد أن يبدو الأمر وكأنها دولة تواجه مشكلة خاصة بسبب برنامجها النووي، وإنما تريد وضع نفسها داخل رواية أكبر تقول إن المنطقة كلها تعاني من اختلال في قواعد القوة والأمن والعدالة.

خطاب بزشكيان لم يكن موجهًا إلى واشنطن وحدها، وعندما تحدث عن أمن المنطقة، وعن غزة، وعن مضيق هرمز، وعن رفض عسكرة الممرات المائية، كان يخاطب أيضًا الدول العربية الموجودة في قلب المعادلة الإقليمية.

إيران تقول لجيرانها العرب بصورة غير مباشرة:

أمن المنطقة لا يمكن أن يُبنى على استبعاد إيران أو استخدام أراضي وممرات دول المنطقة ضدها.

وفي ملف مضيق هرمز تحديدًا، ربط بزشكيان بين حرية الملاحة وبين أمن الدول الساحلية، مؤكدًا أن طهران لا تقبل أن يُستخدم الممر المائي ضدها، ثم يُطلب منها في الوقت نفسه ضمان حرية استخدامه للآخرين.

وهذه رسالة شديدة الحساسية بالنسبة لدول الخليج، والمضيق ليس مجرد ممر ملاحي؛ إنه ورقة استراتيجية تستطيع إيران من خلالها التأثير في أمن الطاقة والتجارة العالمية، ولذلك فإن إدخال المضيق في خطاب الرئيس الإيراني يعني أن طهران تنظر إلى الحرب باعتبارها معركة أمن إقليمي، وليست مجرد مواجهة ثنائية مع الولايات المتحدة.

لكن المفارقة الأهم: إيران تقول لا للحرب.. ولا تقول لا للتفاوض.

هنا ربما تكمن خلاصة خطاب بزشكيان، فالرئيس الإيراني لم يقدم خطابًا يعلن القطيعة مع الدبلوماسية، بل فعل العكس.

لقد قال إن إيران مستعدة للتفاوض، لكنه رفض أن يكون التفاوض نتيجة مباشرة للتهديد العسكري، وهذا يفتح أمامنا احتمالًا سياسيًا مهمًا:

طهران قد تكون مستعدة لتسوية، لكنها تريد أن تدخلها من موقع دولة صامدة، وليست دولة مهزومة.

وهذا يتفق مع التحركات الدبلوماسية التي سبقت الخطاب؛ فقد أفادت تقارير بأن مسؤولين أمريكيين وإيرانيين عقدوا لقاءات في نيويورك عبر وسطاء، فيما قالت طهران قبل ذلك إنها مستعدة لاستئناف الدبلوماسية إذا اتخذت واشنطن خطوات ملموسة وخففت الضغط العسكري.

ومن هنا يمكن فهم العبارة الإيرانية التي تبدو للوهلة الأولى متناقضة:

«نحن مستعدون للحوار.. لكننا لن نركع.»

في الحساب الاستراتيجي، لا يوجد تناقض بالضرورة؛ إنها محاولة للفصل بين التفاوض والاستسلام، لكن...

ماذا أراد بزشكيان أن يقول لترامب؟

يمكن اختصار الرسالة الأمريكية في ثلاثة مستويات.

الأول: لا تتوقعوا أن يؤدي التهديد إلى انهيار الموقف الإيراني.

الثاني: إذا كانت واشنطن تريد اتفاقًا، فطريق الاتفاق يمر عبر التفاوض، وليس عبر الإملاء.

والثالث، وربما الأهم: أي اتفاق لا يحفظ لإيران قدرًا من حقوقها ومكانتها الإقليمية لن يكون اتفاقًا مستقرًا من وجهة نظر طهران.

ولهذا جاء خطاب بزشكيان بعد خطاب ترامب بيوم واحد تقريبًا، وفي لحظة كانت فيها واشنطن نفسها تختبر حدود الخيارين: التصعيد العسكري أو العودة إلى مسار تفاوضي.

