تحليل يكتبه- محمود سيد محمد
المؤسسة المصرية للدراسات السياسية والاستراتيجية
كنت أتصفح شاشة التلفاز وأستقبل خبر موته وأنا أحضر قهوتي الصباحية، قبل أن يبرد الكوب. لم أسمع الخبر كاملاً حينها، توقفت عند الصورة التي وضعوها له على التلفزيون، تلك الابتسامة التي كنت أمقتها دائماً. لم أشعر بشيء، لا فرحة عارمة ولا غصة حزن، فقط ذلك الشعور الغبي الذي ينتابك حين يموت عدوك القديم، كأن الموت ببساطة أهانك لأنه انتصر عليه بدلاً منك. طبعاً، شاهدت بعدها الإعلام الأميركي والإسرائيلي يحولانه إلى قديس، تدفقت المراثي كما لو كان أحد أنبياء بني إسرائيل الجدد. تذكرت في تلك اللحظة أول مرة سمعت فيها اسمه، كنت مراهقاً في 2003، أتابع أخبار الحرب على قناة فضائية قديمة، وكان يصرخ في وجه الكاميرا عن أسلحة دمار شامل يمتلكها صدام. صدقته يومها، لأن صوته الجهير وربطة العنق الزرقاء كانا يوحيان بالصدق. بعد سنوات، لما اكتشفنا أن كل شيء كان كذباً، وانكشفت الملابس الداخلية القذرة لتلك الحرب، لم يقل لي "آسف"، لم يقلها لأرملة جندي أميركي واحد، ولا لخمسة ملايين عراقي دفعوا الثمن. هو فقط انتقل إلى دور البطولة التالي. هذه هي حرفة السياسي المحترف: لا تتوقف أبداً عند جريمة، لأن الجريمة التالية ستغطي الأولى. ولكن ما كسر ظهري حقاً، وليس قلبي فقط، كان صيف 2024. كنت جالساً مع صديق لي في غزة، نتحدث عبر تطبيق مشفر، يحاول أن يصف لي لون السماء هناك وسط القصف. كلما حاولت أن أتخيل المشهد، كان غراهام يخرج على شاشاتي ليصف لي ما يحدث بعباراته الباردة. قال إنهم "أكثر السكان تطرفاً"، قال عن غزة "فقط اسحقها"، والأفظع حين سأله مذيع عن السلاح النووي قال ببرود من لا يرتجف: "هيروشيما بشكل مكثف". عندها توقفت عن متابعته، لم أستطع، شعرت أني إذا استمررت بالنظر إلى عينيه وأنا أسمع تلك المقارنة، سأكسر التلفاز بيدي. الرجل لم يكن مجنوناً، بل كان عاقلاً جداً، لدرجة أنه حوّل الإبادة الجماعية إلى معادلة حسابية في دفتره الصغير. هذا هو الفرق بين القاتل المأجور والمهندس: المهندس يبتسم وهو يرسم خرائط الهدم.

يتلخص أبرز مواقفه وتصريحاته تجاه حرب غزة وإسرائيل في نقاط حاسمة، فقد تبنى موقفاً صارماً يقضي بضرورة القضاء التام على حركة حماس عسكرياً وسياسياً، معتبراً إياها "منظمة إرهابية ونازية دينية" لا يمكن التفاوض معها، وقاد مشاريع قرارات في مجلس الشيوخ الأمريكي تؤكد أنه لا يمكن السماح للحركة بالاحتفاظ بأي سلطة في غزة مستقبلاً. كما أثار جدلاً واسعاً بتصريحاته التي شبه فيها العمليات العسكرية الإسرائيلية بما فعلته الولايات المتحدة في "طوكيو وبرلين" خلال الحرب العالمية الثانية، داعياً إسرائيل إلى "السيطرة على المكان بالقوة ثم البدء من جديد". وخلال زياراته لإسرائيل واللقاءات التي جمعته برئيس الوزراء بنيامين نتنياهو، دعا جراهام إلى شراكة تكنولوجية وعسكرية أعمق بين واشنطن وتل أبيب لتطوير أسلحة المستقبل، واصفاً هذا التعاون بأنه بمثابة "مشروع مانهاتن" جديد لمواجهة الأعداء المشتركين وعلى رأسهم إيران. وفي تحول لافت طرأ على مواقفه بالتزامن مع رغبة إسرائيل في تقليص اعتمادها التدريجي على الدعم المالي الأمريكي المباشر، رحب جراهام بفكرة تسريع إنهاء المساعدات العسكرية الأمريكية لإسرائيل وتحويل تلك المليارات لصالح الموازنة العسكرية للجيش الأمريكي، شريطة أن يتحول الدعم إلى "شراكة واستثمار مشترك" في تصنيع وتطوير التكنولوجيا العسكرية المتقدمة بدلاً من الإعانات التقليدية. كما يرى أن حركة حماس هي المسؤول الأول والأخير عن الدمار والأزمة الإنسانية الكارثية والمجاعة في قطاع غزة، متجاهلاً الانتقادات الدولية الموجهة لآلة الحرب الإسرائيلية، وبعد الضجة الكبيرة التي أثارتها تصريحات سابقة له فُهم منها تلميحه لاستخدام السلاح النووي لإسقاط غزة، خرج في مقابلات تلفزيونية لينفي ذلك، موضحاً أنه لم يقصد ضرب غزة بالنووي، بل كان يقصد ضرورة إنهاء التهديد بأسرع وقت ممكن وبأي قوة تقليدية حاسمة لفتح الطريق نحو السلام. ويُعد أيضاً من أشرس المدافعين عن المسؤولين الإسرائيليين أمام القضاء الدولي، حيث هدد علناً بفرض عقوبات أمريكية صارمة على المحكمة الجنائية الدولية وقضاتها إذا ما استمروا في ملاحقة القادة الإسرائيليين بتهم ارتكاب جرائم حرب.
