الحلقة العاشرة والأخيرة من «نحكي الحرب من خلال الإنسان»
وراء كل سهم على الخريطة.. إنسان وجندي وبطل..
ووراء كل أرض عادت إلى الوطن.. تضحيات لا تُنسى.
المدار | ملف حرب أكتوبر
كتب- محمد سالم:
لم تكن نهاية حرب أكتوبر 1973 مجرد لحظة صمت توقفت فيها المدافع، ولم يكن وقف إطلاق النار يعني أن الطريق إلى استرداد سيناء قد انتهى. فخلف خطوط القتال، كانت هناك معركة أخرى لا تقل تعقيدا، تُدار على موائد التفاوض، وتُحسم فيها نتائج الميدان بقرارات سياسية وعسكرية، بينما ظل الجنود على الجبهة ينتظرون أن تتحول تضحياتهم إلى واقع يلمسونه على الأرض.

في الحلقات السابقة، تابعنا رحلة المشير محمد عبد الغني الجمسي من الاستعداد للحرب إلى إدارة المعارك، ورأينا كيف تغيرت خريطة المواجهة بعد العبور، وكيف فتحت ثغرة الدفرسوار جبهة جديدة غرب القناة، ثم كيف أصبح مصير الجيش الثالث المحاصر اختبارا صعبًا للقيادة المصرية، قبل أن تنتقل المواجهة إلى مفاوضات الكيلو 101.
لكن السؤال الذي بقي معلقًا بعد توقف القتال كان أكبر من مصير موقع عسكري أو تشكيل ميداني: كيف تستعيد مصر أرضها؟

• الكيلو 101.. حين انتقلت المعركة إلى طاولة المفاوضات
في أعقاب وقف إطلاق النار، بدأت المفاوضات العسكرية بين مصر وإسرائيل عند الكيلو 101 على طريق القاهرة ـ السويس، وسط ظروف شديدة التعقيد، فرضها وجود قوات إسرائيلية غرب قناة السويس وحصار الجيش الثالث شرقها أو التأثير على وصول الإمدادات إلى قواته شرق القناة.
لم تكن المفاوضات منفصلة عن الميدان؛ فكل تحرك عسكري، وكل محاولة لتأمين الإمدادات، وكل موقف يتعلق بالقوات المحاصرة، كان يحمل أثرا مباشرا على حسابات التفاوض.
وكان الهدف المصري العاجل تثبيت وقف إطلاق النار، وتأمين القوات، ومنع تحويل الثغرة إلى مكسب استراتيجي دائم لإسرائيل، مع الحفاظ على النتائج التي حققها الجيش المصري منذ عبور القناة في السادس من أكتوبر.

وفي 18 يناير 1974، وقعت اتفاقية فض الاشتباك الأول بين مصر وإسرائيل، واضعا إطارا لإعادة انتشار القوات، وانسحاب القوات الإسرائيلية من مناطق غرب القناة، وإقامة منطقة فاصلة تحت إشراف الأمم المتحدة.
لم يكن الاتفاق استردادا كاملا لسيناء، لكنه مثل خطوة مهمة في الانتقال من المواجهة العسكرية المباشرة إلى مسار سياسي يستند إلى واقع جديد صنعته الحرب.
• من فض الاشتباك إلى السلام.. خطوات طويلة لاستعادة الأرض
لم تنتهِ القضية عند الاتفاق الأول. ففي سبتمبر 1975، وُقّع اتفاق فض الاشتباك الثاني، الذي تضمن ترتيبات جديدة لإعادة انتشار القوات، ومكّن مصر من استعادة مناطق إضافية في سيناء، من بينها حقول نفط أبو رديس.