وهنا يأتي السؤال: هل كان الخطاب إعلان انتصار؟

ليس بهذه البساطة.. فالخطاب الإيراني يحمل في الوقت نفسه لغة قوة ولغة تفاوض، طهران تريد أن تظهر أنها لم تُهزم، لكنها تريد أيضًا أن تحتفظ بمخرج دبلوماسي.

وهذا مهم؛ لأن الدول في الحروب لا تقيس نجاحها فقط بعدد الضربات التي تستطيع توجيهها، وإنما بقدرتها على تحويل القوة العسكرية إلى مكاسب سياسية.

والسؤال الحقيقي الآن ليس: هل إيران مستعدة للتفاوض؟

الخطاب يقول إنها مستعدة.

أما السؤال الأصعب فهو:

ما الثمن الذي تطلبه طهران مقابل التفاوض؟ وما الذي تستطيع واشنطن أن تقدمه دون أن تعتبره تنازلًا استراتيجيًا؟

وهنا تبدأ المرحلة الأخطر.

رسالة إلى العالم.. «إما أمن للجميع أو لا أمن لأحد»

ربما كانت الجملة الأكثر دلالة في الخطاب هي تلك التي يمكن اختصارها في مفهوم:

«إما أمن للجميع.. أو لا أمن لأحد».

إذن، إيران تحاول إعادة تعريف الأمن الإقليمي.

من وجهة نظرها، لا يمكن أن تكون هناك دولة تتمتع بالأمن والحماية والقدرات العسكرية، بينما تُحرم دولة أخرى من التكنولوجيا أو تُفرض عليها العقوبات أو تُهدد عسكريًا.

وبغض النظر عن قبول المجتمع الدولي لهذه الرواية من عدمه، فإنها تكشف بوضوح كيف تريد طهران أن تخوض المعركة السياسية المقبلة.

إنها لا تريد أن تكون القضية:

إيران مقابل العالم.

بل تريد أن تصبح:

أي شرق أوسط نريد؟ شرق أوسط تحكمه القوة والردع والتهديد، أم نظام أمني تشارك فيه جميع دول المنطقة؟

وهنا يتحول خطاب بزشكيان من مجرد دفاع عن إيران إلى محاولة لطرح تصور سياسي للنظام الإقليمي المقبل.

أخيرًا.. هل كان خطاب مقاومة أم خطاب تفاوض؟

الحقيقة أنه كان الاثنين معًا.. بزشكيان لم يأتِ إلى الأمم المتحدة ليعلن أن إيران تريد الحرب، ولم يأتِ أيضًا ليعلن أنها مستعدة للاستسلام.

جاء ليقول إن الحرب لم تُسقط إيران، والدبلوماسية لم تمت، والقرار الإيراني لن يُنتزع تحت التهديد.. وهذا هو جوهر الرسالة.

إيران تريد أن تدخل أي مفاوضات قادمة وهي قادرة على القول إنها صمدت أمام القوة، بينما تريد الولايات المتحدة أن تدخلها وهي قادرة على القول إن الضغط العسكري هو الذي أعاد طهران إلى طاولة التفاوض.

وبين الروايتين تبدأ المعركة السياسية الحقيقية.. فالكلمة التي ألقاها بزشكيان من منصة الأمم المتحدة لم تكن إعلانًا عن نهاية المواجهة، وإنما يمكن قراءتها باعتبارها رسمًا للخطوط الحمراء الإيرانية قبل الجولة المقبلة من التفاوض والصراع.

وفي الشرق الأوسط، كثيرًا ما تبدأ المفاوضات الحقيقية عندما تنتهي الخطب.. إيران قالت إنها لا تنحني.. لكنها قالت أيضًا إنها مستعدة للكلام.

ويبقى السؤال الذي ستجيب عنه الأيام المقبلة:

هل تستطيع واشنطن أن تفاوض إيران من دون أن تطلب منها أولًا أن تنحني؟

إعلان
شارك الخبر:

التعليقات (0)