2026/10/13
بث تجريبي
إعلان

معركة السويس.. حين اصطدمت الدبابات الإسرائيلية بالجيش والمقاومة الشعبية «الحلقة الثامنة»

معركة السويس.. حين اصطدمت الدبابات الإسرائيلية بالجيش والمقاومة الشعبية   «الحلقة الثامنة»

سلسلة «نحكي الحرب من خلال الإنسان»
>>| سر البيان رقم 59  و62  الصادر عن القيادة العامة للقوات المسلحة في 24 و 25 أكتوبر
>>| ظل الجيش الثاني متمسكا بمواقعه في الشمال..وظل الجيش الثالث يقاتل في الجنوب
>>| أزمة القرار 338 إلى القرارين 339 و340، وسط خلافات وضغوط بين موسكو وواشنطن 
كتب- محمد سالم:



في 22 أكتوبر 1973، صدر قرار مجلس الأمن رقم 338 بوقف إطلاق النار في حرب أكتوبر، بعد تحرك أمريكي سوفيتي مشترك، لكن القرار لم ينهِ القتال على الجبهة المصرية؛ فالقوات الإسرائيلية واصلت عملياتها غرب قناة السويس، بينما كانت القيادة المصرية تواجه تطورا بالغ الخطورة: وجود قوات إسرائيلية غرب القناة، وتقدمها جنوبا، وتهديدها خطوط الاتصال والإمداد المؤدية إلى الجيش الثالث الميداني شرق القناة.

في هذه اللحظة، لم تعد معركة أكتوبر مقتصرة على الاحتفاظ برؤوس الكباري التي عبرت منها القوات المصرية إلى سيناء، أصبح المطلوب التعامل مع وضع عسكري جديد، فرضته الثغرة الإسرائيلية في منطقة الدفرسوار، ومحاولات توسيعها باتجاه الجنوب، وصولا إلى السويس.



• الجمسي وغرفة العمليات

كان المشير محمد عبد الغني الجمسي، رئيس هيئة العمليات خلال الحرب، أحد أبرز المسؤولين عن متابعة تطورات الموقف العسكري وتقديراته، ومن موقع غرفة العمليات، كانت الصورة تتجاوز الاشتباكات اليومية إلى حسابات تتعلق بمواقع الجيشين الثاني والثالث، وحجم القوات الإسرائيلية التي عبرت غرب القناة، والطرق التي تسعى إلى السيطرة عليها.



على الجبهة الشرقية، احتفظ الجيش الثاني بمواقعه في القطاع الشمالي، بينما واجه الجيش الثالث، في القطاع الجنوبي، وضعا أكثر تعقيدا مع تقدم القوات الإسرائيلية غرب القناة وجنوبا باتجاه الأدبية والسويس.

وكانت خطورة الموقف تكمن في أن القوات الإسرائيلية لم تكتفِ بوجودها غرب القناة، بل سعت إلى قطع الطرق المؤدية إلى مدينة السويس، وعزل الجيش الثالث عن الإمدادات القادمة من الغرب، وفي الوقت نفسه، ظلت القوات المصرية شرق القناة متمسكة بالمناطق التي استردتها في سيناء.

وهنا يجب التمييز بين أمرين: نجاح إسرائيل في إحداث اختراق غرب القناة، وبين نجاحها في تحقيق أهدافها الاستراتيجية من هذا الاختراق، فقد كان التقدم الإسرائيلي تهديدا حقيقيا للجيش الثالث، لكنه لم يؤدِّ إلى انهيار القوات المصرية شرق القناة، كما لم ينجح في إخراج الجيش الثاني من مواقعه.

• البيان رقم 58.. ومعركة السويس 

ويكشف البيان رقم 58 الصادر عن القيادة العامة للقوات المسلحة في 24 أكتوبر أن القيادة المصرية كانت ترصد محاولات التقدم الإسرائيلي جنوبا، بما في ذلك التحركات في اتجاه ميناء الأدبية، ومحاولات قطع الطرق المؤدية إلى السويس، وأكد البيان استمرار تمسك القوات المصرية بمواقعها، واستمرار التموين للقوات شرق القناة وفق ما أعلنته القيادة وقتها.



ولفهم معركة السويس، لا بد من وضعها في سياق الجبهة المصرية كلها، كان الجيش الثاني يقاتل في القطاع الشمالي من الجبهة، بينما كان الجيش الثالث يعمل في القطاع الجنوبي، وتعرض الأخير لضغط أشد بعد عبور القوات الإسرائيلية غرب القناة، وكانت السيطرة على الطرق المؤدية إلى السويس ذات أهمية خاصة، لأنها ترتبط بحركة الإمداد والاتصال بين القوات المصرية.

أما القوات الإسرائيلية، فكانت تحاول توسيع نطاق وجودها غرب القناة، وتحقيق مكاسب ميدانية يمكن استثمارها في الضغط العسكري والسياسي على مصر.

