الحلقة السابعة من سلسلة «نحكي الحرب من خلال الإنسان»
>>| أسرار العملية «نيكل جراس».. وكيف تعارض القرار العسكري مع السياسي
>>| موسكو أبلغت احتمالية اتخاذها خطوات منفردة.. وأمريكا رفعت استعدادها للمستوى العالمي
كتب- محمد سالم:
لم تكن أخطر لحظات حرب أكتوبر هي تلك التي سبقت عبور قناة السويس، ولا الساعات الأولى التي انهار فيها خط بارليف أمام القوات المصرية.
ففي الأيام الأخيرة من الحرب، وجدت القيادة المصرية نفسها أمام اختبار مختلف: قوات إسرائيلية عبرت إلى غرب القناة، وتهديد يقترب من طرق حيوية، وجيش ثالث يواجه خطر الحصار شرق القناة، بينما كانت الولايات المتحدة تمد إسرائيل بالسلاح، وتتحرك واشنطن وموسكو داخل مجلس الأمن لفرض وقف إطلاق النار.
وفي قلب هذا المشهد، كان هناك ثلاثة مستويات من المواجهة: جنود يقاتلون على الأرض، وقادة يحاولون منع الاختراق من التحول إلى مكسب استراتيجي، ورئيس دولة يوازن بين استمرار المعركة وما يمكن أن تفرضه التطورات الدولية على نهايتها.

ولفهم هذه الأيام، لا بد من العودة إلى الأسئلة التي طرحتها الثغرة نفسها: كيف وصلت القوات الإسرائيلية إلى غرب القناة، وما الذي كان يمكن للقيادة المصرية فعله لاحتوائها؟ ولماذا أصبحت قرارات وقف إطلاق النار جزءًا من الصراع العسكري بدلًا من أن تكون نهايته؟
• إبراهيم الرفاعي.. والمجموعة 39
كان العقيد إبراهيم الرفاعي قائد المجموعة 39 قتال، إحدى وحدات العمليات الخاصة التي ارتبط تاريخها بالاستطلاع والغارات خلف خطوط العدو وتنفيذ المهام التي تحتاج إلى سرعة الحركة والمفاجأة.


وخلال حرب أكتوبر، لم يكن دور المجموعة بديلًا عن عمل التشكيلات النظامية، بل جزءا من منظومة أوسع لمواجهة القوات الإسرائيلية، وتنفيذ المهام الخاصة التي تفرضها تطورات الجبهة.
وفي الأيام التي أعقبت ظهور الثغرة، تحركت المجموعة في نطاق جنوب الإسماعيلية، حيث تركزت المواجهة حول محاور يمكن أن تستخدمها القوات الإسرائيلية في التقدم نحو المدينة.
وتنقل شهادات منشورة عن أحد المشاركين في المجموعة أن المهمة التي كانت مقررة في البداية تغيرت، وأن الفريق سعد الدين الشاذلي وجّه المجموعة إلى إقامة كمائن على طريق نفيشة لمنع القوات الإسرائيلية من الوصول إلى الإسماعيلية.
وبحسب هذه الشهادة، بدأت المواجهة في الساعات الأولى من صباح 19 أكتوبر، واستمر الاشتباك حتى وقت الظهيرة، بينما كانت القوات الإسرائيلية تستخدم الدبابات والنيران الكثيفة في محاولة للتقدم، وأصيب الرفاعي بشظية قاتلة في القلب، واستشهد، وتكمن أهمية هذه الشهادة في أنها تقدم تفاصيل عن تغيير المهمة، وطبيعة الاشتباك، ومشاركة القائد بنفسه في توجيه القوة.
• السادات والجمسي والشاذلي.. ثلاثة مواقع مختلفة وأزمة واحدة
لا يمكن فهم أزمة الثغرة بالحديث عن السادات والجمسي وحدهما، من دون الإشارة إلى الفريق سعد الدين الشاذلي، رئيس أركان حرب القوات المسلحة خلال جانب مهم من الحرب، والذي ارتبط اسمه بالخلاف حول كيفية التعامل مع تطورات الاختراق الإسرائيلي.


