2026/10/13
بث تجريبي
إعلان

من نجاح العبور إلى معركة الدبابات.. لماذا تحركت القوات المصرية شرقًا في 14 أكتوبر؟

من نجاح العبور إلى معركة الدبابات.. لماذا تحركت القوات المصرية شرقًا في 14 أكتوبر؟

>>| تطوير الهجوم شرقًا.. عندما خرجت القوات المصرية من رؤوس الكباري

«الحلقة الخامسة »
كتب- محمد سالم:


بعد نجاح القوات المصرية في عبور قناة السويس، وإنشاء رؤوس الكباري، ثم صد الهجمات الإسرائيلية المضادة، أصبح الجيش المصري أمام مرحلة مختلفة من الحرب.

لم يعد السؤال هل تستطيع القوات المصرية العبور، لقد عبرت بالفعل، ولم يعد السؤال: هل تستطيع الاحتفاظ بالأرض التي استولت عليها شرق القناة؟
فقد أثبتت القوات المصرية خلال الأيام الأولى قدرتها على تثبيت رؤوس الكباري وصد الهجمات المضادة، مستفيدة من تنظيم دفاعي متكامل ومن دعم المدفعية والدفاع الجوي والقوات الجوية.

لكن تطورات الحرب فرضت سؤالًا أكثر تعقيدًا:
هل تبقى القوات المصرية داخل رؤوس الكباري، أم تتحرك شرقًا لتطوير الهجوم ونقل المعركة إلى عمق أكبر في سيناء؟
كانت الإجابة تعني الدخول في معركة مختلفة تمامًا عن معركة العبور.
فالقوات التي عبرت القناة وتمركزت شرقها كانت تعمل في نطاق قريب نسبيًا من مظلة الدفاع الجوي المصرية، بينما يعني التحرك لمسافات أكبر الابتعاد تدريجيًا عن هذه المظلة، ومن ثم زيادة قدرة الطيران الإسرائيلي على التأثير في القوات المتقدمة.
وهنا بالتحديد بدأ أصعب اختبار للقيادة المصرية بعد نجاح العبور.




• قرار تطوير الهجوم

لم تكن جبهة القناة منفصلة عن باقي الحرب، ففي الوقت الذي كانت فيه القوات المصرية تثبت مواقعها شرق القناة، كانت القوات السورية تواجه ضغطًا إسرائيليًا متزايدًا على جبهة الجولان.



وبالتالي أصبحت نتائج المعركة على الجبهة المصرية مرتبطة بصورة أكبر بالحسابات العامة للحرب.
كان تطوير الهجوم شرقًا يعني دفع إسرائيل إلى التعامل مع خطر جديد في سيناء، بدلًا من تركيز معظم ثقلها على الجبهة السورية.

وتؤكد وثائق وزارة الدفاع المصرية أن تطوير الهجوم شرقًا كان مرحلة أساسية ضمن مراحل إدارة حرب أكتوبر، إلى جانب عبور القناة، وإنشاء رؤوس الكباري، وصد الهجمات المضادة، ثم إدارة القتال شرقًا وغربًا حتى وقف إطلاق النار.




لكن القرار لم يكن مجرد رغبة في التقدم، كان وراءه حساب عسكري شديد التعقيد: كيف يمكن توسيع الهجوم من دون فقدان المزايا التي حققها الجيش المصري في الأيام الأولى؟

فكل كيلومتر جديد شرق القناة كان يعني توسيع مساحة المعركة، وزيادة طول خطوط الإمداد، والابتعاد عن مظلة الدفاع الجوي، ومنح القوات الإسرائيلية مساحة أكبر لاستخدام الطيران والمدرعات والمواقع المضادة للدبابات.

لم يكن المقصود أن تتحرك جميع القوات المصرية الموجودة شرق القناة في هجوم شامل.

كان هناك حرص على الحفاظ على القوة الرئيسية داخل رؤوس الكباري، بينما تُدفع تشكيلات مدرعة وميكانيكية لتنفيذ مهام التطوير في اتجاهات محددة.
وكان الجيش الثاني هو المسرح الرئيسي للجهد الأكبر في عملية التطوير.

