2026/10/13
بث تجريبي
إعلان

أنديرا غاندي.. من «المعبد الذهبي» إلى رصاص الحراس:- المرأة الحديدية التي دفعت حياتها ثمنًا لقوتها.. دعمت القضية الفلسطينية وآمنت بوحدة الهند

أنديرا غاندي.. من «المعبد الذهبي» إلى رصاص الحراس:-    المرأة الحديدية التي دفعت حياتها ثمنًا لقوتها.. دعمت القضية الفلسطينية وآمنت بوحدة الهند

كتب- أحمد علي:


رئيسة وزراء الهند التي آمنت بوحدة بلادها.. فدفعت حياتها ثمنًا لقرار عسكري أشعل غضب المتشددين السيخ.
لم تكن نهاية أنديرا غاندي مجرد حادث اغتيال سياسي، بل كانت ذروة صراع طويل تداخلت فيه السياسة بالدين، ووحدة الدولة بالمطالب الانفصالية، وانتهى بمقتل رئيسة وزراء الهند على يد اثنين من حراسها.

في صباح 31 أكتوبر 1984، خرجت أنديرا غاندي من مقر إقامتها في نيودلهي متجهة إلى مكتبها لإجراء مقابلة تلفزيونية. لم تكن تعرف أن دقائق قليلة تفصلها عن النهاية.

كان في طريقها حارسان من السيخ، بيانت سينغ وساتوانت سينغ، وبعد أشهر من التوتر الذي أعقب العملية العسكرية الهندية داخل المعبد الذهبي، فتح الحارسان النار عليها.

لكن لكي نفهم لماذا قُتلت أنديرا غاندي، لا بد من العودة إلى ما حدث قبل ذلك بخمسة أشهر.




• من «المعبد الذهبي» بدأت القصة

شهدت ولاية البنجاب في أوائل ثمانينيات القرن الماضي تصاعدًا في حركة سيخية ذات توجهات انفصالية، وبرز اسم جارنيل سينج بهيندرانوال كأحد أبرز الشخصيات المرتبطة بالمسلحين.
ومع تصاعد المواجهة مع الحكومة الهندية، تحصن مسلحون داخل مجمع المعبد الذهبي في أمريتسار، وهو أقدس المواقع الدينية لدى السيخ.
أصبحت الحكومة أمام أزمة بالغة الحساسية؛ فالمواجهة لم تعد تجري في موقع عسكري أو مبنى حكومي، وإنما داخل مكان له مكانة دينية استثنائية لدى ملايين السيخ.

وفي يونيو 1984، أمرت أنديرا غاندي الجيش الهندي بتنفيذ عملية «بلو ستار» لإخراج المسلحين، وبالفعل دخل الجيش المجمع، ووقعت معارك عنيفة انتهت بمقتل أعداد كبيرة، كما تعرض معبد «أكال تخت» لأضرار بالغة.




أثارت العملية غضبًا واسعًا بين قطاعات من المجتمع السيخي، وتحولت أنديرا غاندي في نظر المتشددين إلى رمز للقرار الذي انتهك حرمة أقدس مواقعهم.

وهنا بدأ الخطر يقترب من رئيسة الوزراء.

كان من الطبيعي، بعد عملية عسكرية بهذا الحجم، أن تزداد المخاوف على حياة أنديرا غاندي، وكان أحد الخيارات المطروحة تشديد إجراءات حمايتها وإبعاد الحراس السيخ عن محيطها.

لكن أنديرا لم ترغب في اتخاذ قرار يمكن أن يُفهم باعتباره معاملة جماعية للسيخ باعتبارهم مصدر تهديد.
كانت رسالتها السياسية واضحة: المواجهة مع المسلحين لا تعني أن الدولة الهندية في مواجهة مع السيخ كجماعة دينية، وبقي حراس من السيخ ضمن منظومة حمايتها.
لكن بعد أشهر قليلة، أصبحت هذه السياسة نفسها جزءًا من المأساة.

• أنديرا.. آمنت بوحدة الهند

كانت أنديرا غاندي ابنة جواهر لال نهرو، أول رئيس وزراء للهند بعد الاستقلال، وترعرعت داخل قلب الحركة السياسية التي قادت البلاد.

وعندما وصلت إلى رئاسة الوزراء، تبنت رؤية تقوم على وجود دولة هندية قوية قادرة على الحفاظ على وحدتها رغم التنوع الديني والعرقي واللغوي الهائل.





وكانت ترى أن الدولة لا يمكن أن تسمح بتحول الخلافات السياسية إلى صراع مسلح يهدد وحدة البلاد.
هذا المبدأ وضعها في مواجهة مباشرة مع الحركات التي رأت أن لها حقًا في الانفصال أو الحكم الذاتي المسلح.

وإلى جانب سياساتها الاقتصادية والاجتماعية ومواقفها الدولية، ارتبط عهدها أيضًا بفترة «الطوارئ» بين 1975 و1977، التي فُرضت خلالها قيود واسعة على الحريات السياسية والإعلامية، وأصبحت واحدة من أكثر مراحل حكمها إثارة للجدل.

لذلك بقيت أنديرا في الذاكرة الهندية شخصية شديدة الاستقطاب: بالنسبة لمؤيديها كانت زعيمة قوية دافعت عن الدولة، وبالنسبة لخصومها كانت مثالًا على تركيز السلطة واستخدامها بصورة مفرطة.

