تحليل: محمود سيد محمد
من الموسسة المصريه للدراسات السياسية والإستراتيجية.
في الليالي الماضية، كان المزارعون في قرى كسلا الحدودية يسمعون أصواتاً ليست كالمعتاد. ليست مجرد إطلاق نار متقطع يمرّ مع الرياح، بل هدير مدفعية ثقيلة تهزّ الأرض وتوقظ الأطفال فزعين. سألت أحد الشيوخ هناك عبر الهاتف، قال لي بصوتٍ يعلوه التعب: "هذه ليست ضجة عابرة، هذه حرب تبحث عن مكان تنتهي فيه". وهو محق، لكنه لا يعرف أن هذه الحرب ليست حدودية بالأساس، بل هي انهيار لجار أصبح يلفظ أنفاسه السياسية على عتبة دارفور الشرقية.
الخطر الحقيقي هذه المرة ليس في عودة القتال بين الجيش الإثيوبي وقوات تيغراي، فالجميع توقّع أن تنهار اتفاقية بريتوريا في لحظة ما، بل الخطر يكمن في المكان والتوقيت. إنها تدور على الشريط الحدودي المباشر معنا، وتحديداً في منطقة شيريرينا وحميرة، وتحديداً في لحظة نادرة يتقدّم فيها الجيش السوداني ميدانياً ويُغلق مسارات إمداد كانت تعتبر خطوطاً حمراء طوال العقد الماضي. برأيي المتواضع، هذا ليس مجرد زحف عسكري، بل هو انعكاس لحقيقة مريرة: إثيوبيا التي كانت تتحكم بمعادلة الضغط على الشرق، أصبحت اليوم عاجزة حتى عن حماية عمقها الاستراتيجي.
دعونا نتوقف قليلاً عند نقطة جوهرية: الحدود الشرقية للسودان، التي ظلّت لعقود مصدراً للقلق والتهديد، تحولت فجأة إلى مصدر نزوح كثيف باتجاه ناحيتنا. حين ترى أفواجاً من الإثيوبيين تهرول نحو مخيمات القضارف، وبعضهم يحمل أطفاله على أكتافه هرباً من قصف الطائرات المسيّرة، فلا يمكنك إلا أن تدرك أن اللعبة اختلفت تماماً. لم يعد الجيش الإثيوبي قادراً على إدارة "جبهة الضغط" ضدنا، لأنه أصبح غارقاً في وحل ثلاث جبهات داخلية في وقت واحد: تيغراي تشتعل مجدداً، أمهرا تئن تحت الاشتباكات، وأوروميو تتصاعد فيها المذابح. هذا التزامن ليس مجرد سوء حظ سياسي، بل هو ما يصنع لحظات الانهيار الكبرى في الأمم.
والأكثر إثارة للانتباه، أنني لاحظت في تقارير المراقبة الميدانية أن القتال لم يعد محصوراً داخل السيادة الإثيوبية، بل امتد ليطال مخيمات اللاجئين على أراضينا، حيث سقطت قذائف طائشة داخل معسكراتنا، وعُثر على جثث لمقاتلي تيغراي طافية في نهر عطبرة الحدودي. المشهد معقد. هذه ليست مجرد أرقام عسكرية؛ إنها خرائط تنهار أمام أعيننا.
ماذا يعني هذا التحول بالنسبة لنا كسودانيين؟ أظن أن المعادلة تنقلب بهدوء لمصلحتنا النسبية. أولاً، تراجع قدرة الخصوم على استخدام تلك الجبهة الشرقية كمنصة للضغط علينا، لأنهم أصبحوا مشغولين بالدفاع عن عقر دارهم. ثانياً، أي دور لإثيوبيا كممر إقليمي أو وسيط في أي ملف (سواء مياه النيل أو الاستقرار الإقليمي) أصبح هشاً للغاية، إن لم يكن معدوماً. الدولة التي تفقد السيطرة على ثلث أراضيها، كيف ستقنعنا بأنها قادرة على إدارة ملف سد النهضة مثلاً؟
اللاجئون الذين نتحدث عنهم يومياً في النشرات الإخبارية، والذين يزيد عددهم عن 63 ألفاً داخل ولايتي كسلا والقضارف، ليسوا مجرد أرقام إنسانية. هم مؤشر استراتيجي صارخ: حين يبدأ سكان دولة كانت تعتبر "نقطة ارتكاز" في القرن الأفريقي بالفرار باتجاهك، فهذا يعني أن مركز ثقل التهديد نفسه قد انتقل من هناك إلى هنا. نحن لم نعد نواجه جيشاً منظمًا على الحدود، بل نواجه حالة من السيولة الأمنية التي قد تطالنا بشظاياها في أي لحظة.
إلى أين يتجه المسار في رأيي؟ أتوقع أن نرى ثلاثة تحولات حادة خلال الأسابيع المقبلة: أولاً، انشغال إثيوبيا بتثبيت جبهتها الداخلية بشكل يائس، مما سيجعل حدودنا الشرقية أشبه بمنطقة عزل بدلاً من منطقة عبور وتجارة. ثانياً، تعقيد خطوط الإمداد لديهم بشكل كبير، فمع إغلاقنا لبعض الممرات وتوتر علاقتهم مع إريتريا ومصر في نفس الوقت، سيجدون أنفسهم في مأزق لوجستي خانق. ثالثاً، ستتحول الفوضى من الأطراف إلى قلب الدولة الإثيوبية، وهذا يعني أن كل التحالفات والموازين التي كانت مبنية على قوة أديس أبابا ستبدأ في الانهيار، بهدوء أولاً، ثم دفعة واحدة عندما تنهار آخر سدود الصبر.
في الختام، لا أريد أن أبدو متفائلاً بشكل ساذج، فالنار التي تشتعل في جارك قد تلتهم سياج بيتك في أي لحظة. الانفجار الداخلي في إثيوبيا اليوم لا يفتح جبهة جديدة ضدنا، بل بالعكس، يُغلق جبهات كانت تُدار بذكاء ضدنا طوال السنوات الماضية. لكن السؤال الأكثر إزعاجاً الذي يطرحه عليّ أحد الظباط المتقاعدين في القضارف، ولم أجد له إجابة شافية حتى الآن: "حسناً، إذا انهارت سيطرتهم على الحدود، فمن سيضمن لنا ألا تتحول هذه الحدود إلى ملاذ آمن للميليشيات والسلاح الفضفاض بدلاً من جيوش نظامية؟"
الأيام القادمة لن تكشف فقط حجم التصعيد هناك، بل ستكشف من يملك القدرة على احتواء هذا الفراغ الأمني، ومن سيدفع ثمن غياب الدولة على الجانب الآخر. الخرطوم اليوم في موقف دفاعي هجومي في آنٍ معاً، لكنني أتمنى أن تكون استعداداتنا الداخلية بمستوى حجم الفرصة التي تتشكل أمامنا، وألا نكتفي بمشاهدة الانهيار من بعيد.
من كسلا إلى مكملي: لماذا تحولت "سكين" إثيوبيا في ظهر السودان إلى مرآة تنهار أمام أعيننا؟
admin
التعليقات (0)