>>| لم تكن ليلة السادس عشر من أكتوبر 1973 ليلة عادية في غرفة العمليات المصرية
- شهادة المشير الجمسي: إسرائيل استفادت من استطلاع جوي أمريكي رصد تغير أوضاع الفرقة 21 المدرعة
- تفاصيل الخطة شامل.. وشامل المعدلة لتصفية الثغرة
«الحلقة السادسة»
كتب- محمد سالم:
بعد أيام من القتال على الضفة الشرقية لقناة السويس، بدأت واحدة من أخطر مراحل حرب أكتوبر؛ محاولة إسرائيل التسلل وفتح ثغرة عند منطقة الدفرسوار والعبور بقوات مدرعة إلى الضفة الغربية للقناة.
لكن قصة الثغرة لم تبدأ لحظة عبور أول دبابة إسرائيلية إلى الغرب، وإنما سبقتها قرارات وتحركات عسكرية مصرية، كان من بينها قرار تطوير الهجوم شرقًا في 14 أكتوبر، وما ترتب عليه من تحريك الفرقة 21 المدرعة إلى الشرق، وهو القرار الذي أصبح لاحقا محورا مهمًا في تقييم ما جرى عند الدفرسوار.


وبحسب شهادة المشير محمد عبد الغني الجمسي، فإن إسرائيل استفادت من استطلاع جوي أمريكي رصد تغير أوضاع الفرقة 21 المدرعة وانتقالها إلى الشرق، ثم استغلت ذلك للهجوم من منطقة الدفرسوار، وفي حديث لاحق له، وصف الجمسي الثغرة بأنها المعركة التي تمكنت إسرائيل من تحقيق نجاح فيها ضمن سلسلة معارك الحرب.
• 15 أكتوبر.. المزرعة الصينية
في ليلة 15/16 أكتوبر، بدأت القوات الإسرائيلية محاولة العبور إلى غرب القناة في منطقة الدفرسوار، مستفيدة من منطقة بين الجيشين الثاني والثالث.

وتوضح الوثائق التي رفعتها وزارة الدفاع المصرية أن المرحلة التالية شهدت معركة قرية الجلاء المصرية، المعروفة أيضًا بالمزرعة الصينية، ثم توسع الجيب الإسرائيلي غربا ومحاولات التعامل معه، قبل الانتقال إلى خطط تصفية الثغرة.
وهنا ظهرت واحدة من أصعب مهام القيادة المصرية: التعامل مع قوات إسرائيلية أصبحت غرب القناة، بينما كانت القوات الرئيسية للجيش المصري متمركزة شرقها.
في البيانات العسكرية المصرية، لم يتم التعامل مع الموقف باعتباره تأخرا للجبهة، بل ركزت البيانات على استمرار القتال وضرب القوات الإسرائيلية المتسللة.
ففي البيان رقم 47 الصادر في 18 أكتوبر أعلنت القيادة العامة استمرار الضغط على قوات العدو، وأشارت إلى ضرب القوات المتسللة التي تم حصارها في نقاط متفرقة.

وفي البيان رقم 48 في 19 أكتوبر أصبحت الصورة أكثر وضوحا؛ إذ أعلنت القيادة العامة استمرار المعارك على المحور الأوسط، وأكدت اشتباك القوات المصرية مع عناصر العدو التي عبرت إلى الضفة الغربية للقناة عبر البحيرات المرة.
وفي اليوم التالي، جاء البيان رقم 50 في 20 أكتوبر ليعلن أن القوات البرية والوحدات الخاصة، بالتعاون مع القوات الجوية والمدفعية، خاضت معارك في منطقة المحور الأوسط والدفرسوار، وأعلنت تدمير عشرات الدبابات والعربات الإسرائيلية وأسر أطقم دبابات.
ثم جاء 21 أكتوبر لتشهد واحدة من أعنف مراحل القتال، وفي البيان رقم 51 تحدث عن استمرار معارك الدبابات في المحور الأوسط والدفرسوار، وإحباط هجمات إسرائيلية وشن هجمات مضادة.
أما البيان رقم 52، الصادر في اليوم نفسه، فوصف ما جرى بأنه من أضخم وأعنف المعارك، وأعلن أن القوات المصرية نفذت هجمات مضادة وضمّت أجزاء جديدة من الأرض شرق القناة.


• موقف الجمسي
هنا تصبح مذكرات المشير الجمسي مهمة للغاية.
فالجمسي لم يتعامل مع الثغرة كحدث منفصل عن قرارات الأيام السابقة، وإنما ربطها بتطور الموقف بعد تطوير الهجوم شرقا، وتحرك الفرقة 21 المدرعة، وما كشفه الاستطلاع الإسرائيلي عن تغير أوضاع القوات المصرية.
وفي شهادته اللاحقة، قال إن حرب أكتوبر شهدت نحو 50 معركة، وإن إسرائيل حققت نجاحا في واحدة منها هي الثغرة، موضحا أن انتقال الفرقة 21 المدرعة إلى الشرق كان مرتبطا بتطوير الهجوم، وأن الاستطلاع الأمريكي رصد هذا التحرك.
• الخطة شامل.. وشامل المعدلة
الوثائق العسكرية المصرية تظهر أن القوات الإسرائيلية التي عبرت غرب القناة تعرضت لقتال مستمر، وأن القيادة المصرية وضعت خططا لتصفية الثغرة، حملت اسم «شامل» و«شامل المعدلة».


مع اتساع القتال في منطقة الدفرسوار، بدأت القيادة المصرية إعداد عمليات مضادة للتعامل مع القوات الإسرائيلية الموجودة غرب القناة.
وتكشف وثائق وزارة الدفاع المصرية عن وجود خطة لتصفية الثغرة ومراحل محددة لتنفيذها، بما يؤكد أن القيادة المصرية تعاملت مع القوات الإسرائيلية غرب القناة باعتبارها قوات متسللة يجب حصارها والضغط عليها.
واستمر القتال حتى صدور قرار مجلس الأمن رقم 338 بوقف إطلاق النار في 22 أكتوبر، ثم تطورت الأحداث بعد خرق وقف إطلاق النار، لتدخل الحرب مرحلة جديدة انتهت باتفاقات الفصل بين القوات والمباحثات العسكرية عند الكيلو 101.
وهكذا، لم تكن الثغرة مجرد «عبور إسرائيلي إلى غرب القناة»، بل كانت معركة متشابكة بدأت بعملية اختراق، ثم تحولت إلى قتال عنيف حول الدفرسوار، ثم إلى محاولة مصرية لتطويق القوات المتسللة وتصفية الثغرة، قبل أن يتدخل العامل السياسي والدولي بقوة في الأيام الأخيرة للحرب.


ويبقى السؤال الذي يفتح الحلقة التالية:
• في الحلقة السابعة:
إذا كانت القيادة المصرية قادرة على تصفية الثغرة عسكريا، فلماذا لم تُنفذ خطة «شامل» حتى النهاية؟
وهنا تبدأ واحدة من أكثر صفحات حرب أكتوبر جدلا: الخطة شامل.. ومحاولة إغلاق الثغرة.
admin
التعليقات (0)