أ.د. أسماء عرام أستاذ الصحافة – كلية الإعلام – جامعة قنا
ماذا لو كانت مهمة الإعلام أن يمنع الجريمة قبل أن يرويها؟
تخيّل أن خبر القتل لم يعد مجرد سطر عابر في نشرة الأخبار… بل أصبح سؤالًا مفتوحًا يطاردنا:
لماذا حدث؟ وكيف كان يمكن منعه؟ ومن كان يستطيع أن يتدخل قبل أن تسقط الضحية؟
أب يقتل أبناءه…
زوج يقتل زوجته…
زوجة تقتل زوجها…
أخ يقتل أخاه…
حالات انتحار… وغرق…
وصديق يدخل بيت صديقه الذي ائتمنه، ثم تتحول الثقة إلى مأساة.
وفي حادث آخر، تنفجر أنابيب الهيليوم، أو يقع خلل في موقع عمل، أو تنقلب مركبة تحمل عمالًا خرجوا بحثًا عن لقمة العيش، فتتحول رحلة الرزق إلى فاجعة، ويعود الأبناء إلى أسرهم جثامين.
ثم تبدأ التغطية:
حدثت الجريمة… وقع الحادث… سقط الضحايا… بدأت التحقيقات.
لكن… هل انتهت القصة هنا؟
أم أن القصة الحقيقية تبدأ بالسؤال الأصعب:
ماذا حدث قبل أن تحدث الجريمة؟
هل كان هناك عنف بدأ صغيرًا ولم ينتبه إليه أحد؟
هل كانت هناك خلافات تتصاعد أمام أعين الأسرة والمحيطين؟
هل ظهرت إشارات تحذيرية ولم يلتفت إليها أحد؟
هل كان هناك ضغط اقتصادي أو اجتماعي أو نفسي؟
هل طلب أحد المساعدة ولم يجد من يسمعه؟
وهل كان يمكن لتدخل واحد في الوقت المناسب أن ينقذ إنسانًا؟
وفي حوادث الطرق والعمل والكوارث، السؤال لا يقل أهمية:
هل كانت إجراءات السلامة مطبقة؟
هل كانت المعدات سليمة؟
هل كانت هناك شكاوى سابقة؟
هل تم التعامل مع علامات الخطر؟
ومن المسؤول عن منع تكرار الكارثة؟
لماذا ننتظر سقوط الضحايا حتى نبدأ في البحث عن الخلل؟
هنا تحديدًا يبدأ الدور الحقيقي للإعلام.
فالإعلام ليس مجرد كاميرا تصل إلى مكان الجريمة، ولا ميكروفون يقف أمام منزل الضحية، ولا عنوان صادم يصبح «الترند».
الإعلام الحقيقي لا يكتفي بأن يسأل: ماذا حدث؟
بل يجرؤ على السؤال:
لماذا حدث؟ ومن كان يستطيع أن يتدخل؟ وكيف نمنع أن يتكرر؟
نحن في حاجة إلى إعلام الوقاية؛ إعلام يرى إشارات الخطر قبل أن تتحول إلى جريمة أو كارثة.
وفي الوقت نفسه، نحتاج إلى إعلام الحلول؛ إعلام لا يكتفي بتشخيص المشكلة، وإنما يبحث عن الحلول الممكنة، ويسأل: من يستطيع تنفيذها؟ وماذا فعل الآخرون عندما واجهوا المشكلة نفسها؟ وهل يمكن أن يتحول هذا الحادث إلى درس ينقذ حياة أخرى؟
فإذا قتل أب أبناءه، لماذا لا يبحث الإعلام في منظومة حماية الأسرة والطفل، ومؤشرات العنف التي سبقت الجريمة؟
وإذا قتل زوج زوجته، أو قتلت زوجة زوجها، فلماذا لا نبحث في السياق الذي سبق الجريمة، ومسارات العنف، وفرص التدخل المبكر، دون تبرير الجريمة أو تحويل الضحية إلى متهم؟
وإذا انفجرت أنابيب الهيليوم، أو وقع حادث في موقع عمل، لماذا لا يتحول الخبر إلى تحقيق في إجراءات السلامة، والرقابة، والصيانة، والتدريب، والمسؤولية؟
وإذا حصد طريق أرواح أطفال وشباب خرجوا بحثًا عن لقمة العيش، لماذا نكتفي بعدّ الضحايا؟
ألا يستحق هؤلاء أن نعرف لماذا قتلهم الطريق؟
هنا تظهر ضرورة أنسنة التغطية الإعلامية.