لم يكن الجيش الثالث مجرد قوة محاصرة في منطقة جغرافية؛ فقد ظل جزءًا من التشكيل العسكري المصري الذي يحتفظ بمواقع في سيناء،ولذلك أصبحت مسألة إمداده وحماية خطوط الاتصال به محورا أساسيا في التحركات المصرية والدولية خلال الأيام الأخيرة من الحرب.

ومن هنا نفهم لماذا لم تكن السويس معركة محلية منفصلة عن الجبهة، فالسيطرة عليها كانت ستمنح إسرائيل مكسبا مهما، بينما كان صمودها يعني حرمان القوات الإسرائيلية من تحقيق هدف إضافي، وإبقاء الأزمة مفتوحة أمام الحل العسكري والسياسي.



• واشنطن وموسكو.. وأزمة دولية

لم يكن قرار مجلس الأمن رقم 338 مجرد دعوة عامة لوقف القتال، فقد نص على وقف إطلاق النار خلال مدة لا تتجاوز 12 ساعة من صدوره، وعلى بدء تنفيذ القرار 242، وبدء مفاوضات بين الأطراف المعنية بهدف الوصول إلى سلام عادل ودائم.

صدر القرار في 22 أكتوبر 1973، بموافقة 14 عضوا في مجلس الأمن، مع عدم مشاركة الصين في التصويت، وكان ثمرة مشروع مشترك قدمته الولايات المتحدة والاتحاد السوفيتي، لكن الوقائع على الأرض أظهرت أن الاتفاق السياسي لا يضمن وحده توقف العمليات العسكرية.

وفي 23 أكتوبر، أصدر مجلس الأمن القرار 339، الذي أكد مجددا ضرورة وقف إطلاق النار، وطالب بعودة القوات إلى المواقع التي كانت تشغلها عند بدء سريانه، كما طلب إرسال مراقبين تابعين للأمم المتحدة لمتابعة الالتزام بالقرار.

لكن القتال استمر، وتصاعدت الأزمة مع تقدم القوات الإسرائيلية وتهديدها الجيش الثالث ومدينة السويس.
في واشنطن، تحركت إدارة الرئيس ريتشارد نيكسون ووزير الخارجية هنري كيسنجر للضغط من أجل وقف التصعيد، وفي موسكو، طالب الاتحاد السوفيتي بتنفيذ وقف إطلاق النار، وطرح خلال الأزمة فكرة إرسال قوة أمريكية سوفيتية مشتركة للمساعدة في فرضه.

غير أن واشنطن رفضت فكرة نشر قوة مشتركة من الدولتين العظميين على الأرض، محذرة من أن وجود قوات أمريكية وسوفيتية في منطقة الحرب قد يفتح الباب أمام مواجهة مباشرة بينهما.

وهكذا تجاوزت الأزمة حدود المواجهة المصرية الإسرائيلية، وأصبحت مرتبطة بتوازن القوى بين واشنطن وموسكو، وبقدرة الطرفين على منع الحرب من التحول إلى مواجهة أوسع.

وفي 25 أكتوبر، أصدر مجلس الأمن القرار 340، مطالبا بوقف كامل وفوري لإطلاق النار، وبعودة القوات إلى المواقع التي كانت تحتلها عند الساعة 16:50 بتوقيت جرينتش يوم 22 أكتوبر، وقرر إنشاء قوة طوارئ دولية لمراقبة تنفيذ القرار.

كان القرار الجديد دليلا على أن القرار السابق لم يوقف القتال كما كان مطلوبا، وأن الأزمة دخلت مرحلة تتطلب إجراءات دولية أكثر صرامة.

• صباح 24 أكتوبر 

في صباح 24 أكتوبر، كانت القوات الإسرائيلية تتحرك في اتجاه مدينة السويس، بعدما حاولت توسيع وجودها جنوبا وقطع الطرق المؤدية إليها، وكانت السيطرة على المدينة ستمنح إسرائيل مكسبا عسكريا مهما، في ظل الضغط على الجيش الثالث الميداني. 
لكن اقتحام مدينة مأهولة يختلف عن التقدم في أرض مفتوحة؛ إذ تتغير طبيعة القتال، وتصبح الشوارع والمباني ومواقع الاختباء عوامل مؤثرة في حركة المدرعات وقدرة المهاجم على تثبيت سيطرته.



وفي نحو الساعة الحادية عشرة صباحا، تحركت مجموعات من الدبابات الإسرائيلية باتجاه المدينة، وحاولت اقتحامها، لتبدأ واحدة من أبرز مواجهات الأيام الأخيرة من حرب أكتوبر.

