>>| جواهرجي النجوم.. عبد الحليم حافظ وفريد الأطرش ومريم فخر الدين وإمبراطورة إيران وكوكبة من مشاهير الفن والمجتمع
كتب- أحمد عبد العظيم:
في أحد شوارع وسط القاهرة، يقف محل بواجهة سوداء تتخللها الزخارف الذهبية، وكأنه قطعة محفوظة من زمن آخر، فوق المدخل كلمة «باجوتشي»، وبجوارها تاريخ واضح: 1900 ميلاديا.
لا تبدو الواجهة كواجهة محل عادي؛ فالتصميم القديم، والزخارف، والكتابات المحفورة على الزجاج، والشعارات الملكية التي تزين الأبواب، كلها تمنح المكان طابعًا تاريخيًا نادرًا وسط الحركة المتسارعة في قلب العاصمة.
والمحل الذي يحمل اسم Bajocchi هو واحد من أقدم بيوت المجوهرات في مصر، وتقول الشركة إنه تأسس في القاهرة عام 1900، بينما ترجع جذور عائلة باجوتشي في هذه الحرفة إلى إيطاليا في القرن التاسع عشر.


• من إيطاليا.. إلى القاهرة
تعود قصة العائلة إلى عام 1839 في روما، عندما بدأ وينسيسلاو باجوتشي العمل في نحت العاج والحرف الفنية، قبل أن ترتبط العائلة لاحقًا بصناعة المجوهرات والأعمال الذهبية.
وفي عام 1874 وصل باولو باجوتشي إلى القاهرة في عهد الخديوي إسماعيل، واستقر في منطقة الموسكي، قبل أن يعود إلى روما لفترة للعمل في مجال صياغة الذهب.
ثم عاد إلى القاهرة عام 1892، وافتتح ورشة في الموسكي، وفي عام 1900 أسس باولو، مع أبنائه فوسكولو وبيترو ورومانو، شركة Fratelli Bajocchi، لتبدأ مرحلة جديدة من تاريخ العائلة في القاهرة.
وكان النشاط يجمع بين صياغة الذهب والمجوهرات وصناعة الساعات، مع ورشة خاصة لتنفيذ التصميمات، في وقت كانت فيه القاهرة تعيش مرحلة من التحول العمراني والثقافي الكبير.


• باب الحديد
لم يكن مقر باجوتشي الحالي هو أول محل للعائلة، كان المتجر الأول في شارع باب الحديد بالقرب من فندق شيبرد الشهير، قبل أن تتوسع العائلة، وفي عام 1915 انتقل فرع جديد إلى شارع المناخ، الذي أصبح لاحقًا 45 شارع عبد الخالق ثروت بوسط القاهرة، وهو الموقع الذي ارتبط باسم باجوتشي حتى اليوم.
وكان المقر الجديد يضم طابقين، أحدهما للبيع والآخر لورشة كبيرة يعمل فيها صناع الذهب وترصيع الأحجار، مع الاستفادة من الضوء الطبيعي في تنفيذ الأعمال الدقيقة.
ولم يكن اسم باجوتشي مرتبطًا بالمجوهرات فقط، وإنما ارتبط أيضًا بطبقة من الشخصيات الملكية والسياسية والاجتماعية التي عاشت في مصر أو مرت بها.
وتذكر الشركة أن بيت باجوتشي قدم خدماته لأفراد من العائلة الخديوية والعائلة الملكية المصرية، إضافة إلى عدد من الملوك والملكات السابقين الذين أقاموا في مصر.


ومن بين الأسماء التي تذكرها الشركة الملك زوغ الأول ملك ألبانيا، الذي عاش في مصر خلال فترة منفاه، وكذلك الملك أمبرتو الثاني ملك إيطاليا، إضافة إلى الملك إدريس السنوسي ملك ليبيا، والإمبراطورة فرح بهلوي خلال إقامتها في مصر.
أما علاقة باجوتشي بالقاهرة الخديوية، فتعود إلى ما قبل تأسيس المحل نفسه؛ إذ وصل باولو باجوتشي إلى مصر عام 1874 في عهد الخديوي إسماعيل، وهو ما يضع بداية حضور العائلة في القاهرة داخل مرحلة مهمة من تاريخ مصر الحديث.
• مشاهير مصر زبائن باجوتشي
ولم تقتصر شهرة باجوتشي على القصور والعائلات الملكية، إذ امتدت علاقته على مدار عقود إلى عدد من أبرز الشخصيات المصرية في الفن والثقافة والمجتمع.



