يبدو أن بعض الأسئلة الإثيوبية حول نهر النيل لا تتغير كثيرًا، حتى وإن تغيرت الأجيال، وتبدلت الحكومات، وتطورت مشروعات السدود. ومن بين هذه الأسئلة ما يثار من جانب مسؤولين ووسائل إعلام إثيوبية بشأن: لماذا لم تحرص مصر على الحصول على موافقة إثيوبيا ودول حوض النيل قبل الشروع في بناء السد العالي؟
والحقيقة أن هذا السؤال، رغم طرحه اليوم في ثوب جديد، فإن مصر قدمت إجابته منذ أكثر من ستة عقود، ولم تكن إجابة سياسية عابرة، وإنما استندت إلى قواعد واتفاقيات كانت قائمة آنذاك، وإلى واقع جغرافي وهيدرولوجي لا يمكن تجاهله.
عندما قررت مصر إنشاء السد العالي، كانت تتحرك في إطار احتياجاتها الوطنية والتنموية، وفي الوقت نفسه تستند إلى حقوق مائية واتفاقيات قائمة في ذلك الوقت. وفي مقدمة هذه المرجعيات اتفاقية عام 1902 بين مصر والسودان وإثيوبيا، التي تضمنت التزامًا بعدم إقامة منشآت على النيل الأزرق من شأنها التأثير في تدفق المياه إلى مصر والسودان.
وهذه النقطة تحديدًا مهمة في فهم التاريخ؛ فمصر لم تكن تتعامل مع النيل باعتباره موردًا عابرًا للحدود يمكن لأي دولة أن تنفرد بإعادة تشكيل تدفقه، وإنما باعتباره شريان حياة يعتمد عليه ملايين المصريين والسودانيين اعتمادًا أساسيًا.
كما كانت هناك اتفاقية عام 1929 التي نظمت جوانب مهمة من استخدام مياه النيل بين مصر ودول الهضبة الاستوائية، ورسخت إطارًا للتعامل مع المشروعات التي يمكن أن تؤثر في تدفق المياه إلى دولتي المصب.
ومن هنا يصبح من الضروري قراءة تاريخ السد العالي بعيدًا عن الرواية التي تحاول تصويره باعتباره مشروعًا مصريًا أُقيم على حساب دول حوض النيل.
فالسد العالي لم يُبنَ بهدف حرمان دولة من مياهها، ولم يكن مشروعًا لتحويل مجرى النيل أو الاستيلاء على مياه دول المنابع، وإنما كان مشروعًا مصريًا ضخمًا هدفه تنظيم النهر، وحماية البلاد من أخطار الفيضانات والجفاف، وتخزين المياه والاستفادة من الفواقد التي كانت تضيع في البحر المتوسط، إلى جانب توليد الكهرباء ودعم عملية التنمية المصرية.
وهنا تظهر المفارقة التي تستحق التوقف أمامها: المشروع الذي يُقدَّم أحيانًا في الخطاب الإثيوبي باعتباره تهديدًا لمصالح دول الحوض، كان في جوهره مشروعًا لتنظيم مورد مائي وتحقيق أكبر قدر من الاستفادة من المياه التي كانت تضيع دون استخدام.
وبحسب الأرقام المتداولة في هذا السياق، كانت حصة مصر قبل إنشاء السد العالي، وفق ترتيبات عام 1929، تبلغ نحو 48 مليار متر مكعب سنويًا، فيما كانت حصة السودان نحو 4 مليارات متر مكعب. وبعد إنشاء السد العالي والاستفادة من جزء كبير من الفواقد المائية، ارتفعت حصة السودان إلى نحو 18.5 مليار متر مكعب، وحصة مصر إلى نحو 55.5 مليار متر مكعب سنويًا.
أي أن المسألة لم تكن ببساطة أن مصر أخذت من النيل ومنعت الآخرين، وإنما كان هناك مشروع لإعادة تنظيم الموارد المائية، وتقليل الفاقد، وزيادة القدرة على الانتفاع بالمياه المتاحة.
والأهم من ذلك أن إثيوبيا نفسها لم تكن غائبة عن المشهد التاريخي؛ فقد تقدمت بشكوى إلى الأمم المتحدة ضد مصر في فترة إنشاء السد العالي، ما يؤكد أن الجدل حول المشروع لم يبدأ اليوم، وأن قضية النيل كانت حاضرة في الحسابات السياسية الدولية منذ ذلك الوقت.
لكن بعد أكثر من ستة عقود، يبقى السؤال الأهم: هل يجوز إعادة كتابة التاريخ وفقًا لاحتياجات اللحظة السياسية؟
إن الخلاف حول مياه النيل يمكن أن يكون مشروعًا ومفهومًا عندما يتعلق بحماية مصالح الدول وحقوق شعوبها، لكنه يتحول إلى مشكلة عندما يُبنى على انتقاء الوقائع أو تجاهل الاتفاقيات التي كانت قائمة عند إنشاء المشروعات الكبرى.
مصر ليست دولة طارئة على النيل، ولا يمكن فصل تاريخها وحضارتها واقتصادها عن هذا النهر. وكذلك فإن إثيوبيا دولة منبع رئيسية، ولها مصالح واحتياجات تنموية لا يمكن تجاهلها. لكن الاعتراف بحقوق دول المنابع لا يعني إسقاط حقوق دول المصب، كما أن تمسك مصر بحقوقها التاريخية لا يعني رفض التنمية في إثيوبيا.
المعادلة العادلة هي أن يتحول النيل من ساحة لتبادل الاتهامات إلى مجال للتعاون، وأن تُناقش المشروعات المائية الكبرى وفق قواعد القانون الدولي ومبدأ عدم الإضرار، وبما يحقق مصالح دول الحوض، دون أن تتحول التنمية في دولة إلى تهديد وجودي لدولة أخرى.
أما استدعاء السد العالي كلما أثير خلاف حول مشروع مائي إثيوبي، وكأن مصر ارتكبت خطأ تاريخيًا لأنها لم تنتظر موافقة أديس أبابا، فهو تجاهل للسياق التاريخي والقانوني الذي أحاط بإنشاء السد.
لقد أجابت مصر عن هذا السؤال منذ أكثر من ستة عقود بالفعل عندما بنت السد العالي، وأثبتت التجربة أن المشروع لم يكن حربًا على دول حوض النيل، وإنما كان أحد أكبر مشروعات التنمية في تاريخ مصر الحديثة.
ولذلك، فإن المطلوب اليوم ليس إعادة إنتاج الاتهامات، وإنما قراءة هادئة للتاريخ، واحترام الاتفاقيات، وإدراك حقيقة أساسية: النيل نهر واحد، لكن حقوقه ومسؤولياته لا يمكن أن تُدار بمنطق فرض الأمر الواقع، وإنما بالتفاهم والالتزام وعدم الإضرار.
السد العالي.. حين أجابت مصر عن سؤال النيل قبل أكثر من ستة عقود
مدحت الشيخ يكتب
التعليقات (0)