«الحلقة التاسعة»
>>| أسرار اجتماعات الكيلو 101 تحت إشراف الأمم المتحدة.. واتفاق النقاط الست
>>| بداية مرحلة جديدة عنوانها الفصل بين القوات وترتيبات الانسحاب.. وصولا لاتفاق فض الاشتباك الأول في يناير 74
«نحكي الحرب من خلال الإنسان»
كتب- محمد سالم:
لم تنتهِ حرب أكتوبر بانتهاء معارك العبور، ولم تتوقف المواجهة عند خطوط القتال التي رسمتها الأيام الأولى للحرب، ففي الأيام الأخيرة من أكتوبر 1973، وجدت القوات المصرية نفسها أمام اختبار بالغ الصعوبة، بعدما تسللت القوات الإسرائيلية في العبور غرب قناة السويس، واندفعت في اتجاه الجنوب، لتصبح خطوط إمداد الجيش الثالث الميداني في شرق القناة مهددة، ويتحول تأمين حياة آلاف الجنود إلى واحدة من أخطر القضايا التي واجهت القيادة المصرية.
كانت مصر قد حققت إنجاز العبور في السادس من أكتوبر، ونجحت قواتها في اقتحام خط بارليف وإقامة رؤوس كباري شرق القناة، لكن تطورات الميدان بعد ذلك فرضت واقعا عسكريا معقدا.

فمع التواجد الإسرائيلي غرب القناة، أصبحت مدينة السويس والجيش الثالث في قلب مواجهة تجاوزت حدود الاشتباك المباشر، وامتدت إلى صراع على خطوط الإمداد وتنفيذ قرارات وقف إطلاق النار.
• أزمة الإمدادات إلى شرق القناة
في 22 أكتوبر 1973، صدر قرار مجلس الأمن رقم 338 الداعي إلى وقف إطلاق النار، غير أن القرار لم ينهِ العمليات على الأرض، واستمرت الاشتباكات مع تطورات عسكرية أدت إلى تفاقم وضع الجيش الثالث، الذي أصبحت قواته في شرق القناة تواجه صعوبات كبيرة في وصول الإمدادات إليها.
وبينما كانت القيادتان العسكرية والسياسية تتابعان الموقف، لم تكن القضية مجرد خطوط على الخرائط؛ فقد كان وراء تلك الخطوط جنود يحتاجون إلى الغذاء والمياه والدواء والوقود، ومصابون يحتاجون إلى العلاج، وأسر تنتظر عودة أبنائها من الجبهة.
وفي مدينة السويس، لم يكن المشهد أقل صعوبة، ففي 24 أكتوبر، حاولت القوات الإسرائيلية اقتحام المدينة، لكنها واجهت مقاومة من القوات المصرية وأبناء المدينة، فتحولت الشوارع إلى ساحة قتال، وفشلت محاولة السيطرة عليها في تحقيق أهدافها.


كانت معركة السويس رسالة واضحة بأن السيطرة على الأرض لا تُحسم دائمًا بالتفوق في السلاح وحده، وأن إرادة المقاومة تستطيع تغيير حسابات الميدان.
• السياسة والميدان
أصبحت قضية تأمين الجيش الثالث إحدى الأولويات العاجلة أمام القيادة المصرية. فالقوات الموجودة شرق القناة لم تكن مجرد تشكيل عسكري محاصر، بل كانت جزءا من القوة المصرية التي عبرت القناة وخاضت معارك استعادة الأرض، وكان الحفاظ عليها واجبا عسكريا ووطنيا.
وفي هذه اللحظة، تداخلت الحسابات الميدانية مع التحركات السياسية والدبلوماسية، فقد أصرت مصر على ضرورة تنفيذ وقف إطلاق النار، وضمان وصول الإمدادات إلى القوات المصرية وإلى مدينة السويس، وعدم استخدام الوضع العسكري الجديد لفرض واقع يتجاوز ما أقرته قرارات مجلس الأمن.
لم يكن المطلوب مجرد إدخال قوافل إمداد، بل منع الأزمة من التحول إلى وسيلة لفرض تنازلات عسكرية وسياسية على مصر.
• الجمسي.. من غرفة العمليات إلى المفاوضات

