«نحكي الحرب من خلال الإنسان»:
>>| من لحظة العبور إلى وصول التقارير الأولى من الجبهة.. كيف تحولت غرفة العمليات إلى عين تتابع المعركة؟
>>| كيف تعامل الجمسي والقادة مع أول اختبار حقيقي للخطة بعد أن أصبحت الحرب واقعا على الأرض؟
كتب- محمد سالم:
في الحلقة الأولى، توقفنا عند اللحظة التي تحولت فيها سنوات الإعداد والتخطيط إلى قرار تنفيذي، وانطلقت القوات المصرية لعبور قناة السويس.
لكن بالنسبة إلى رجال القيادة، لم تكن لحظة العبور نهاية الخطة، بل كانت بدايتها الحقيقية.
فمع عبور الموجات الأولى إلى الضفة الشرقية، انتقلت الحرب من الخرائط إلى الأرض، ومن الحسابات النظرية إلى تقارير تصل تباعا من الجبهة، تحمل معها صورة تتغير من دقيقة إلى أخرى.
وفي قلب هذا المشهد كان اللواء محمد عبد الغني الجمسي، رئيس هيئة العمليات، يتابع الموقف داخل غرفة العمليات.

لم تعد الخريطة أمامه مجرد خطوط واتجاهات، فكل علامة عليها أصبحت تعني وحدات تتحرك، وجنودًا يقاتلون، وممرات يجري فتحها، وكباري يجري تشغيلها، وعدوًا يحاول أن يستوعب ما حدث ويستعد للرد.
• غرفة العمليات.. الخطة تتكلم
في القيادة العامة للقوات المسلحة، كان مركز العمليات يتلقى المعلومات من الجيوش والتشكيلات المختلفة، لتكوين صورة مستمرة عن سير المعركة، وهنا ظهر أحد أهم الفروق بين التخطيط للحرب وإدارتها.
الخطة تحدد ما يجب أن يحدث، أما غرفة العمليات فكان عليها أن تعرف ما الذي يحدث بالفعل، هل عبرت القوات في المواعيد المحددة، هل وصلت الوحدات إلى مواقعها؟
هل تم فتح الممرات في الساتر الترابي، هل بدأت الكباري والمعديات في العمل، وقبل كل ذلك ماذا يفعل العدو؟
كل تقرير كان يضيف جزءا جديدا إلى الصورة، والصورة بدورها كانت تساعد القيادة على قراءة الخطوة التالية.
لم تكن هناك حاجة إلى اختراع أوامر جديدة كل دقيقة، قد يظن البعض أن القيادة كانت تصدر أوامر جديدة مع كل تطور في الميدان، لكن طبيعة خطة العبور كانت مختلفة.
فقد جرى الإعداد للعملية على مدى طويل، وحددت المهام والتوقيتات والمسؤوليات بصورة مسبقة، بحيث تعرف التشكيلات المختلفة ما عليها أن تفعله عند بدء التنفيذ.
ولهذا كانت الساعات الأولى تعتمد بدرجة كبيرة على تنفيذ الخطة الموضوعة، مع متابعة مستمرة لما يحدث على الأرض.

كان دور القيادة أن تعرف هل تسير الأمور في الاتجاه المتوقع، وأن تتابع أي تغير يمكن أن يؤثر في المرحلة التالية.
وهنا كانت قيمة غرفة العمليات، من «هل عبرنا؟» إلى «هل سنستمر؟»
فنجاح القوات المصرية في عبور القناة كان إنجازًا عسكريًا هائلا، لكن القيادة كانت تعرف أن العبور وحده لا يكفي.
القوات التي أصبحت شرق القناة تحتاج إلى أن تستمر في تلقي الإمدادات، وأن تصل إليها الأسلحة والمعدات، وأن يتم دعمها بقوات إضافية، وأن تتمكن من تثبيت مواقعها في مواجهة أي رد فعل إسرائيلي.
ولهذا كان إنشاء الكباري وفتح الممرات وتشغيل وسائل العبور جزءا أساسيا من المعركة، كان المطلوب تحويل العبور من عملية اقتحام إلى وجود عسكري مستمر على الضفة الشرقية، وهذا هو الاختبار الحقيقي الذي بدأ بعد نجاح اللحظة الأولى.
• التقارير القادمة من الجبهة
مع مرور الوقت، بدأت التقارير تعطي القيادة صورة أكثر وضوحا، القوات المصرية عبرت القناة، المشاة بدأت تثبيت مواقعها، المهندسون العسكريون واصلوا مهمتهم في فتح الممرات والتعامل مع الساتر الترابي، وبدأت وسائل العبور في نقل القوات والمعدات إلى الضفة الشرقية.
لكن في المقابل، كان هناك عدو لم يتوقف عن التفكير، إسرائيل بدأت تستوعب حجم المفاجأة، وتحاول معرفة اتجاهات الهجوم المصري، وتبحث عن أفضل طريقة لإعادة تنظيم قواتها والرد.
• الجمسي أمام الخريطة