وتشير الدراسات العسكرية الخاصة بالعملية إلى أن من بين التشكيلات الرئيسية التي أُعدت للمشاركة الفرقة 21 المدرعة، إلى جانب ألوية مدرعة وميكانيكية أخرى، مع تحرك القوات على محاور مختلفة من الجبهة.

وكانت الفكرة الأساسية أن تتحرك القوات في اتجاهات تؤدي إلى الضغط على القوات الإسرائيلية وتهديد مواقعها، مع محاولة الوصول إلى مناطق أكثر عمقًا باتجاه الممرات.

لكن المشكلة التي ستظهر في صباح 14 أكتوبر كانت أن القوات المصرية ستخوض المعركة في ظروف مختلفة تماما عن الظروف التي صاحبت عبور القناة.



• صباح 14 أكتوبر 1973

في الساعات السابقة على بدء الهجوم، جرى تجهيز القوات المدرعة والميكانيكية التي ستشارك في عملية التطوير.

وفي قطاع الجيش الثاني، كانت الفرقة 21 المدرعة في مقدمة القوات التي ستدفع إلى الأمام.
وعبرت بعض الوحدات المدرعة إلى شرق القناة في الأيام السابقة، وتمركزت في مناطق انتظار استعدادًا لتنفيذ المهمة.

وكانت الخطة تستهدف تحريك القوات في توقيت متزامن تقريبًا على محاور مختلفة، حتى لا تتمكن إسرائيل من تركيز كامل قوتها في اتجاه واحد.

وفي صباح 14 أكتوبر 1973 بدأت العملية، وتقول البيانات العسكرية المصرية إن القوات المسلحة بدأت في الساعة السادسة صباحا تنفيذ خطة تطوير الهجوم شرقا.
وهكذا دخلت حرب أكتوبر واحدة من أكبر معارك الدبابات في تاريخها.

الفرقة 21 المدرعة تتقدم، حيث كان المحور الأوسط من أهم محاور التطوير، وفي الساعة السادسة والنصف صباحًا بدأت عناصر الفرقة 21 المدرعة التحرك من منطقة رأس كوبري الفرقة 16 مشاة.

وكانت الخطة تقضي بدفع اللواءين الأول والرابع عشر المدرعين في اتجاه الشرق، مع تأمين تحركهما بالنيران والمدفعية والقوات الموجودة في رأس الكوبري.

في البداية تقدمت الوحدات، لكنها اصطدمت بعد ذلك بمقاومات إسرائيلية أعدت مسبقًا.

لم يكن الجيش الإسرائيلي يخوض معركة ارتجالية.

فبعد أيام القتال الأولى، كانت إسرائيل قد دفعت بقوات واحتياطيات جديدة إلى سيناء، وأعادت تنظيم دفاعاتها، وحددت مناطق يمكن فيها استخدام الدبابات والأسلحة المضادة للدبابات لإيقاف التقدم المصري.
وعندما وصلت القوات المصرية إلى مناطق المقاومة، بدأت المعركة الحقيقية.

• الدبابات في مواجهة الدبابات




لم تكن معركة 14 أكتوبر مجرد مواجهة بين دبابات متحركة في أرض مفتوحة، دخلت فيها المدفعية، والصواريخ والأسلحة المضادة للدبابات، والطيران، والاستطلاع، والمواقع الدفاعية المجهزة.

وكانت القوات الإسرائيلية تحاول إجبار القوات المصرية على التقدم في مناطق يمكن ضربها منها بنيران مركزة.

وفي المقابل، حاولت القوات المصرية فتح ثغرات في الدفاعات الإسرائيلية وتدمير مواقع الأسلحة المضادة للدبابات حتى تستمر الوحدات المدرعة في التقدم.
وتكشف البيانات العسكرية المصرية الصادرة خلال اليوم عن شدة المعركة.

ففي البيان رقم 37، الصادر بعد ظهر 14 أكتوبر، أعلنت القيادة العامة استمرار القتال بعنف على امتداد جبهة القتال داخل سيناء، بين القوات المصرية المدرعة والميكانيكية المتقدمة شرقًا والقوات الإسرائيلية التي حاولت إيقافها، كما أعلنت تدخل القوات الجوية المصرية في قصف مواقع وقوات العدو.