وتشير المصادر التي تناولت تاريخ الدار إلى أن من بين الشخصيات التي تعاملت مع باجوتشي واقتنت من مجوهراته سيدة الغناء العربي أم كلثوم والأديب نجيب محفوظ، إلى جانب الرئيس الراحل أنور السادات وزوجته جيهان السادات، وأفراد من أسرة الرئيس الراحل، فضلًا عن شخصيات مصرية بارزة أخرى.
وتضيف بعض المصادر أسماء فنية لامعة ارتبطت بالدار، من بينها فاتن حمامة، وسعاد حسني، وفريد الأطرش، ومريم فخر الدين، وعبد الحليم حافظ.
وتكشف هذه الأسماء عن جانب آخر من تاريخ المحل؛ فلم يكن باجوتشي مجرد متجر للمجوهرات الفاخرة، وإنما أصبح على مدار القرن العشرين جزءًا من الحياة الاجتماعية للقاهرة، يقصده أفراد من دوائر مختلفة، من القصر والعائلات الثرية إلى نجوم الفن والأدب والشخصيات العامة.
ومن أكثر المحطات اللافتة في تاريخ باجوتشي عام 1922، وهو العام الذي شهد اكتشاف مقبرة توت عنخ آمون.
وتذكر المصادر الخاصة بتاريخ الشركة أن بيترو باجوتشي كان من أوائل صائغي المجوهرات في مصر الذين اتجهوا إلى تصميم قطع مستوحاة من الطابع الفرعوني الجديد، كما ارتبط اسمه بتصميم الـ«Cartouche» الذي أصبح لاحقًا أحد الرموز المعروفة في فن صياغة الذهب المصري.
وهكذا لم يكتفِ المحل باستيراد الذوق الأوروبي إلى القاهرة، بل تداخل أيضًا مع موجة الاهتمام العالمي بالحضارة المصرية القديمة التي اجتاحت الفنون والعمارة والمجوهرات في عشرينيات القرن الماضي.
• شاهد على الزمن


وربما يكون أكثر ما يلفت المارة اليوم هو المحل نفسه، فالواجهة السوداء ذات التفاصيل الذهبية، والزجاج المزخرف، والأبواب الثقيلة، والكتابات القديمة، تبدو مختلفة تمامًا عن الشكل المعتاد لمحلات المجوهرات الحديثة.
المحل احتفظ بجزء كبير من طابعه القديم، كما تضم أعمال العائلة أرشيفًا ضخمًا من تصميمات المجوهرات التي توارثتها أجيال الأسرة، واللافت أن تاريخ العائلة لم يتوقف عند الأجيال الأولى؛ فالمحل استمر عبر خمسة أجيال، بحسب الموقع الرسمي، مع الحفاظ على تقاليد التصميم والصياغة والعمل اليدوي.
• باجوتشي.. عنوان لا يزال حاضرا في قلب القاهرة
ورغم مرور أكثر من 125 عامًا على تأسيسه في القاهرة، لا يزال محل باجوتشي مفتوحًا في موقعه التاريخي بوسط القاهرة، في شارع عبد الخالق ثروت بالقرب من ميدان العتبة، محتفظًا بواجهته ذات الطابع القديم وتفاصيلها المميزة.



وبينما تغيرت ملامح المنطقة وتعاقبت أجيال من روادها، بقي المحل شاهدًا على تاريخ طويل من تجارة وصناعة المجوهرات في القاهرة، وكأن واجهته القديمة تختصر أكثر من قرن من حكايات المكان ونجومه وملوكه.
اليوم، وبعد مرور أكثر من قرن وربع القرن على تأسيسه في القاهرة، لا يزال اسم باجوتشي حاضرًا في وسط العاصمة.
المكان الذي بدأ بورشة لعائلة إيطالية في مطلع القرن العشرين أصبح شاهدًا على مراحل متعاقبة من تاريخ المدينة؛ من القاهرة الخديوية، إلى العصر الملكي، ثم الجمهورية، وصولًا إلى القاهرة الحديثة.
ولهذا فإن صورة واجهة باجوتشي ليست مجرد صورة لمحل قديم؛ إنها صورة لجزء من ذاكرة وسط القاهرة، حيث ما زالت بعض التفاصيل الصغيرة تقاوم الزمن، وتحكي وحدها عن مدينة كانت تستقبل الحرفيين والتجار والفنانين من أنحاء العالم، وتعيد صياغة وجودهم داخل نسيجها الخاص.
وبينما تتغير واجهات المحال كل يوم، بقيت واجهة باجوتشي تحمل تاريخًا مكتوبًا على أبوابها: 1900.

admin
التعليقات (0)