بقلم: عميد متقاعد عادل عبد المنعم العشيري
بعد حرب يونيو 1967، أصبح من الواضح للقادة العسكريين المصريين أن مواجهة إسرائيل لن تكون ممكنة بتكرار أساليب الحرب التقليدية السابقة.
• البيئة العسكرية التي سبقت حرب أكتوبر
فقد امتلكت إسرائيل قوة مدرعة كبيرة، كما كانت تعتمد على سرعة الحركة والمناورة، وعلى قدرتها العالية في استخدام الدبابات والطائرات في عمليات مشتركة. وكان أحد الدروس المهمة التي استخلصتها القوات المصرية هو ضرورة إيجاد وسيلة تجعل المشاة قادرين على مواجهة دبابات العدو دون انتظار وصول الدبابات المصرية إلى كل نقطة اشتباك.
وهنا اكتسبت الأسلحة المضادة للدبابات أهمية استراتيجية؛ فإذا تمكنت مجموعة صغيرة من المشاة من تهديد دبابة على مسافة بعيدة، فإن ذلك يعني أن الدبابة لم تعد تستطيع التعامل مع المشاة باعتبارهم هدفًا ضعيفًا، بل أصبح عليها أن تبحث أولًا عن مصدر النيران وأن تتعامل مع بيئة مليئة بالتهديدات. وقد أشارت دراسات عسكرية أمريكية بعد الحرب إلى أن الجيوش العربية، ومن بينها مصر، زُوِّدت بصواريخ المالوتيكا الروسية وبصواريخ RPG-7 لمواجهة التفوق المدرع الإسرائيلي.

ولذلك، تُعد حرب السادس من أكتوبر 1973 واحدة من أهم الحروب التي أعادت تشكيل العديد من المفاهيم المتعلقة بالحرب البرية الحديثة، فقد كشفت المعارك التي دارت على الجبهة المصرية والسورية أن التفوق في نوعية الدبابات والطائرات لا يكفي وحده لحسم المعركة، وأن الأسلحة الحديثة والتقليدية، عندما تُوظف ضمن منظومة متكاملة من التخطيط والتدريب والاستطلاع والنيران والمناورة، تستطيع أن تغير قواعد الاشتباك.
ولهذا، لم تكن حرب السادس من أكتوبر 1973 مجرد مواجهة تقليدية بين تشكيلات مدرعة متقابلة، وإنما كانت اختبارًا حقيقيًا لتطور الفكر العسكري وقدرة الجيوش على توظيف الأسلحة الحديثة والتقليدية في إطار خطة متكاملة.
ومن أبرز الأسلحة التي تركت بصمة واضحة في هذه الحرب المقذوفات الموجهة المضادة للدبابات، والتي أعادت صياغة العلاقة بين الدبابة والمشاة في ميدان القتال. وقد برز الاستخدام المصري لهذه الأسلحة بصورة خاصة خلال عبور قناة السويس واقتحام المواقع الإسرائيلية، ثم التصدي للهجمات المضادة المدرعة. وكان من أهم هذه الأسلحة الصاروخ المالوتيكا الروسي، الذي استخدمته وحدات المشاة المصرية إلى جانب الأسلحة المضادة للدبابات غير الموجهة، وعلى رأسها RPG-7. وتشير دراسات عسكرية إلى أن القوات المصرية جهزت المشاة بهذه المنظومات لمواجهة الهجمات المدرعة الإسرائيلية المتوقعة في الساعات الأولى من المعركة، قبل وصول الدعم المدرع المصري بصورة كاملة إلى الضفة الشرقية.
وقد اكتسب هذا السلاح أهميته من حقيقة أساسية، وهي أن القوات المصرية كانت تعلم أن القوات الإسرائيلية ستسعى، بعد عبور القوات المصرية لقناة السويس وإنشاء رؤوس الكباري، إلى شن هجمات مضادة مدرعة بهدف استعادة الأوضاع لما كانت عليه.

• لماذا كانت المقذوفات الموجهة المضادة للدبابات مهمة في حرب أكتوبر؟
كان أحد أهم التحديات أمام القوات المصرية هو مواجهة التفوق الإسرائيلي في استخدام الدبابات، خصوصًا أن القوات الإسرائيلية كانت تعتمد بدرجة كبيرة على سرعة الحركة والمناورة المدرعة والنيران المباشرة بعيدة المدى، وكانت المشكلة أمام القيادة العسكرية واضحة: كيف تستطيع قوات المشاة، وهي أقل حركة وتسليحًا من التشكيلات المدرعة، إيقاف أو إبطاء قوة مدرعة مهاجمة؟
ومن ثم، لم يكن السؤال هو كيف تعبر القوات المصرية القناة فقط، بل كان السؤال الأهم: كيف تحافظ القوات المصرية على رؤوس الكباري وتمنع الدبابات الإسرائيلية من اختراقها قبل وصول القوات المدرعة المصرية وإنشاء منظومة دفاع متماسكة؟
وكانت الإجابة، جزءًا مهمًا منها، في تسليح المشاة بأسلحة مضادة للدبابات تستطيع مواجهة المدرعات من مسافات بعيدة نسبيًا.
وهنا ظهرت أهمية المقذوف الموجه المضاد للدبابات.