وجاء في البيان رقم 59 الصادر عن القيادة العامة للقوات المسلحة في 24 أكتوبر أن قوات مدينة السويس تصدت للهجوم ودمرت 13 دبابة إسرائيلية، بينما استمرت العمليات الإسرائيلية في القطاع الجنوبي من الجبهة.
وهذه الواقعة ليست رواية لاحقة عن البطولة؛ بل وردت في بيان عسكري مصري مؤرخ في يوم المعركة.

لم تكن مواجهة الدبابات الإسرائيلية مسؤولية قوة واحدة،  فقد شاركت القوات المسلحة في الدفاع عن المدينة، إلى جانب عناصر الشرطة وأفراد المقاومة الشعبية، في إطار المواجهة التي شهدتها شوارع السويس يومي 24 و25 أكتوبر.

كان للقوات النظامية دورها العسكري في التصدي للهجوم، بينما أسهمت المقاومة الشعبية في الدفاع عن المدينة، مستفيدة من معرفة أبنائها بالشوارع والمباني والمداخل، كما كانت مشاركة الشرطة ذات أهمية في مدينة تتطلب مواجهة داخلية، إلى جانب القتال الذي خاضته القوات المسلحة.

ومن أبرز الأسماء المرتبطة بالدفاع عن السويس الشيخ حافظ سلامة، الذي ارتبط اسمه بقيادة المقاومة الشعبية، والعميد يوسف عفيفي، قائد الفرقة التاسعة عشرة مشاة، في سياق العمليات العسكرية بالقطاع.

وشهدت المعركة شهدت تعاونا بين القوات المسلحة والمقاومة الشعبية، وهو ما تؤكده بيانات القيادة العامة التي أشارت صراحة إلى مشاركة المقاومة في التصدي لمحاولات الاقتحام.




وفي 25 أكتوبر، عاودت القوات الإسرائيلية محاولة اقتحام السويس باستخدام الدبابات والمدفعية، وسجل البيان رقم 62 الصادر عن القيادة العامة أن القوات المسلحة، بمساعدة المقاومة الشعبية، تصدت للهجوم ودمرت دبابات إسرائيلية، ولم تمكن القوات المهاجمة من تحقيق أهدافها.

وتكشف هذه التفاصيل أن فشل الاقتحام لم يكن حادثا منفردا، بل نتيجة مواجهة استمرت رغم الضغوط العسكرية والسياسية التي أحاطت بالمدينة.

• فشل اسرائيل في تحقيق أهدافها 

لم تنهِ معركة السويس وجود القوات الإسرائيلية غرب القناة، ولم تحل وحدها أزمة الجيش الثالث الميداني، لكنها حرمت إسرائيل من تحقيق هدف اقتحام المدينة والسيطرة عليها، في وقت كانت فيه القيادة المصرية تواجه ضغوطا عسكرية ودبلوماسية متزامنة.

كما أظهرت أن السيطرة على الأرض لا تُقاس فقط بمساحة التقدم، بل بقدرة القوة المهاجمة على تثبيت مواقعها وتحقيق الأهداف التي تقدمت من أجلها.

وبالنسبة إلى مصر، ظل الجيش الثاني متمسكا بمواقعه في الشمال، وظل الجيش الثالث يقاتل في ظروف صعبة في الجنوب، بينما استمرت القوات المصرية شرق القناة في الاحتفاظ بالأراضي التي استردتها خلال الحرب.

أما دوليا، فقد انتقلت الأزمة من القرار 338 إلى القرارين 339 و340، وسط خلافات وضغوط بين الولايات المتحدة والاتحاد السوفيتي بشأن كيفية فرض وقف إطلاق النار ومنع اتساع المواجهة.

كانت السويس إذن جزءا من معركة أوسع، تتداخل فيها الجبهة العسكرية مع التحركات الدبلوماسية، ويصبح كل تطور ميداني عنصرا مؤثرا في المفاوضات المقبلة.

بحلول 25 أكتوبر، لم تكن الحرب قد انتهت عمليا، رغم قرارات وقف إطلاق النار، فقد بقي الجيش الثالث الميداني في وضع شديد الحساسية، وظلت مسألة إمداده وتأمين قواته إحدى أهم القضايا المطروحة أمام القيادة المصرية والأطراف الدولية.



ومن هنا تبدأ المرحلة التالية من الحكاية: كيف تحولت أزمة الجيش الثالث من مأزق عسكري إلى ملف تفاوضي؟ 
وما الشروط التي تمسكت بها مصر لتأمين قواتها، وكيف انتقل المشير الجمسي من متابعة العمليات العسكرية إلى المفاوضات المباشرة مع الجانب الإسرائيلي؟

• هذه هي محطة الحلقة التاسعة:
 قبل أن نصل في الحلقة العاشرة إلى وقف إطلاق النار، ومفاوضات الكيلو 101، ثم الطريق الطويل الذي قاد إلى استرداد سيناء كاملة...

إعلان
شارك الخبر:

التعليقات (0)