في تلك الساعات، كان الجمسي يتعامل مع الحرب باعتبارها عملية متحركة، ما خطط له على الورق بدأ يتحول إلى واقع، والواقع بدوره بدأ يفرض أسئلة جديدة.
وتظهر أهمية الرجل الذي عرفته المؤسسة العسكرية بقدرته على دراسة التفاصيل، فالخطة ليست نصا جامدا، هي إطار يجب أن يعمل في ظروف متغيرة.
والقائد الناجح هو الذي يستطيع أن يقرأ المعلومات الجديدة دون أن يفقد الصورة الكبرى، كان أمام الجمسي آلاف التفاصيل، لكن عليه أن يميز بينها:
ما الذي يمثل تطورا طبيعيا، وما الذي يشير إلى تغير في موقف العدو، وما الذي يحتاج إلى تدخل القيادة، وما الذي يمكن أن يستمر وفق الخطة الموضوعة؟
هذه الأسئلة لم تكن نظرية، لأن كل إجابة كانت مرتبطة بأرواح جنود موجودين بالفعل في قلب المعركة.
أول اختبار حقيقي للخطة
مع حلول الساعات الأولى من الليل، أصبح واضحًا أن القوات المصرية حققت نجاحًا كبيرًا في المرحلة الأولى.
وكان على القيادة أن تتوقع رد الفعل الإسرائيلي، وهنا بدأت مرحلة مختلفة، مرحلة سيكون فيها العدو قد استوعب المفاجأة الأولى، وبدأ في تحريك قواته ومحاولة استعادة زمام المبادرة.
ولهذا لم تكن غرفة العمليات تنظر فقط إلى ما حققته القوات المصرية، كانت تنظر أيضًا إلى ما يفعله الطرف الآخر.
على الخريطة يمكن تحديد المحاور والأهداف والأوقات، لكن على الأرض هناك مقاومة، ونيران، وحركة قوات، واتصالات، وأخطاء بشرية، ومفاجآت.
ولهذا كانت التقارير القادمة من الجبهة ضرورية، فكل تقرير كان يقول للقيادة: هذا ما يحدث الآن، وعلى القيادة أن تقرر: ماذا يعني ذلك؟
في ليلة العبور الأولى، ومع حلول الليل، كانت صورة السادس من أكتوبر قد تغيرت تمامًا، القناة التي كانت تمثل حاجزا أمام القوات المصرية أصبحت خلفها.
والضفة الشرقية التي كانت لسنوات ساحة مراقبة للعدو أصبحت تضم قوات مصرية تقاتل وتثبت مواقعها.
لكن في غرفة العمليات لم يكن هناك وقت طويل للاحتفال، فالنجاح الأول خلق مسؤولية أكبر، وكان يجب الحفاظ على رؤوس الكباري.
واستمرار العبور، وتأمين القوات، ومتابعة العدو، والاستعداد للمرحلة المقبلة...
• الهجوم المضاد
مع مرور الساعات، بدأت إسرائيل تدفع بقواتها وتحاول تنظيم هجوم مضاد.
وأصبح على القيادة المصرية أن تقرأ التحركات الإسرائيلية الجديدة، وأن تعرف أين ستتركز الضربة، وكيف يمكن للقوات المصرية التعامل معها.
لم تعد المفاجأة وحدها سلاحا، بدأت مرحلة جديدة من الحرب، مرحلة تتحرك فيها المدرعات، وتتغير فيها خطوط المواجهة، وتصبح قرارات القيادة أكثر ارتباطا بسرعة قراءة الموقف.

فبعد أن نجحت القوات المصرية في عبور القناة وإقامة رؤوس الكباري، كان السؤال التالي ينتظر إجابته:
كيف ستتعامل القيادة المصرية مع أول هجوم مضاد إسرائيلي؟

• في الحلقة الثالثة من «نحكي الحرب من خلال الإنسان» نقترب أكثر من الخريطة.. ونتابع الجمسي وهو يقرأ تحركات العدو، في واحدة من أكثر مراحل حرب أكتوبر حساسية.
admin
التعليقات (0)