والمضحك المبكي أنهم وصفوه بـ"صديق العرب" في بعض المنعطفات، لأن ضميره تحرك مرة حين تحدث عن حقوق الإنسان في السعودية! يا إلهي، كم نحن ساذجون حين نعتقد أن من يحرق بيت جارك ويصفق لمن يهدم بيتك، قد يكون صديقاً لك لأنه قال كلمة حق في قضية أخرى. الاستراتيجية الأميركية ليست صديقة لأحد، هي ماكينة تطحن الجميع، لكن غراهام كان صوت هذه الماكينة، كان المغني الذي يغني للحرب ويمهد لها بالخطب الملتهبة. بعد رحيله بأشهر، عدت لأقرأ مقالاته القديمة، ووجدت كلمة قالها في نهاية الثمانينات عن لبنان، وكأنها كتبت اليوم، نفس العبارات، نفس التخويف من إيران، نفس التبرير للاحتلال. أدركت حينها أن غراهام لم يكن شخصاً، بل كان قالباً يُصب فيه كل سيناتور أميركي يرتدي بذلة زرقاء، رحل هو لكن القالب باقٍ، وهناك العشرات في لجان القوات المسلحة ينتظرون دورهم لتقسيم سوريا، أو تدمير إيران، أو تجويع اليمن، كل ذلك وهم يرددون نفس النغمة المقدسة عن "أمن إسرائيل". أحياناً أسأل نفسي سؤالاً قاسياً، وأنا أعرف إجابته مسبقاً: لو عاش غراهام ليرى جثث الأطفال في خان يونس، أو ليرى ما خلفه من داعش في الرمادي، هل كان سيندم؟ الإجابة التي أكرهها: لا. الرجل لم يكن يرى البشر، بل كان يرى "خريطة سياسية"، وإذا احترق البشر لتثبيت تلك الخريطة، فهذا ثمن بخس في نظره، فأنا لا أصدق بالندم اللحظي، فالندم يحتاج إلى ضمير، وضميره كان نائماً منذ عقود تحت وطأة المال الصهيوني وسباقات الانتخابات.
لا أريد أن أنهي المقال بعبارة جميلة عن الدروس والعبر، لأنني تعبت من الجماليات في وجه القبح، سأختم بشيء عملي ومجرّد: رحل غراهام، لكن الموت لم يغيّر شيئاً في سياستهم تجاهنا، ما زالت غزة محاصرة، وما زال العراق يتألم، وفلسطين تُسحق. نحن هنا في المنطقة لا نموت موتة واحدة، بل نموت كل يوم ببطء، بينما هو ينام في مرقده في أميركا محاطاً بالورود والتماثيل. هذه هي الفجوة التي ستظل تغيظني حتى آخر يوم في عمري. أما رحمته، فلا حاجة لي بها، من كان يرحمنا لم يكن ليقول عن أطفالنا إنهم "حشرات" أو "إرهابيون بالوراثة". رحل غراهام، وتبقى الحفرة التي حفرها في صدورنا، ويبقى سؤال واحد فقط: متى ندرك نحن أن خلاصنا لا يأتي من موت أمثاله، بل من إرادتنا نحن في البقاء رغمهم؟ إلى ذلك الحين، كل رحيل لغراهام هو مجرد استراحة محارب، وبعده يأتي الأشد منه.
محمود سيد محمد
التعليقات (0)