في خضم هذه التطورات، برز دور المشير محمد عبد الغني الجمسي، رئيس هيئة العمليات بالقوات المسلحة آنذاك، الذي أصبح أحد أبرز الوجوه المصرية في الاتصالات العسكرية المباشرة مع الجانب الإسرائيلي.
انتقلت المواجهة إلى طريق القاهرة ـ السويس، حيث عُقدت اجتماعات الكيلو 101 تحت إشراف الأمم المتحدة، وبدأت مرحلة جديدة من الصراع، لم تعد أدواتها المدافع والدبابات وحدها، بل أصبحت الخرائط ومحاضر الاجتماعات وشروط تنفيذ وقف إطلاق النار جزءا من المعركة.
وفي 28 أكتوبر 1973، بدأت المباحثات العسكرية المباشرة بين الوفدين المصري والإسرائيلي، بمشاركة الجمسي عن الجانب المصري والجنرال أهارون ياريف عن الجانب الإسرائيلي، وبحضور ممثلين عن الأمم المتحدة.
كانت الملفات المطروحة شديدة الحساسية، وفي مقدمتها إمداد الجيش الثالث ومدينة السويس، وترتيبات وقف إطلاق النار، وتبادل الأسرى والجرحى، والبحث عن آلية تحول دون تجدد القتال.
لم تكن المفاوضات سهلة، إذ اختلف الطرفان حول تفسير قرارات وقف إطلاق النار وترتيبات إعادة انتشار القوات، وكانت مصر تسعى إلى حماية قواتها والحفاظ على مواقعها التي حققتها خلال الحرب، بينما حاولت إسرائيل استثمار وضعها العسكري غرب القناة لتحقيق مكاسب إضافية.


وبذلك أصبحت مهمة الجمسي اختبارا جديدا للعقل العسكري المصري؛ فالمطلوب لم يكن فقط إدارة حوار مع خصم يقف على الجانب الآخر من طاولة المفاوضات، بل الدفاع عن المصالح المصرية في لحظة شديدة التعقيد، مع وضع مصير الجنود على رأس الأولويات.
• من أجل الجنود.. الإمدادات قبل الشعارات
كانت قضية الإمدادات الإنسانية للجيش الثالث في صدارة المفاوضات، فالجندي الذي صمد تحت القصف، وشارك في معارك العبور، لم يكن ينبغي أن يصبح ضحية لأزمة الإمداد أو ورقة ضغط في صراع سياسي.
وجاءت الاتصالات المصرية لتؤكد ضرورة السماح بوصول الإمدادات غير العسكرية إلى القوات المحاصرة، تحت إشراف دولي، بالتوازي مع بحث بقية المسائل المرتبطة بتنفيذ وقف إطلاق النار.
وفي 11 نوفمبر 1973، جرى التوصل إلى اتفاق النقاط الست، الذي تناول ترتيبات وقف إطلاق النار، وتسهيل وصول الإمدادات، وتبادل الأسرى والجرحى، وترتيبات الرقابة على بعض المواقع والطرق.
وكان الاتفاق خطوة مهمة في احتواء الأزمة وفتح الطريق أمام مرحلة جديدة من المباحثات.
لكن الاتفاق لم يكن نهاية الصراع، ولم يحسم وحده الخلاف حول خطوط انتشار القوات، فقد ظلت مسألة الفصل بين القوات والانسحاب الإسرائيلي من الأراضي التي احتلتها خلال الحرب موضوعا لمفاوضات لاحقة.
• معركة لم تنتهِ على الأرض
تكشف أزمة الجيش الثالث أن حرب أكتوبر لم تكن سلسلة من المعارك العسكرية المنفصلة، بل مواجهة متصلة تداخلت فيها القوة المسلحة مع القرار السياسي والقدرة على التفاوض.
ففي الوقت الذي كانت فيه القوات المصرية تحافظ على مواقعها، كانت القيادة تخوض معركة أخرى لضمان الإمدادات، وحماية الجنود، ومنع تحويل الحصار إلى واقع دائم.

وبين شوارع السويس ومواقع الجيش الثالث وخيمة المفاوضات عند الكيلو 101، بقي الإنسان حاضرا في قلب الأحداث؛ جندي ينتظر الإمدادات، ومقاتل يدافع عن مدينته، وقائد يحاول تحويل الموقف العسكري المعقد إلى اتفاق يحفظ أرواح القوات وحقوق بلاده.
لم تكن المفاوضات بديلا عن القتال، بل امتدادا لمعركة فرضت ظروفها الانتقال من الميدان إلى الطاولة، مع استمرار الدفاع عن المصالح المصرية.
ومع اقتراب نهاية عام 1973، بدأت ملامح مرحلة جديدة تتشكل، عنوانها الفصل بين القوات وترتيبات الانسحاب، وصولًا إلى اتفاق فض الاشتباك الأول في يناير 1974.
وهنا نصل إلى السؤال الذي نفتتح به
«الحلقة العاشرة»:
كيف انتقلت مصر من وقف إطلاق النار وأزمة الجيش الثالث إلى مفاوضات فض الاشتباك، ثم إلى المسار الطويل الذي انتهى باسترداد سيناء كاملة؟
هذه هي حكاية الحلقة الأخيرة من «نحكي الحرب من خلال الإنسان»؛ حكاية الطريق من الميدان إلى السلام، ومن عبور القناة إلى استعادة الأرض.

admin
التعليقات (0)