فبدلًا من أن تكون الدبابة هي الطرف الوحيد القادر على الاشتباك من مسافات مؤثرة، أصبح بإمكان جندي المشاة أن يشتبك مع الدبابة من مسافة بعيدة نسبيًا، ومن موضع مخفي، وبسلاح يستطيع إصابة الهدف المدرع بدقة أكبر من الأسلحة الفردية التقليدية المضادة للدروع. وهكذا تحولت بعض مجموعات المشاة الصغيرة إلى مجموعات قادرة على تهديد التشكيلات المدرعة، وهو تغيير تكتيكي بالغ الأهمية.
• والآن دعونا نتعرف على المقصود بالمقذوف الموجه المضاد للدبابات وطبيعة عمله.
المقذوف الموجه المضاد للدبابات هو سلاح صُمم لإصابة الأهداف المدرعة بدقة من مسافات أكبر من مدى كثير من الأسلحة الفردية التقليدية المضادة للدروع. فكان الصاروخ المالوتيكا من أبرز المقذوفات الموجهة التي استخدمتها القوات المصرية في حرب أكتوبر، ويعمل الصاروخ بالتوجيه السلكي (لا يتم التشويش الإلكتروني عليه)، حيث يقوم عامل التوجيه بتوجيهه أثناء طيرانه حتى الوصول إلى الهدف. وقد امتاز بمدى أكبر من كثير من الأسلحة الفردية التقليدية المضادة للدبابات، ورأس حربي قادر على التعامل مع الأهداف المدرعة. فقد أمكن نشر مجموعات مضادة للدبابات في مواقع مدروسة على محاور الاقتراب المتوقعة للقوات الإسرائيلية، مع الاستفادة من طبيعة الأرض ومن وسائل الإخفاء والتمويه، بحيث تصبح الدبابة المهاجمة معرضة للنيران من عدة اتجاهات.

وقد وصفت دراسات عسكرية لاحقة كيف استطاعت فرق المشاة المصرية المسلحة بالصواريخ المضادة للدبابات أن توقف أو تلحق خسائر بالقوات المدرعة الإسرائيلية عندما كانت تعمل دون حماية كافية من المشاة والأسلحة المشتركة.
ولم تكن أهمية الصاروخ المالوتيكا في قوته الفنية فقط، وإنما في طريقة استخدامه. فقد أدرك التخطيط المصري أن القوات الإسرائيلية ستعتمد على الهجمات المضادة المدرعة في محاولة لاستعادة زمام المبادرة بعد عبور القوات المصرية للقناة؛ لذلك جرى تجهيز المشاة بأسلحة مضادة للدبابات تستطيع التعامل مع هذه الهجمات قبل أن تتمكن الدبابات الإسرائيلية من الوصول إلى أهدافها. وكانت النتيجة أن الدبابة لم تعد تستطيع الاعتماد فقط على سرعتها ومدفعها وحركتها، بل أصبحت مضطرة إلى حساب وجود فرق صيد دبابات صغيرة مختبئة في مواقع يصعب اكتشافها. وهذا أدى إلى تغيير مهم في سلوك الدبابات داخل أرض المعركة؛ فبدلًا من الاندفاع السريع إلى الأمام، أصبح عليها أن تبحث عن مصادر النيران، وأن تعمل مع المشاة ووسائل الاستطلاع والمدفعية، وأن تتجنب التقدم منفردة إلى مناطق مجهولة.
من الأخطاء التي يجب تجنبها عند دراسة تجربة حرب أكتوبر النظر إلى الصاروخ المالوتيكا باعتباره سلاحًا منفردًا حسم المعركة؛ فالقوات المصرية استخدمت منظومة متكاملة من الأسلحة المضادة للدبابات، شملت المقذوفات الموجهة مثل الصاروخ المالوتيكا، والأسلحة غير الموجهة مثل RPG-7، إلى جانب الأسلحة عديمة الارتداد والألغام ونيران المدفعية وأسلحة الدبابات.
وكان لكل سلاح دوره وفقًا للمسافة وطبيعة الهدف؛ فالمقذوف الموجه يوفر قدرة اشتباك من مسافة أكبر نسبيًا، بينما تتولى الأسلحة الأقصر مدى التعامل مع الدبابات التي تقترب من مواقع المشاة. وبذلك تشكلت أمام الدبابات طبقات متتالية من الخطر بدلًا من الاعتماد على سلاح واحد.
فكان من أهم نتائج الاستخدام المصري للمقذوفات المضادة للدبابات أن الهجمات المدرعة الإسرائيلية الأولى في سيناء اصطدمت بمشكلة لم تكن متوقعة بالقدر الكافي، فقد واجهت الدبابات الإسرائيلية نيرانًا مضادة للدبابات من قوات مشاة منتشرة في عمق نسبي حول مناطق القتال.
وتشير مصادر عسكرية إلى أن الهجمات المضادة الإسرائيلية في الأيام الأولى، عندما تقدمت فيها الدبابات دون التكامل الكافي مع الأسلحة الأخرى، تعرضت لخسائر كبيرة أمام نيران المشاة المصرية المضادة للدبابات، وكان الصاروخ المالوتيكا من أهم عناصر هذه المنظومة.

