2026/10/13
بث تجريبي
إعلان

المشير محمد عبد الغني الجمسي.. كيف تحولت خرائط الحرب إلى نصر في أكتوبر؟

المشير محمد عبد الغني الجمسي.. كيف تحولت خرائط الحرب إلى نصر في أكتوبر؟

«نحكي الحرب من خلال الإنسان»:
>>| من غرفة العمليات إلى لحظة العبور.. كيف تحولت سنوات الإعداد إلى قرار في الثانية ظهرًا؟


كتب- محمد سالم:

في صباح السادس من أكتوبر 1973، لم يكن المشهد في مركز عمليات القوات المسلحة يشبه يوما عاديا من أيام التدريب.

كانت الخرائط التي اعتاد الضباط التعامل معها في التدريبات على وشك أن يتم استبدالها بخرائط الحرب، والوثائق والسجلات تُنقل إلى مركز العمليات، بينما كان رجال هيئة العمليات يستعدون لإدارة معركة جرى الإعداد لها على مدى سنوات.

وفي قلب هذا المشهد كان اللواء محمد عبد الغني الجمسي، رئيس هيئة عمليات القوات المسلحة، أحد الرجال الذين حملوا مسؤولية تحويل التصور العسكري للحرب إلى خطة قابلة للتنفيذ، وتحتفظ وزارة الدفاع المصرية بمذكراته بخط يده ضمن وثائق حرب أكتوبر. 

لكن قصة الجمسي في أكتوبر ليست قصة قائد يراقب الحرب من خلف خريطة فقط؛ إنها قصة رجل كان يعرف أن كل خط على تلك الخريطة يرتبط بجندي ينتظر عبور القناة، وضابط يقود وحدة، وطائرة تستعد للإقلاع، وكتيبة تنتظر الأمر.

بعد هزيمة يونيو 1967، دخلت القوات المسلحة المصرية مرحلة طويلة من إعادة البناء والتخطيط والتدريب، ثم جاءت حرب الاستنزاف لتمنح القوات خبرة ميدانية واسعة.

وفي عام 1972 تولى الجمسي رئاسة هيئة عمليات القوات المسلحة، ليصبح مسؤولًا عن أحد أهم مراكز التخطيط للمعركة المقبلة.




وتوضح وثائق القوات المسلحة المصرية أن التخطيط الاستراتيجي لحرب أكتوبر لم يكن خطة واحدة، وإنما منظومة متكاملة شملت إعداد فكر استخدام القوات، وخطط العمليات، والخطط التكميلية، وتنظيم التعاون بين الأسلحة والقوات المختلفة. 
وهنا تظهر إحدى أهم سمات شخصية الجمسي العسكرية: التفكير في الحرب قبل أن تبدأ.

لم يكن السؤال فقط: كيف نعبر قناة السويس؟
بل كان: متى نعبر، وكيف، وكيف نحافظ على رؤوس الكباري؟ وكيف نمنع إسرائيل من الاستفادة من تفوقها الجوي؟ وكيف نضمن استمرار تدفق القوات والمعدات بعد الموجة الأولى؟

• الكراسة التي حملت ساعة الصفر

من أكثر التفاصيل الإنسانية التي تكشف في الوقت نفسه دقة التخطيط العسكري، قصة تحديد يوم وساعة بدء الحرب.

استُدعي أحد ضباط فرع التخطيط، اللواء أركان حرب صلاح فهمي نحلة، وكُلّف بإجراء دراسة شديدة السرية لتحديد أنسب يوم وساعة لبدء الهجوم.
كانت المهمة بالغة الحساسية، حتى إن تفاصيلها لم تكن متداولة على نطاق واسع داخل هيئة العمليات.
وأعد الضابط دراسته في كراسة، ثم قدمها إلى الجمسي، الذي راجعها قبل أن تنتقل عبر التسلسل القيادي إلى المشير أحمد إسماعيل ثم الرئيس أنور السادات، وتروي شهادة نحلة أنه طُلب منه بعد تسليم الدراسة ألا يخبر أحدًا بتفاصيلها. 




هنا تظهر صورة مختلفة للجمسي، لم يكن الرجل صاحب القرار وحده، بل كان جزءًا من منظومة اعتمدت على عشرات الضباط والباحثين والمخططين، وكان دوره أن يجمع تلك الأفكار والدراسات ويحولها إلى رؤية عملياتية متماسكة.
ولم يكن اختيار الثانية ظهرًا قرارًا  عاديا، بل كان على المخططين دراسة عوامل عديدة: طبيعة قناة السويس، حركة المد والجزر، سرعة التيار واتجاهه، طول الليل، ظروف الإضاءة، قدرة القوات على إنشاء الكباري، إلى جانب حسابات تتعلق بالتعبئة الإسرائيلية.

ويذكر الجمسي، في شهادته عن التخطيط للحرب، أن هيئة العمليات درست شهور السنة لاختيار التوقيت الأنسب، كما درست طول الليل وظروف القمر، إلى جانب تأثير العطلات في إسرائيل على إجراءات التعبئة. 

