كتب- أحمد علي:
كل يوم سبت، تستعيد منطقة وسط القاهرة شيئًا من ملامح زمن مضى، عندما تتراص أمام المتسوقين تليفونات قديمة، وآلات كاتبة، وكاميرات، وأجهزة راديو، وجرامافونات، إلى جانب النحاسيات والتحف والأدوات المنزلية والمقتنيات النادرة.
إنه سوق ديانا للتحف والأنتيكات، الذي يقام أسبوعيا في محيط سينما ديانا بشارع عماد الدين في وسط القاهرة، وأصبح مقصدا لهواة جمع المقتنيات القديمة والباحثين عن قطع مختلفة تحمل ملامح عصور سابقة.
سوق ديانا نسبة إلى سينما ديانا الموجودة في المنطقة.

تُظهر الصور جانبا واضحًا من طبيعة المعروضات داخل السوق؛ عشرات التليفونات القديمة تتراص فوق الطاولات، بألوان وتصميمات مختلفة، بينها أجهزة تعمل بنظام القرص الدوار وأخرى أكثر حداثة نسبيًا بأزرار الضغط.
وبالقرب منها تظهر الآلات الكاتبة القديمة، بعضها موضوع فوق الطاولات وبعضها على الأرض داخل حقائبها الأصلية، لتعيد إلى الأذهان زمنا كانت فيه الكتابة تعتمد على الورق والحبر وحركة أصابع الكاتب على مفاتيح معدنية.
ولا يتوقف المشهد عند ذلك، فبين التليفونات والآلات الكاتبة تظهر أجهزة راديو قديمة، وتليفزيونات صغيرة، وأدوات وأجهزة منزلية من أجيال مختلفة.

جانب آخر من السوق يبدو كأنه معرض مفتوح لتاريخ التصوير، عشرات الكاميرات القديمة بعدساتها وملحقاتها تتراص فوق إحدى الطاولات، بينها كاميرات من أنواع وأشكال مختلفة، وبعضها مصحوب بحقائب أو أجهزة فلاش.
وبالنسبة لهواة التصوير والمقتنيات القديمة، لا تمثل هذه الكاميرات مجرد أجهزة مستعملة، وإنما قطعا من تاريخ الصورة؛ فقد كانت اللقطة في زمنها مرتبطة بفيلم وتحميض وانتظار، قبل أن تتحول عملية التصوير اليوم إلى ثوان معدودة عبر الهاتف، إضافة إلى أنواع مختلفة من الساعات والراديو والعملات وغيرها.
وهناك الجرامافون، عندما كانت الموسيقى تخرج من الأسطوانة، ومن أكثر القطع لفتا للانتباه في الصور الجرامافونات ذات الأبواق الكبيرة، التي تتصدر المشهد بأحجامها وتصميماتها اللافتة.

وتجاورها أجهزة راديو خشبية قديمة، بعضها يبدو كقطعة أثاث أكثر من كونه جهازا إلكترونيا، إلى جانب مقتنيات أخرى مرتبطة بعالم الموسيقى والصوت.
وجود هذه الأجهزة وسط السوق يمنح الزائر إحساسا بأنه ينتقل بين عقود مختلفة في دقائق قليلة؛ من عصر الجرامافون إلى الراديو ثم التليفزيون، ومن التليفون ذي القرص الدوار إلى الأجهزة الحديثة.
وفي جزء آخر من السوق، تظهر صورة مختلفة تمامًا؛ أقمشة مفرودة على الأرض تحمل عشرات القطع المعدنية والنحاسية، صوانٍ وأطباق وأكواب وأباريق وأدوات صغيرة، إلى جانب قطع زخرفية وأدوات منزلية قديمة، بعضها يحمل نقوشًا وزخارف واضحة.
وهذا النوع من العرض يميز سوق ديانا؛ فالمشتري لا يتجول بين واجهات متجر تقليدية، وإنما يبحث بنفسه بين قطع متجاورة، وقد يجد بجوار قطعة بسيطة تحفة أخرى أكثر ندرة.
المعروضات تشمل أيضا التحف النحاسية والأثاث الكلاسيكي والكتب النادرة والصور التراثية.