ولم يكن التأثير مجرد تدمير عدد من الدبابات، بل كان هناك تأثير عملياتي أكبر منها: إبطاء الهجوم، وتفكيك التشكيل، وإجبار الدبابات على التوقف والمناورة، وكشفها لنيران إضافية، وإرباك القيادة والسيطرة. وهذه النتائج في حد ذاتها قد تكون أكثر أهمية من مجرد عدد الدبابات التي تم تدميرها.
وتعتبر حرب أكتوبر من الحروب التي أكدت أن امتلاك الدبابات الحديثة لا يعني بالضرورة امتلاك حرية الحركة المطلقة في ميدان المعركة؛ فالدبابة، مهما بلغت قدرتها، تحتاج إلى بيئة عملياتية مناسبة لكي تستخدم ميزاتها بأقصى كفاءة، وقد أظهرت حرب أكتوبر أن المشاة المسلحين بأسلحة حديثة مضادة للدبابات يستطيعون حرمان القوات المدرعة من جزء كبير من حرية المناورة إذا تم تنظيمهم وإخفاؤهم واستخدامهم ضمن خطة نيران متكاملة.
وقد انعكس هذا الدرس على التفكير العسكري بعد الحرب، إذ اضطرت الجيوش إلى تطوير أساليب جديدة لمواجهة فرق الصواريخ المضادة للدبابات، بما في ذلك زيادة التعاون بين الدبابات والمشاة ووسائل الاستطلاع والمدفعية.
وهذا يؤكد قاعدة عسكرية مهمة، وهي أنه لا يوجد سلاح منفرد يحسم المعركة، وإنما تحسمها المنظومة التي تعرف كيف تستخدم كل سلاح في الوقت والمكان المناسبين.
فيمكن تلخيص أهمية المقذوفات الموجهة المضادة للدبابات في حرب أكتوبر في عدة نقاط رئيسية:
1. منحت المشاة قدرة حقيقية على مواجهة الدبابات من مسافات قصيرة ومؤثرة.
2. قللت من حرية حركة القوات المدرعة الإسرائيلية في بعض مناطق الاشتباك.
3. ساعدت على حماية رؤوس الكباري والمواقع التي أقامتها القوات المصرية شرق القناة.
4. وفرت وسيلة فعالة للتعامل مع الهجمات المضادة المدرعة في المرحلة الأولى من الحرب.
5. ساهمت في تغيير النظرة إلى العلاقة بين الدبابة والمشاة في الحرب الحديثة.
6. أكدت أهمية الكمائن المضادة للدبابات واختيار مواقع الاشتباك والإخفاء والتمويه.
إن دراسة حرب السادس من أكتوبر من منظور الأسلحة المضادة للدبابات تكشف لنا جانبًا مهمًا من جوانب التخطيط والقتال المصري، فلم يكن النجاح في عبور قناة السويس واقتحام الدفاعات الإسرائيلية قائمًا على وسيلة واحدة، وإنما على منظومة متكاملة من التخطيط والهندسة والمدفعية والدفاع الجوي والمشاة والمدرعات والأسلحة المضادة للدبابات.

وفي هذه المنظومة احتلت المقذوفات الموجهة المضادة للدبابات مكانة مهمة؛ لأنها كسرت جزئيًا المعادلة التقليدية التي تجعل الدبابة صاحبة اليد العليا أمام المشاة.
وقد أثبتت حرب أكتوبر أن المشاة المدربين والمسلحين بالسلاح المناسب، عندما يعملون ضمن خطة نيران متكاملة ويستفيدون من الأرض والإخفاء والتمويه والمفاجأة، يستطيعون أن يفرضوا على القوة المدرعة المتفوقة حسابات جديدة تمامًا.
وهنا تكمن القيمة الحقيقية لتجربة أكتوبر؛ فلم تكن القضية مجرد امتلاك صاروخ مضاد للدبابات، وإنما كانت في كيفية تحويل هذا الصاروخ إلى عنصر مؤثر داخل منظومة المعركة.
ولهذا تظل تجربة استخدام المقذوفات الموجهة المضادة للدبابات في حرب أكتوبر واحدة من أهم التجارب التي تستحق الدراسة عند بحث تطور الحرب البرية الحديثة، وانتقال الصراع من مفهوم «الدبابة في مواجهة الدبابة» إلى مفهوم أكثر شمولًا يقوم على الأسلحة المشتركة وتكامل النيران والمناورة والاستطلاع والمشاة والمدرعات.
admin
التعليقات (0)