كان السادات يتعامل مع الحرب باعتبارها مواجهة عسكرية ذات هدف سياسي، فقد أراد أن تؤدي العمليات إلى تغيير الواقع الذي فرضته هزيمة 1967، وأن تدفع القوى الدولية إلى التحرك نحو تسوية لا تبقي الأراضي المصرية تحت الاحتلال.
لكن اتساع الثغرة فرض سؤالًا جديدًا: هل يمكن مواصلة القتال لتحقيق أهداف إضافية، أم أن استمرار العمليات في ظل التدخل الأمريكي قد يعرّض القوات المصرية لمخاطر أكبر؟
أما الشاذلي، فارتبط موقفه في الروايات التاريخية بالتحذير من المخاطر التي تواجه القوات المصرية نتيجة تطورات الثغرة، وبضرورة التعامل معها على نحو لا يهدد القوات شرق القناة، وقد أصبح الخلاف حول تقدير الموقف وطرق التعامل معه أحد أكثر الملفات إثارة للجدل في تاريخ الحرب.
وفي المقابل، تولى المشير محمد عبد الغني الجمسي مسؤولية رئيس الأركان في المرحلة الأخيرة من الحرب، بعد انتقال الشاذلي من منصبه، وكان الجمسي، بصفته رئيس هيئة العمليات خلال الإعداد للحرب وتنفيذها، صاحب خبرة مباشرة في التخطيط وإدارة العمليات.
ولم يكن الاختلاف بين هذه المواقع مجرد اختلاف في وجهات النظر الشخصية؛ فالرئيس ينظر إلى المحصلة العسكرية والسياسية، ورئيس الأركان يقيّم وضع القوات ومخاطر العمليات، ورئيس هيئة العمليات يتعامل مع الخطط والتوقيتات والإمكانات المتاحة.

ومن أهم الوثائق التي ينبغي الرجوع إليها لفهم موقف القيادة المصرية ملف «التخطيط لتصفية الثغرة»، الذي نشرته وزارة الدفاع المصرية ضمن وثائق حرب أكتوبر ومذكرات الجمسي.
وتشير هذه الوثائق إلى وجود خطتين عُرفتا باسم «شامل» و«شامل المعدلة»، في إطار التخطيط للتعامل مع القوات الإسرائيلية التي عبرت غرب القناة.
• الجسر الجوي.. العملية «نيكل جراس»
في الوقت الذي كانت القوات المصرية تواجه فيه تطورات الثغرة، كانت الولايات المتحدة قد بدأت جسرا جويا واسعا لإمداد إسرائيل بالأسلحة والمعدات.
وبحسب السجل التاريخي لمكتب المؤرخ بوزارة الخارجية الأمريكية، بدأت الطائرات الأمريكية التي تحمل الإمدادات العسكرية الوصول إلى إسرائيل في 14 أكتوبر، في إطار عملية عُرفت باسم «نيكل جراس».
لم يكن هذا التدخل نقطة هامشية؛ فقد جاء في وقت كانت فيه الحرب لا تزال مفتوحة على احتمالات متعددة، وأصبحت الإمدادات الخارجية عنصرا مؤثرا في قدرة الأطراف على مواصلة القتال.
وبالنسبة إلى القيادة المصرية، كانت هذه التطورات جزءًا من حسابات استمرار الحرب. فالمواجهة لم تعد مرتبطة فقط بما يحدث في الدفرسوار أو على محاور الإسماعيلية والسويس، بل أيضا بقدرة إسرائيل على تعويض خسائرها، وبمدى استعداد الولايات المتحدة للتدخل لمنع هزيمتها.
وفي واشنطن، كان الرئيس ريتشارد نيكسون ومستشاره للأمن القومي هنري كيسنجر يتحركان على مسارين متداخلين: دعم إسرائيل عسكريا، والعمل دبلوماسيًا على وقف الحرب ومنع تحولها إلى مواجهة مباشرة بين الولايات المتحدة والاتحاد السوفيتي.
وقد جعل هذا التداخل وقف إطلاق النار أكثر تعقيدا؛ إذ لم يكن السؤال متى تتوقف المدافع فقط، بل كيف يتوقف القتال، وما المواقع التي تحتفظ بها القوات عند توقفه، وما الضمانات التي تمنع استمرار التقدم بعد صدور القرار.


