المدار | وكالات
ثلاثة أطفال ماتوا داخل منزلهم.. والأم بقيت على قيد الحياة لتبدأ واحدة من أكثر القضايا إثارة للجدل في الولايات المتحدة
في مساء 24 يناير 2023، تحولت أسرة أمريكية تعيش في مدينة دوكسبري بولاية ماساتشوستس إلى مسرح لمأساة هزت الرأي العام.
عند نحو الساعة 6:11 مساءً، تلقت الشرطة بلاغًا عن محاولة انتحار داخل منزل الأسرة بشارع سامر في دوكسبري.
عندما وصل رجال الشرطة والإسعاف، عثروا على لينزي كلانسي مصابة بعد سقوطها من نافذة بالطابق الثاني، بينما كان أطفالها الثلاثة في قبو المنزل، فاقدين الوعي وعليهم آثار إصابات خطيرة.
كانت الابنة «كورا» تبلغ 5 سنوات، والابن «داوسون» 3 سنوات، بينما كان أصغر الأطفال «كالان» يبلغ من العمر 8 أشهر.
نُقلت كورا وداوسون إلى المستشفى، لكنهما فارقا الحياة. أما كالان فنُقل بالطائرة إلى مستشفى بوسطن للأطفال، وظل هناك عدة أيام قبل أن يفارق الحياة هو الآخر.
وأعلن مكتب المدعي العام لمقاطعة بليموث لاحقًا أن الفحوص الطبية خلصت إلى أن وفاة كورا وداوسون كانت نتيجة الاختناق، بينما توفي كالان بسبب مضاعفات الاختناق.

• الأم نجت.. والأطفال الثلاثة رحلوا
نجت لينزي من محاولة الانتحار، لكنها أصيبت بإصابات بالغة أدت إلى إصابتها بالشلل، ومع تقدم التحقيق، وجهت إليها السلطات اتهامات بقتل أطفالها الثلاثة وخنقهم.
وفي فبراير 2023، مثلت أمام المحكمة من سريرها في المستشفى، ونفت الاتهامات الموجهة إليها.
وفي سبتمبر من العام نفسه، وجهت هيئة محلفين كبرى إليها رسميًا ثلاث تهم بالقتل وثلاث تهم بالخنق، لكن القضية لم تكن مجرد محاكمة على فعل القتل.
وكان السؤال الذي دارت عليه القضية، هل كانت لينزي كلانسي مسؤولة جنائيًا عن أفعالها في تلك اللحظة؟
بنى محامي الدفاع قضيته على أن كلانسي كانت تمر بحالة ذهانية شديدة مرتبطة بما بعد الولادة، وأن حالتها النفسية تدهورت بصورة خطيرة خلال الأشهر التي سبقت الجريمة، وأنها دخلت في نوبة نفسية وعقلية جعلتها غير قادرة على إدراك طبيعة أفعالها أو التحكم فيها.
وخلال المحاكمة، قال خبراء استعان بهم الدفاع إنها كانت تعاني مايعرف بـ «ذهان ما بعد الولادة»، وإنها تحدثت عن سماع صوت رجل يأمرها بقتل أطفالها ثم قتل نفسها.
الدفاع أيضا دفع بأن الجريمة لم تكن نتيجة قرار طبيعي ومدروس من أم أرادت قتل أطفالها، وإنما حدثت في خضم انهيار نفسي حاد.
لكن النيابة قدمت رواية مختلفة تمامًا، فلم تنكر النيابة أن كلانسي كانت تعاني مشكلات نفسية قبل الجريمة، لكنها جادلت بأن ذلك لا يعني أنها فقدت القدرة على معرفة الخطأ من الصواب.
وركز الادعاء على أدلة قال إنها تشير إلى وجود قدر من التخطيط قبل قتل الأطفال، وعلى تصرفات رأت أنها تدل على أن كلانسي كانت تعرف ما تفعله.
وكان على هيئة المحلفين في النهاية أن تفصل في مسألة دقيقة للغاية: هل كانت حالتها العقلية وقت ارتكاب الجريمة تمنع تحميلها المسؤولية الجنائية، أم أنها كانت تدرك طبيعة أفعالها وخطورتها؟
بدأت المحاكمة في يوليو 2026 واستمرت قرابة ستة أسابيع، وشهدت المحكمة خلالها شهادات أفراد من الأسرة وأطباء وخبراء نفسيين ورجال شرطة وغيرهم.
وكان زوجها السابق، باتريك كلانسي، من أبرز الشهود، تحدث عن تدهور حالتها النفسية بعد ولادة طفلها الثالث، وعن محاولاتها الحصول على مساعدة طبية، كما روى تفاصيل الساعات الأخيرة قبل اكتشاف ما حدث للأطفال.
ولم تكن المحاكمة تبحث في حقيقة وفاة الأطفال؛ فالوقائع الأساسية المتعلقة بمقتلهم لم تكن محل النزاع الرئيسي.
وخلال جلسات المحاكمة، حضرت كلانسي إلى المحكمة على كرسي متحرك، بعدما أصيبت بالشلل إثر محاولتها الانتحار عقب قتل أطفالها.
ولم تدلِ بشهادتها أمام هيئة المحلفين، لكنها ظهرت متأثرة خلال بعض الجلسات، خصوصًا عندما تناول الشهود تفاصيل وفاة أطفالها.
ومع وصول القضية إلى المرافعات الختامية، أصبح واضحًا أن المحلفين أمام روايتين متعارضتين تمامًا.
الدفاع طلب منهم النظر إلى كلانسي باعتبارها امرأة أصيبت بمرض نفسي خطير أفقدها السيطرة على أفعالها.
أما الادعاء فطلب منهم اعتبارها مسؤولة جنائيًا عن قراراتها وأفعالها.
في 27 أغسطس 2026، بدأت هيئة المحلفين مداولاتها، واستمرت المداولات سبعة أيام، وسط صعوبة واضحة في الوصول إلى قرار موحد.
وفي الأيام الأخيرة، أبلغ المحلفون القاضي وليام سوليفان أكثر من مرة بعدم قدرتهم على الاتفاق، وحاول القاضي دفعهم إلى مواصلة المداولات، لكن الانقسام استمر.
وفي الرابع من سبتمبر، وصلت القضية إلى نهايتها المؤقتة عندما أبلغ رئيس هيئة المحلفين المحكمة بأنهم لا يستطيعون التوصل إلى قرار بالإجماع.
وعندها أعلن القاضي بطلان المحاكمة بسبب عدم توصل هيئة المحلفين إلى حكم، وهذا القرار لا يعني أن كلانسي بُرئت، كما أنه لا يعني إدانتها.
القضية ببساطة انتهت دون حكم من هيئة المحلفين.
بعد بطلان المحاكمة، لم تُغلق القضية نهائيًا، تظل الاتهامات قائمة، فيما أصبح أمام الادعاء خيار إعادة محاكمة كلانسي أمام هيئة محلفين جديدة.
ومن المقرر أن تعود القضية إلى المحكمة في 29 سبتمبر 2026 لبحث الخطوات التالية، وهكذا، بعد أكثر من ثلاث سنوات على ليلة 24 يناير 2023، لا تزال الإجابة عن السؤال الأهم في القضية معلقا:
هل كانت لينزي كلانسي أمًا ارتكبت جريمة قتل، أم امرأة كانت تعاني انهيارًا نفسيًا أفقدها المسؤولية الجنائية عن أفعالها؟
حتى الآن بقيت قضية الأم بين الطب النفسي والقانون والعدالة.
admin
التعليقات (0)