فالضحية ليست جثة في عنوان، ولا رقمًا في إحصاء، ولا صورةً لجذب المشاهدات.
الضحية إنسان.
خلف كل أم حزينة حكاية…
وخلف كل أب منكسر بيتٌ فقد أمانه…
وخلف كل طفل فقد والده مستقبلٌ تغيّر إلى الأبد…
وخلف كل شاب خرج إلى عمله حلمٌ وأسرة تنتظر عودته.
فلماذا نُظهر تفاصيل المأساة أكثر مما نُظهر أسبابها؟
لماذا نعرف تفاصيل الجريمة، ولا نعرف بما يكفي أين كانت الثغرة؟
لماذا نعرف من قتل… ولا نعرف من كان يمكنه أن يمنع؟
لماذا نحصي الضحايا… ولا نحصي الأخطاء التي سبقت سقوطهم؟
ولماذا لا يصبح التحقيق الإعلامي أحيانًا جرس إنذار قبل الكارثة القادمة؟
ربما آن الأوان لأن ينتقل الإعلام من:
«ماذا حدث؟»
إلى «لماذا حدث؟»
ومن:
«من مات؟»
إلى «كيف نحمي من قد يموت غدًا؟»
ومن:
«من المسؤول؟»
إلى «كيف نمنع تكرار الجريمة؟»
ومن:
«هذه هي المأساة»
إلى «وهذه هي الحلول».
نحن لا نريد إعلامًا يبرر الجريمة، ولا إعلامًا يتعاطف مع الجاني، ولا إعلامًا يحوّل الألم إلى فرجة.
نريد إعلامًا يفهم دون أن يبرر، وينتقد دون أن يشهّر، وينقل الحقيقة دون أن يهدر كرامة الإنسان، ويبحث عن الحل دون أن يتخلى عن المساءلة.
إعلامًا يقول للمجتمع:
انتبهوا… هناك خطر هنا.
ويقول للمسؤول:
هذه ثغرة يجب إصلاحها.
ويقول للأسرة:
هذه إشارة تحذير لا ينبغي تجاهلها.
ويقول للمؤسسات:
هذه ليست حادثة عابرة… فماذا ستفعلون حتى لا تتكرر؟
فهل يصبح معيار نجاح التغطية الإعلامية ليس فقط:
كم شخصًا شاهد الخبر؟
بل:
كم إنسانًا ساعدت هذه التغطية في حمايته؟
لأن أعظم انتصار للإعلام ليس أن يكون أول من يصل إلى مكان الجريمة…
بل أن يكشف الطريق إليها قبل أن يصل إليها أحد، وأن يدق ناقوس الخطر بينما لا يزال الإنقاذ ممكنًا.
أن يرى العنف قبل أن يتحول إلى جريمة،
والإهمال قبل أن يتحول إلى فاجعة،
والخلل قبل أن يتحول إلى ضحايا،
والطريق الخطر قبل أن يحصد الأرواح،
والصرخة الصامتة قبل أن تتحول إلى خبر عاجل.
نحن لا نحتاج فقط إلى إعلام يخبرنا مَن مات… بل إلى إعلام يحاول أن يمنع الموت القادم.
نحتاج إلى إعلام وقاية يكشف الخطر، وإعلام حلول يفتح الطريق للخروج منه، وإعلام إنساني يتذكر أن خلف كل رقم إنسانًا، وخلف كل حادثة أسرة، وخلف كل ضحية حياة كاملة لم تكتمل.
فماذا لو أصبح السؤال الأهم داخل غرفة الأخبار ليس:
«ماذا حدث؟»
بل:
«ماذا نستطيع أن نفعل الآن حتى لا يحدث مرة أخرى؟»
هنا فقط ينتقل الإعلام من توثيق المأساة إلى صناعة الوقاية…
ومن نقل الخبر إلى إنقاذ الإنسان…
ومن الوصول إلى مكان الحادث بعد وقوعه…
إلى كشف الطريق المؤدي إليه، ومنع المأساة المفجعة قبل أن يصل إليها أحد.
تلك هي الرسالة الحقيقية للإعلام: ألا يكتفي بأن يكون شاهدًا على الكارثة… بل أن يمتلك الشجاعة والمعرفة والمسؤولية ليحاول منعها.
فالإعلام الذي يصل بعد فوات الأوان يوثّق ما خسرناه…
أما الإعلام الذي يصل قبل فوات الأوان، فقد ينقذ ما يمكن إنقاذه.
وهنا يصبح الإعلام جزءًا من الحل… لا مجرد شاهدٍ يصل بعد فوات الأوان.
admin
التعليقات (0)