• مجلس الأمن.. قرارات متتالية
في 22 أكتوبر 1973، أصدر مجلس الأمن القرار 338، مطالبًا بوقف إطلاق النار، وتنفيذ القرار 242، وبدء مفاوضات بين الأطراف المعنية بهدف إقامة سلام عادل ودائم في الشرق الأوسط.
لكن صدور القرار لم ينهِ العمليات العسكرية على الفور. فقد استمرت الخلافات حول الالتزام بوقف النار، وتحركات القوات، والمواقع التي ينبغي أن تعود إليها التشكيلات المتحاربة.
وفي 23 أكتوبر، صدر القرار 339، مؤكدًا ضرورة الوقف الفوري لإطلاق النار، وداعيًا إلى عودة القوات إلى المواقع التي كانت تحتلها عند سريان وقف النار، مع إرسال مراقبين من الأمم المتحدة.
ومع استمرار الانتهاكات، تصاعدت الأزمة الدولية. وفي 25 أكتوبر، صدر القرار 340، مطالبًا بوقف كامل وفوري للقتال، والعودة إلى المواقع التي كانت القوات تحتلها عند الساعة 16:50 بتوقيت جرينتش يوم 22 أكتوبر، كما قرر إنشاء قوة طوارئ تابعة للأمم المتحدة لمراقبة تنفيذ وقف إطلاق النار.
وفي اليوم نفسه، بلغت المواجهة الأمريكية السوفيتية مستوى خطيرا، بعدما أثارت موسكو احتمال اتخاذ خطوات منفردة، وردت واشنطن برفع حالة الاستعداد العسكري الأمريكي إلى مستوى عالمي.
وتوضح هذه التطورات أن قرارات مجلس الأمن لم تكن منفصلة عن موازين القوى، فبينما كانت الأمم المتحدة تصدر قرارات لوقف الحرب، كانت القوات على الأرض تتحرك في محاولة لتحسين مواقعها، وكانت القوتان العظميان تحاولان منع تطور الصراع إلى مواجهة أوسع.
• من الثغرة إلى السويس
في 24 أكتوبر 1973، حاولت القوات الإسرائيلية دخول مدينة السويس، لكنها واجهت مقاومة مصرية من القوات الموجودة بالمدينة وعناصر المقاومة الشعبية، وتحولت الشوارع إلى ساحة قتال لم تنجح فيها القوات المهاجمة في فرض سيطرتها على المدينة.
وكانت السويس في تلك اللحظة أكثر من مدينة على خريطة العمليات؛ فقد أصبحت رمزا لمقاومة محاولة تحويل الاختراق غرب القناة إلى مكسب أوسع، في وقت كانت فيه قرارات وقف إطلاق النار تتوالى من مجلس الأمن.

ومن المهم هنا الفصل بين تاريخ محاولة دخول السويس، وهو 24 أكتوبر، وتاريخ القرار 340، الذي صدر في 25 أكتوبر. فالتسلسل الزمني يكشف أن المعركة الميدانية استمرت رغم القرارات الدولية، وأن وقف إطلاق النار لم يتحول تلقائيا إلى واقع مستقر على الأرض.
وبالنسبة إلى السادات والجمسي والقيادة المصرية، كانت الأيام الأخيرة من أكتوبر اختبارا مزدوجا: التعامل مع تهديدات الثغرة ومصير الجيش الثالث من جهة، والتعامل مع الضغوط الدولية التي تحاول تحديد نهاية الحرب من جهة أخرى.
• القرار العسكري في مواجهة السياسة
تكشف قصة الثغرة عن حرب لا يمكن قراءتها من خلال الأرقام وحدها، فهناك إبراهيم الرفاعي الذي قاد رجاله في مواجهة مباشرة حتى استشهاده، وهناك الجمسي الذي تعامل مع خطط العمليات في ظروف متغيرة، والشاذلي الذي ارتبط اسمه بالخلاف حول إدارة الأزمة، والسادات الذي واجه ضغوطا عسكرية ودولية متشابكة.
وفي الخلفية، كانت الولايات المتحدة تمد إسرائيل بالسلاح، والاتحاد السوفيتي يتحرك لمنع انهيار الموقف، ومجلس الأمن يصدر قرارات متعاقبة لم تنهِ القتال بمجرد صدورها.
لهذا لم تكن الثغرة مجرد اختراق في خط الجبهة، بل اختبارا للعلاقة بين القرار العسكري والقرار السياسي، وبين ما تستطيع القوات تحقيقه على الأرض وما تسمح به موازين القوى الدولية.
ومن هنا تأتي أهمية العودة إلى الوثائق الأصلية، لا لتجميل رواية أو إدانة أخرى، وإنما لفهم كيف اتُّخذت القرارات، وما المعلومات التي كانت متاحة وقتها، وما الذي بقي موضع خلاف بين أصحاب الشهادات.
• في الحلقة الثامنة
من سلسلة «نحكي الحرب من خلال الإنسان»، نذهب إلى السويس يوم 24 أكتوبر 1973، لنروي كيف واجهت القوات المصرية والمقاومة الشعبية محاولة اقتحام المدينة، وكيف تحولت شوارعها إلى جبهة قتال جديدة، بينما كان العالم يعلن وقف إطلاق النار، وتواصل الحرب فرض حقائقها على الأرض...
admin
التعليقات (0)