ومع كل خطوة، كانت تتضح حقيقة أساسية: أن استرداد الأرض يحتاج إلى استمرار العمل السياسي والدبلوماسي، إلى جانب ما فرضته نتائج الحرب من معادلات جديدة.
وفي 26 مارس 1979، وقعت مصر وإسرائيل معاهدة السلام، التي أرست إطارا لانسحاب إسرائيل من سيناء وفق جدول زمني محدد، وصولا إلى الانسحاب الكامل من معظم الأراضي المصرية المحتلة عام 1967.
وفي 25 أبريل 1982، رُفع العلم المصري على أرض سيناء بعد اكتمال الانسحاب الإسرائيلي منها، باستثناء منطقة طابا التي ظلت موضع نزاع قانوني، وبعد اللجوء إلى التحكيم الدولي، عادت طابا إلى السيادة المصرية في 19 مارس 1989.
وهكذا اكتمل استرداد الأراضي المصرية التي احتلتها إسرائيل عام 1967، عبر مسار جمع بين نتائج الحرب، والمفاوضات، والاتفاقات، والتحكيم الدولي.

• ليست مجرد اتفاقيات
قد تبدو هذه المحطات، عند قراءتها في الوثائق، مجرد تواريخ وتوقيعات وخطوط جديدة على الخرائط، لكنها بالنسبة إلى الجنود وأسرهم كانت تعني أكثر من ذلك بكثير.
كانت تعني أن من عبر القناة تحت النيران لم يقاتل من أجل عبور مائي فحسب، وأن من صمد في المواقع الأمامية، ومن واجه الدبابات والطائرات، ومن تحمل الحصار ونقص الإمدادات، لم يكن يدافع عن مساحة من الأرض بمعزل عن أصحابها.
كانت الحرب تجربة إنسانية ثقيلة، حملت معها شهداء ومصابين وأسرا انتظرت أبناءها، لكنها أعادت إلى المصريين الثقة في قدرتهم على مواجهة الهزيمة وتغيير الواقع الذي فرضته نكسة يونيو 1967.
ولم تكن عودة سيناء نتيجة اتفاق واحد أو لحظة منفردة، بل ثمرة مسار طويل بدأت إحدى أهم محطاته في السادس من أكتوبر 1973، عندما عبر الجنود القناة، وحطموا خط بارليف، وأعادوا رسم معادلات القوة في المنطقة.
• من أكتوبر إلى اليوم.. ماذا بقي من الحكاية؟
إن قراءة حرب أكتوبر من خلال الإنسان تعني ألا نتوقف عند أسماء القادة وخطط العمليات وحدها، رغم أهميتها، بل أن نرى خلفها الجندي الذي نفذ المهمة، والضابط الذي اتخذ القرار، والطبيب الذي أنقذ المصابين، والأسرة التي عاشت أيام الانتظار والقلق.
وتعني أيضًا أن نفهم أن النصر العسكري لا يُقاس فقط بما يتحقق في ساعات القتال، وإنما بما يفتحه من طريق لاستعادة الحقوق، وبما يتركه من دروس في التخطيط والاستعداد والصبر وتحمل المسؤولية.
لقد توقفت المدافع، وانسحبت القوات، وعادت سيناء إلى السيادة المصرية، لكن ذاكرة أكتوبر بقيت حاضرة بوصفها تجربة صنعتها تضحيات البشر، وأثبتت أن الإرادة وحدها لا تكفي من دون إعداد وعلم وتنظيم وقرار مسؤول.

وهنا نصل إلى نهاية رحلتنا في سلسلة «نحكي الحرب من خلال الإنسان».
عشر حلقات حاولنا خلالها الاقتراب من حرب أكتوبر لا باعتبارها مجموعة من التواريخ والمعارك فقط، بل حكاية وطن خاض أبناؤه معركة استعادة الأرض والكرامة، ثم واصلوا طريقا طويلا حتى اكتمل الانسحاب.
وراء كل سهم على الخريطة.. إنسان وجندي وبطل..
ووراء كل أرض عادت إلى الوطن.. تضحيات لا تُنسى.
انتهت الحلقات.. وبقيت حكاية أكتوبر شاهدا على أن الأرض لا تسترد بالأمنيات، بل بالإرادة والاستعداد والتضحية والعمل.

«نحكي الحرب من خلال الإنسان، ونفهم الإنسان من خلال الحرب».
admin
التعليقات (0)