• وماذا عن المسلمين؟

لم تكن أنديرا غاندي في صراع ديني مع المسلمين، كانت رؤيتها السياسية تقوم على الهند كدولة متعددة الأديان، وكان حزب المؤتمر الذي قادته يعتمد بدرجة كبيرة على دعم الأقليات، ومن بينها المسلمون.
كما حافظت الهند في عهدها على علاقات قوية مع الدول العربية، واتخذت مواقف داعمة لعدد من القضايا العربية، وفي مقدمتها القضية الفلسطينية.




لكن ذلك لا يعني أن العلاقة كانت خالية من المشكلات؛ فقد شهدت الهند خلال سنوات حكمها اضطرابات وأعمال عنف طائفية، وتعرضت حكوماتها لانتقادات بشأن طريقة التعامل مع بعض الأزمات بين الهندوس والمسلمين.

• خطاب قبل الموت بيوم

في 30 أكتوبر 1984، ألقت أنديرا غاندي خطابًا في مدينة بوبانسوار، تحدثت فيه عن الموت وخدمة الهند، وقالت كلمات اكتسبت بعد اغتيالها دلالة استثنائية، إذ بدت وكأنها رسالة أخيرة إلى الشعب.

لم تكن تعرف أن اليوم التالي سيكون آخر أيام حياتها، ففي صباح 31 أكتوبر، كانت أنديرا غاندي تسير داخل مقر إقامتها في نيودلهي متجهة إلى مكتبها.
كانت تستعد للقاء المخرج والممثل البريطاني بيتر أوستينوف لإجراء مقابلة تلفزيونية.

وعند نقطة الحراسة، ظهر حارساها السيخ:
بيانت سينغ وساتوانت سينغ، وبحسب وقائع القضية، كان الغضب من عملية «بلو ستار» حاضرًا في خلفية الجريمة، فتح بيانت سينغ النار عليها، ثم أطلق ساتوانت سينغ النار من سلاحه.

سقطت أنديرا غاندي مصابة بعدد كبير من الطلقات، كانت اللحظة قصيرة، لكنها أنهت حياة واحدة من أشهر الشخصيات السياسية في القرن العشرين.
نقلت رئيسة الوزراء إلى معهد عموم الهند للعلوم الطبية في نيودلهي، حاول الأطباء إنقاذ حياتها، لكن إصاباتها كانت بالغة.
وبعد ساعات، أُعلن رسميًا عن وفاتها.

كانت الهند قد فقدت رئيسة وزرائها، لكن الصدمة لم تكن قد بدأت سوى في فصلها الأول.

•ماذا عن القتلة؟
بعد إطلاق النار، قُتل بيانت سينغ برصاص أفراد الأمن، بينما أُلقي القبض على ساتوانت سينغ، وفي القضية التي تلت ذلك، أُدين ساتوانت سينغ وكيهار سينغ، ونُفذ حكم الإعدام فيهما عام 1989.
ومن المهم التأكيد على أن الجريمة لم تكن فعلًا يمثل المجتمع السيخي كله؛ فقد نفذها أفراد محددون بدافع الانتقام من عملية «بلو ستار».

• ابنها رئيسا للوزراء 

انتشر خبر اغتيال أنديرا غاندي بسرعة في أنحاء الهند، وفي مساء اليوم نفسه، تولى ابنها راجيف غاندي رئاسة الوزراء، في انتقال سريع للسلطة وسط حالة من الصدمة الوطنية.

لكن اغتيال أنديرا فتح الباب أمام مأساة جديدة، فخلال الأيام التالية، اندلعت موجة واسعة من أعمال العنف ضد السيخ، خصوصًا في العاصمة نيودلهي، تعرضت منازل ومتاجر ومواطنون من السيخ للهجوم، وسقط آلاف القتلى.

وبذلك لم تتوقف آثار عملية «بلو ستار» عند اغتيال أنديرا، وإنما امتدت إلى أحداث عنف طائفي تركت جرحا عميقا في المجتمع الهندي.

• جنازة شعبية في وداع رئيسة الوزراء

بعد وفاتها، خرجت جنازة أنديرا غاندي في مشهد ضخم امتزجت فيه المراسم الرسمية بالحضور الشعبي الهائل، نقل جثمانها إلى تين مورتي بهافان، حيث توافدت أعداد كبيرة من المواطنين لإلقاء نظرة الوداع.

اصطف الهنود على الطرقات، بينما تحرك موكب الجنازة وسط حشود ضخمة جاءت لتوديع المرأة التي حكمت الهند في واحدة من أكثر مراحل تاريخها اضطرابا.
وفي 3 نوفمبر 1984، أقيمت مراسم حرق جثمانها في شاكتي ستال، وأشعل ابنها راجيف غاندي موقد الجنازة، في مشهد تحول إلى واحدة من أشهر صور التاريخ السياسي الهندي.




كانت جنازتها شعبية بالفعل، لكن هذا لا يعني أن أنديرا كانت شخصية محل إجماع؛ فقد كانت طوال حياتها السياسية شخصية مثيرة للانقسام، لها مؤيدون يرون فيها زعيمة قوية، وخصوم يحملونها مسؤولية سياسات وقرارات مثيرة للجدل.

إعلان
شارك الخبر:

التعليقات (0)