2026/10/27
إعلان

من دار الأرقم إلى الأزهر.. كيف صنعت الحضارة الإسلامية بيئات جاذبة للعلم؟

من دار الأرقم إلى الأزهر.. كيف صنعت الحضارة الإسلامية بيئات جاذبة للعلم؟

كتب- محمد حسن:


أكد ملتقى المرأة بالجامع الأزهر الشريف أن بناء بيئة تعليمية محفزة لا يرتبط بالتجهيزات المادية فقط، وإنما يقوم بالأساس على توفير الأمان النفسي والتمكين المعرفي وصون كرامة المتعلم، بما يسهم في تحويل التعلم من تكليف ثقيل إلى عادة يومية مستدامة.

جاء ذلك خلال الندوة الأسبوعية التي نظمها ملتقى المرأة بالجامع الأزهر تحت عنوان «صناعة البيئة المحفزة للمتعلم»، بمشاركة الدكتورة منال مصباح، أستاذ البلاغة والنقد ورئيس قسم الدراسات الإسلامية والعربية بكلية الهندسة، والدكتورة أميرة رسلان، أستاذ مساعد الأدب والنقد بجامعة الأزهر وعضو مركز الفتوى الإلكترونية، والدكتورة سناء السيد، الباحثة بالجامع الأزهر.

وقالت الدكتورة منال مصباح إن تهيئة المناخ التعليمي الملهم تمثل حجر الزاوية في بناء عقول مبدعة وقادرة على الابتكار، موضحة أن البيئة التعليمية المثالية تمنح الطالب الأمان النفسي والدافعية الذاتية، وتساعده على تجاوز أسلوب التلقين التقليدي.

وأوضحت أن البيئة التعليمية المحفزة تقوم على أربعة محاور رئيسية، تشمل البيئة النفسية القائمة على الطمأنينة ونزع الخوف، والبيئة المادية والجمالية التي توفر أجواء من الوقار والسكينة، والبيئة المعرفية التي تشجع على الشغف وحرية السؤال، إلى جانب البيئة الاجتماعية التي تقوم على التواضع مع المتعلم وصون كرامته.

وشددت على أن الانتقال من «التلقين» إلى «التمكين» يمثل استثمارًا حقيقيًا في صناعة المستقبل، مؤكدة أن الخطأ في ظل وجود الأمان النفسي يمكن أن يتحول من سبب للعقاب إلى وسيلة للنمو والارتقاء المعرفي.

من جانبها، تناولت الدكتورة أميرة رسلان سبل الجمع بين التأصيل الشرعي والممارسات التربوية الحديثة لبناء مناخ تعليمي يشجع على الدافعية الذاتية وحب التعلم المستمر، مشيرة إلى أهمية إثارة الشغف وربط التعلم بالغاية والمعنى، مع التدرج وتحديد الأهداف.

وأكدت ضرورة تعزيز ثقة المتعلم بنفسه وتصحيح الأخطاء بالرفق ودون إهانة، إلى جانب مراعاة الفروق الفردية بين الطلاب من خلال تنويع وسائل الإيضاح والأنشطة التطبيقية، واختيار الأوقات المناسبة للتعلم بما يساعد على تجنب الملل.

كما دعت إلى اعتماد الحوار والرفق في التربية، وتحويل التعلم إلى سلوك يومي مستدام، مستشهدة بالحديث الشريف: «أحب الأعمال إلى الله أدومها وإن قل».

وفي السياق ذاته، أوضحت الدكتورة سناء السيد أن المنهج الإسلامي جعل الرحمة واللين أساسًا لبناء البيئة التعليمية الجاذبة، مشيرة إلى أن القسوة والغلظة تؤديان إلى عزوف القلوب والعقول، بينما يقوم الهدي النبوي على التيسير والتبشير ومراعاة طبيعة الإنسان وضعفه.

وأشارت إلى نماذج تاريخية للبيئات التعليمية في الحضارة الإسلامية، من بينها دار الأرقم باعتبارها نموذجًا للأمان الفكري والتربوي، وأهل الصفة كنموذج للتفرغ العلمي، إلى جانب تخصيص يوم لتعليم المرأة وإتاحة المجال أمامها للسؤال والتعلم.

وأكدت أن الحضارة الإسلامية قامت على دافعية داخلية جعلت طلب العلم عبادة ورسالة، مشيرة إلى دور الأزهر الشريف في توفير بيئة علمية تحفظ كرامة الطالب وتتيح له حرية اختيار شيخه، فضلًا عن الدور المحوري للمرأة المسلمة في دعم واستدامة البيئات العلمية من خلال الأوقاف والمبادرات.

واستعرضت الندوة عددًا من النماذج التاريخية لريادة المرأة المسلمة في صناعة البيئات التعليمية، من بينها أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها، والسيدة نفيسة بنت الحسن، التي عُرف مجلسها العلمي بالقاهرة، والسيدة فاطمة الفهرية، التي ارتبط اسمها بتأسيس جامع القرويين في مدينة فاس.

وأكدت المشاركات في ختام الندوة أن هذه النماذج التاريخية تؤكد أن المرأة لم تكن مجرد متلقية للعلم، وإنما شاركت في صناعة البيئة التعليمية وتأسيس بنيتها العلمية، وأن البيئة التعليمية المحفزة في جوهرها تقوم على الأمان الإنساني والتمكين المعرفي قبل أي تجهيزات مادية.

إعلان
شارك الخبر:

التعليقات (0)