>>| حين يفقد المستشفى أمانه.. وبين حق المريض في الشكوى وواجب حماية الأطباء، أين اختفت حدود الاحترام؟
طبيب يعتدي على ممرضة بالحذاء، وموظف في مكان مهم يشتبك مع طبيب باليد.. وأهالي مرضى يحتجزون أطباء داخل المستشفى.. ومنتفعون يعتدون على أطباء التأمين الصحي.. فماذا حدث لنا؟
وأين ذهبت أخلاق المصريين؟
أسئلة موجعة تفرض نفسها علينا، ليس لأن الاعتداء على طبيب أو ممرضة مجرد مشاجرة عابرة، وإنما لأن المستشفى يُفترض أن يكون مكانًا للرحمة والعلاج والأمان، لا ساحة لتصفية الغضب والانفعالات..
لقد أصبحنا نرى مشاهد كان من الصعب أن يتخيلها أحد من قبل.. مريض أو مرافق يختلف مع طبيب، فيتحول الاختلاف إلى سب وإهانة وتهديد، وقد يصل الأمر إلى الضرب والاحتجاز وتحطيم محتويات المستشفى.. نقابة الأطباء وثقت خلال السنوات الأخيرة وقائع اعتداءات على أطباء وممرضين ومنشآت صحية، بعضها أدى إلى إصابات وتعطيل العمل داخل أقسام الطوارئ.. والأخطر من ذلك أن لغة العنف لم تعد قاصرة على بعض المواطنين الغاضبين، وإنما أصبحنا نسمع عن اعتداءات تقع بين العاملين أنفسهم، ومسؤول أو موظف يستغل موقعه في التعامل مع طبيب أو ممرضة بمنطق القوة، وكأن الوظيفة تمنح صاحبها حق إهانة الآخرين.
وهنا يجب أن نسأل أنفسنا: هل تغيرت أخلاقنا؟ أم أننا فقدنا القدرة على ضبط الغضب؟ أم أن هيبة القانون تراجعت أمام ثقافة «أنا أقدر عليك»؟
ليس معنى هذا أن الطبيب دائمًا على حق، أو أن المريض لا يملك حق الشكوى والاعتراض.. بالعكس، من حق كل مريض أن يحصل على خدمة طبية محترمة، ومن حقه أن يسأل ويعترض ويقدم شكواه إلى الجهات المختصة.. لكن هناك فارقًا كبيرًا بين الشكوى والاعتداء، وبين المطالبة بالحق وتحويل المستشفى إلى ساحة للبلطجة. وزارة الصحة أكدت مؤخرًا أن هناك قنوات رسمية لشكاوى المرضى، وأن الاعتداء على مقدمي الخدمة الطبية ليس من وسائل تقديم الشكوى، كما أوضحت العقوبات المقررة قانونًا على الإهانة والاعتداء أثناء أداء المهنة..
إن حماية الطبيب والممرضة ليست دفاعًا عن أشخاص ضد المرضى، وإنما دفاع عن حق المريض نفسه في العلاج.
فالطبيب الذي يخشى أن يتعرض للضرب أثناء عمله، والممرضة التي تعمل في جو من الإهانة، والموظف الذي يتعرض للتهديد.. كل هؤلاء لن يستطيعوا تقديم أفضل ما لديهم في بيئة يسودها الخوف والعنف.. وفي المقابل، فإن احترام الطبيب لا يعني إعفاءه من الحساب إذا أخطأ، ولا يعني منع المريض من الشكوى.. بل المطلوب هو العكس تمامًا: طبيب يحاسب إذا أخطأ، ومريض يحاسب إذا اعتدى، ومسؤول يحاسب إذا أساء استخدام سلطته.
نحن بحاجة إلى استعادة شيء أهم من هيبة الطبيب أو الموظف أو المسؤول.. وهو استعادة هيبة الإنسان.. فالمصري الذي تربينا على أنه يقف بجوار المريض، ويحترم الكبير، ويرحم الضعيف، ويغيث المحتاج، ويخجل من إهانة امرأة أو الاعتداء على رجل في مكان عمله.. كيف وصل بنا الحال إلى أن تتحول المستشفى إلى ساحة للصراخ والضرب والتهديد؟
لا أعتقد أن أخلاق المصريين اختفت، لكنها تتعرض لاختبار صعب.. وما نراه من وقائع عنف يجب ألا يصبح أمرًا عاديًا نتعايش معه.
نريد قانونًا يردع المعتدي، ونريد إدارة تحمي موظفيها، وطبيبًا يحترم مرضاه، ومريضًا يحترم طبيبه.. وقبل كل ذلك نريد أن نتعلم من جديد أن الاختلاف لا يبيح الإهانة، والغضب لا يبرر الاعتداء، والحق لا يؤخذ باليد أو بالبلطجة.
بقلم: عزت سلامة
التعليقات (0)