وبعد ساعات، أعلنت القيادة المصرية في البيان رقم 38 أن القوات تمكنت من تحرير مساحات جديدة من الأرض، وأن القوات الإسرائيلية استخدمت الدبابات والأسلحة المضادة للدبابات والطيران في محاولة وقف التقدم.

• مشكلة ظهرت 

مع تقدم الساعات، بدأت الصعوبة الأساسية تظهر بوضوح..القوات المصرية التي خرجت من رؤوس الكباري أصبحت تعمل في عمق أكبر، بينما لم تعد مظلة الدفاع الجوي تغطيها بالقوة نفسها التي كانت متاحة للقوات القريبة من القناة.

وهذا الفارق كان بالغ الأهمية، فخلال العبور، كان الدفاع الجوي أحد أهم عناصر القوة المصرية.
أما في الهجوم شرقًا، فقد أصبحت القوات المدرعة نفسها أكثر تعرضًا للطيران الإسرائيلي، في الوقت الذي كانت فيه الدبابات الإسرائيلية والأسلحة المضادة للدبابات تنتظر في مواقع دفاعية.
وبذلك تحولت المعركة إلى اختبار مباشر لقدرة القوات المدرعة المصرية على القتال في عمق سيناء.




في نهاية يوم 14 أكتوبر، أعلنت القيادة العامة للقوات المسلحة المصرية أن القوات خاضت معارك ضارية على طول الجبهة، وأنها دمرت أعدادًا كبيرة من الدبابات الإسرائيلية، وحققت تقدمًا في مناطق مختلفة.

وكشف هذا اليوم أن القوات المصرية تستطيع خوض معركة مدرعة كبيرة خارج رؤوس الكباري، لكنه كشف أيضا حدود القدرة على تطوير الهجوم بعيدا عن مظلة الدفاع الجوي.

وفي المقابل، أدركت إسرائيل أن القوات المصرية ما زالت قادرة على شن هجمات قوية شرق القناة، ومن هنا بدأ التفكير الإسرائيلي في استغلال نقطة مختلفة من الجبهة.

لم تكن المشكلة في قلب رؤوس الكباري المصرية، بل في المسافات الفاصلة بين تشكيلات الجيشين الثاني والثالث، وهذه المسافات ستكتسب أهمية أكبر خلال الأيام التالية.

فالجيش المصري ظل ممسكًا برؤوس كباريه شرق القناة، لكن إسرائيل بدأت تبحث عن فرصة لاختراق الضفة الغربية نفسها.

بعد معركة التطوير، دخلت الحرب مرحلة جديدة، القوات المصرية أعادت تنظيم مواقعها، واستمرت في الاحتفاظ بالقوات الرئيسية شرق القناة.
وفي المقابل بدأت القيادة الإسرائيلية تبحث عن ثغرة يمكن من خلالها نقل قوات إلى غرب القناة.

• منطقة الدفرسوار 

كانت منطقة الدفرسوار ذات أهمية خاصة بسبب موقعها وطبيعة الأرض فيها، وبسبب وجود فجوة بين الجيشين الثاني والثالث يمكن استغلالها إذا نجحت القوات الإسرائيلية في الوصول إليها.



لكن الوصول إلى غرب القناة لم يكن أمرا سهلا، كان يحتاج إلى اختراق مواقع القوات المصرية، وتأمين ممر للقوات، ثم إنشاء جسور تسمح بعبور الدبابات والمعدات الثقيلة.


• في الحلقة السادسة

 من «نحكي الحرب من خلال الإنسان»، ننتقل إلى واحدة من أكثر مراحل حرب أكتوبر حساسية وتعقيدا:
الدفرسوار.. كيف وجدت القوات الإسرائيلية منفذا إلى غرب القناة؟
سنقترب من الخريطة كما كانت أمام القيادات، ونتتبع فجوة الدفرسوار، ومحاولة العبور الإسرائيلي، ودور الجسور، والقوات التي تحركت إلى الضفة الغربية، وكيف تحولت العملية إلى ما عرف لاحقا  باسم «الثغرة».

فهنا لم تعد المعركة تدور فقط على الضفة الشرقية، هذه المرة.. أصبح العبور في الاتجاه المعاكس.
«نحكي الحرب من خلال الإنسان»
لأن وراء كل سهم على الخريطة.. إنسانًا.

إعلان
شارك الخبر:

التعليقات (0)