ولا يقتصر السوق على الأنتيكات المنزلية، فهناك كتب ومؤلفات قديمة، وعملات وطوابع، وصور ومقتنيات متنوعة، إلى جانب التحف والأدوات القديمة.
• لماذا يوم السبت؟
اختيار السبت لم يكن مصادفة، يقول البائعون هناك إن السوق بدأ في الأصل بصورة مختلفة، إذ كان المكان نقطة لتسليم المقتنيات التي يتفق البائعون والمشترون على تداولها، ثم تطور الأمر إلى فرش البضائع وعرضها للبيع، ومع الوقت أصبح السبت موعدا ثابتا للسوق.
• الفصال هو نظام البيع
سوق ديانا ليس متجرا له قائمة أسعار موحدة، البيع هناك يعتمد بدرجة كبيرة على طبيعة القطعة نفسها، وحالتها، ومدى ندرتها، ومدى اهتمام المشتري بها، ولذلك تصبح المساومة جزءا أساسيا من عملية الشراء.
ولذلك فالنصيحة، هي مقارنة أسعار السوق بين أكثر من بائع، لأن السعر الأول المطروح ليس بالضرورة السعر النهائي.


وهنا تختلف تجربة شراء الأنتيك عن شراء سلعة عادية؛ فالقطعة قد تكون قديمة، لكن القدم وحده لا يعني بالضرورة ارتفاع قيمتها، بينما يمكن أن تؤدي الندرة والحالة والأصل والتاريخ إلى زيادة السعر بصورة كبيرة.
متوسط الأسعار في سوق ديانا ليس محددا برقم معين، يمكن من 25 جنيها إلى مئات الآلاف.. لا يوجد «متوسط» واحد، أسعار سوق ديانا شديدة التفاوت، ولذلك من الصعب الحديث عن متوسط موحد لكل الأنتيكات.
توجد قطع بسيطة بأسعار تبدأ من عشرات الجنيهات، بينما تصل بعض المقتنيات النادرة إلى آلاف الجنيهات، بل ربما تصل قطع الأنتيك إلى 100 ألف جنيه بحسب تاريخ القطعة وقيمتها، أيضا بعض التماثيل البرونزية النادرة قد تصل إلى أرقام أكبر بكثير.
أما العملات القديمة، تتفاوت أسعارها أيضًا وفق سنة الإصدار وحالتها وندرتها.
• المتعة..قبل الشراء

بالنسبة لبعض الزوار، الهدف هو الشراء؛ لكن بالنسبة لآخرين، تكفي متعة البحث، فالسوق يمنح الزائر فرصة لرؤية أشياء اختفت تقريبًا من الحياة اليومية: هاتف بقرص دوار، آلة كاتبة، كاميرا تعمل بفيلم، راديو خشبي، جرامافون، أدوات نحاسية، كتب وصور قديمة، وغيرها من المقتنيات.
وقد يتحول البحث عن قطعة محددة إلى اكتشاف قطعة أخرى لم تكن في الحسبان، وهذا ما يجعل سوق ديانا مختلفا عن متجر التحف التقليدي؛ فالزائر لا يعرف مسبقا كل ما سيجده أمامه.
واكتسب السوق مكانته بين هواة جمع المقتنيات القديمة، وأصبح السبت موعدا ينتظره محبو الأنتيكات في قلب القاهرة.

عندما تتحول الأشياء القديمة إلى حكايات، في سوق ديانا، لا تبدو قيمة الأشياء مرتبطة بعمرها فقط، فالتليفون يحكي عن زمن كانت فيه المكالمة مرتبطة بمكان محدد، والآلة الكاتبة تذكر بعصر المكاتب والأوراق، والكاميرا تستعيد زمن الصور الفيلمية، والجرامافون يعيد إلى الذاكرة عصر الأسطوانات، بينما تحمل النحاسيات والتحف تفاصيل من أساليب الحياة والديكور التي تغيرت مع مرور السنوات.
admin
التعليقات (0)