أي أن الساعة الثانية لم تكن مجرد ساعة على عقارب الساعة؛ كانت نتيجة حسابات عسكرية وبيئية واستخباراتية وسياسية متشابكة.

• خطة الخداع الاستراتيجي.




توضح الهيئة العامة للاستعلامات أن خطة الخداع بدأت مبكرًا، واشتملت على إجراءات متعددة هدفت إلى إخفاء نية الهجوم ومنع إسرائيل من اتخاذ إجراءات استباقية، وكانت المناورات والتدريبات جزءًا من هذا الغطاء.

ويذكر الجمسي أن مناورة جرى تحديدها خلال الفترة من الأول إلى السابع من أكتوبر، واستُخدمت كغطاء لتحريك مراكز القيادة واستدعاء الاحتياط واتخاذ إجراءات عسكرية دون كشف الموعد الحقيقي للهجوم. 

فكلما اقترب موعد الحرب، كان على مئات وربما آلاف الرجال أن يعرفوا ما يكفي لتنفيذ مهمتهم، وألا يعرفوا أكثر مما ينبغي حتى لا ينكشف السر.
كانت السرية نفسها جزءًا من المعركة.

• ثم جاء صباح السادس من أكتوبر

من داخل مركز العمليات، كان الضباط في البداية يتعاملون مع خرائط مشروع التدريب، قبل أن تُرفع وتوضع مكانها خرائط خطة الحرب.

حلت خرائط وسجلات خطة «جرانيت» لاقتحام قناة السويس وتدمير خط بارليف محل خرائط التدريب، في تلك اللحظة لم تعد الحرب احتمالًا على الورق، أصبحت أمرًا ينتظر ساعة الصفر.


• الإنسان خلف الخريطة




وهنا تحديدا نريد أن نتوقف عند الجمسي، القائد العسكري يستطيع أن يتعامل مع الخريطة باعتبارها خطوطا واتجاهات ومواقع، لكن الرجل الذي يجلس أمام الخريطة يعرف أن كل سهم يمثل رجالا، خلف كل وحدة على الخريطة جنود وضباط، خلف كل جسر ستعبر آلاف الأرواح والمعدات.
وخلف كل قرار احتمال نجاح أو فشل، تقدم أو خسائر.
ولهذا فإن قراءة مذكرات الجمسي لا تقدم لنا فقط تفاصيل عن كيفية إدارة الحرب؛ وإنما تفتح نافذة على البعد الإنساني للقرار العسكري.
فالحرب في غرفة العمليات تبدو أرقاما ومسافات وتوقيتات، لكنها على الأرض بشر ينتظرون تنفيذ تلك الأوامر.

انطلقت الضربة الجوية، وبدأ التمهيد النيراني، ثم عبرت موجات المشاة قناة السويس، وبدأت عملية اقتحام خط بارليف وإنشاء رؤوس الكباري.
وتوضح وثائق وزارة الدفاع المصرية أن العملية لم تتوقف عند العبور، وإنما تتابعت مراحلها من اقتحام القناة وتدمير خط بارليف إلى صد الهجمات المضادة وإدارة القتال شرقا وغربا حتى وقف إطلاق النار. 



وبالنسبة إلى الجمسي، كانت هذه اللحظة بداية الجزء الأصعب: أن تتابع الخطة وهي تتحول إلى معركة حقيقية، وأن تتعامل مع المعلومات الجديدة التي تصل من الميدان، وأن تعرف أن الحرب لم تعد كما كانت على الورق.
وهنا تكمن قيمة الرجل الذي كان داخل غرفة العمليات.

• أكتوبر من زاوية أخرى

ربما اعتدنا أن نروي حرب أكتوبر من فوق سيناء: الطائرات، والمدفعية، والدبابات، والمشاة، والكباري، لكن هناك قصة أخرى حدثت في المكان الذي لم يره معظم المصريين.

قصة الرجال الذين جلسوا أمام الخرائط، ومن بينهم الجمسي.




رجل أمضى سنوات يفكر في الحرب قبل أن تبدأ، ثم وجد نفسه يوم السادس من أكتوبر أمام اللحظة التي تحولت فيها كل الحسابات إلى مسؤولية حقيقية.
ولهذا يمكن اختصار فلسفة هذه السلسلة في جملة واحدة:
نحكي الحرب من خلال الإنسان، ونفهم إنسان  أكتوبر 73 من خلال الحرب.



وفي الحلقة التالية يمكن أن نذهب مع الجمسي إلى الساعات الأولى بعد الثانية ظهرًا: ماذا كانت تعرف غرفة العمليات؟
 كيف وصلت التقارير من الجبهة؟ 
وكيف كان القادة يتعاملون مع أول اختبار حقيقي للخطة بعد بدء العبور؟

إعلان
شارك الخبر:

التعليقات (0)