السيد خلاف يكتب:
لم يسلم العالم من تخاريف الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، آخر هذه الإرهاصات السياسية الفاضحة لما وراء وخفايا الحرب الأمريكية على إيران أنه أعلن خلال فعالية في نيويورك: «قريبًا جدًا سأعلن مضيق هرمز أرضًا تابعة للولايات المتحدة»، وربط ذلك بما وصفه بـ«هزيمة إيران بالكامل».
وأضاف أن الولايات المتحدة تفرض حصارًا على المضيق، وأنها ستمنع مرور أي سفينة لا تريد السماح لها بالعبور.
والأخطر أن التصريح جاء بعد تصريحات سابقة لترامب عن أن الولايات المتحدة أصبحت صاحبة «السيطرة الكاملة» على المضيق، وأنها قد تحتفظ بهذه السيطرة، وفقًا لما نقلته CBS News الأمريكية.
وفي المقابل، جاء الرد الإيراني حادًا؛ إذ قال مسؤولون إيرانيون إن هرمز سيظل تحت سيطرة إيران، وإن المضيق لا يمكن الاستيلاء عليه بتغريدة أو بحاملة طائرات.
سياسيًا واستراتيجيًا، التصريح بالغ الخطورة، حتى لو قيل إنه «مزحة»؛ لأن ترامب لم يتحدث فقط عن حرية الملاحة أو السيطرة العسكرية المؤقتة، وإنما استخدم تعبير «أرض أمريكية»، أي نقل الصراع من مفهوم السيطرة على ممر مائي إلى مفهوم الضم والسيادة، بمعنى الامتلاك والسيطرة.
وهنا تصبح القضية أنه لم يعد مضيق هرمز في الحساب الأمريكي مجرد ممر مائي استراتيجي يجب تأمين الملاحة فيه، ولا مجرد ورقة ضغط في الحرب مع إيران، وإنما نُقل الخطاب الأمريكي إلى مستوى أكثر خطورة، خاصة وأنه أردف بالقول إنه بعد «هزيمة إيران» سيعلن قريبًا مضيق هرمز «إقليمًا تابعًا للولايات المتحدة»، ثم أكد: «هذا صحيح».
واللافت أنه بعد ساعات، ظهرت رواية أمريكية تقول إن ترامب كان يمزح، لكن المشكلة أن «المزحة» جاءت بعد سلسلة تصريحات لم تكن مزاحًا.
وفي 12 أغسطس، أعلن ترامب أن الولايات المتحدة تملك «السيطرة الكاملة» على المضيق، ووصف الحصار البحري الأمريكي بأنه «جدار من الفولاذ»، مؤكدًا أن إيران لا تستطيع فعل شيء تجاهه، وقبل ذلك بأيام، قال إنه يريد الاحتفاظ بالسيطرة على هرمز.
إذن نحن أمام مسار متدرج:
سيطرة.. ثم حصار.. ثم الاحتفاظ بالسيطرة.. ثم إعلان السيادة.
وهنا تكمن خطورة المسألة؛ من بعد «حرية الملاحة» إلى «السيادة الأمريكية». لطالما قدمت الولايات المتحدة وجودها العسكري في الخليج تحت عنوان حماية الملاحة الدولية وأمن الطاقة.
لكن إعلان مضيق هرمز «أرضًا أمريكية» يقلب المعادلة بالكامل.
فالمضيق ليس أرضًا أمريكية، ولا تستطيع واشنطن أن تحوله بقرار رئاسي إلى أرض أمريكية؛ إنه ممر مائي يقع بين إيران وسلطنة عُمان، وتخضع أوضاع الملاحة فيه لقواعد القانون الدولي واتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار.
وبالتالي فإن تحويله إلى «إقليم أمريكي» ليس مجرد تغيير في الوصف السياسي؛ بل يعني عمليًا محاولة فرض واقع سيادي جديد بالقوة.
وهنا يصبح السؤال الحقيقي:
هل كانت الحرب على إيران تستهدف برنامجها النووي فقط، أم أن هرمز كان جزءًا من الهدف الاستراتيجي منذ البداية؟
ووفقًا للتحليلات الاستراتيجية، فإن مضيق هرمز هو الجائزة الكبرى لمن يسيطر عليه، كونه لا يسيطر على مضيق صغير بين ضفتين فقط، وإنما يمسك بأحد أهم مفاتيح الاقتصاد العالمي.
ولهذا فإن الصراع الحالي لا يتعلق بإيران وحدها؛ إنه يتعلق بمن يملك القدرة على التحكم في تدفق الطاقة والتجارة بين الخليج والعالم. ترامب يدرك ذلك جيدًا.
ولهذا انتقل خطابه من الحديث عن إيران إلى الحديث عن هرمز نفسه.
الولايات المتحدة، وفق التصريحات الأخيرة، لا تريد فقط أن تمنع إيران من استخدام المضيق كورقة ضغط؛ إنها تريد أن تصبح هي صاحبة القرار في السؤال الأخطر:
من يمر؟ ومن لا يمر؟
وقد أعلنت القيادة المركزية الأمريكية بالفعل أنها أعادت توجيه عشرات السفن وعطلت أخرى، وصعّدت إجراءات فرض الحصار البحري على إيران، وهنا تتحول الملاحة من حق دولي إلى أداة نفوذ أمريكية.
إيران فهمت الرسالة
الرد الإيراني لم يكن دبلوماسيًا؛ إذ أعلن نائب وزير الخارجية الإيراني كاظم غريب آبادي أن مضيق هرمز «كان إيرانيًا، وهو إيراني، وسيبقى إيرانيًا»، مؤكدًا أن فتحه وإغلاقه سيكونان بقرار إيراني.
وهذا يعني أن طهران لا تتعامل مع كلام ترامب باعتباره نكتة، بل باعتباره محاولة لإعادة تعريف معادلة القوة في الخليج؛ أي أن إيران تقول لواشنطن ببساطة: إذا أردتم هرمز.. فعليكم أولًا انتزاعه، وهنا تصبح الأزمة أخطر بكثير.
ولكن ماذا لو لم تكن مزحة؟
قد يكون ترامب بالفعل قصد الاستفزاز السياسي، وقد يكون قصد اختبار ردود الفعل، وقد يكون قالها على سبيل السخرية، لكن السياسة الدولية لا تقرأ الكلمات فقط، بل تقرأ السياق الذي قيلت فيه.
وعندما يأتي الحديث عن «أرض أمريكية» بعد إعلان السيطرة العسكرية على المضيق، وبعد حصار بحري، وبعد تهديدات متكررة لإيران، فإن العبارة تكتسب وزنًا مختلفًا.
والمشكلة ليست في أن ترامب يستطيع غدًا إصدار ورقة ويكتب عليها «هرمز أمريكي»، رغم أنه لا يستطيع.
المشكلة أن واشنطن قد تحاول فرض واقع أمريكي في هرمز، ثم يأتي القانون والسياسة الدولية لاحقًا للتعامل مع هذا الواقع، وهذه هي الطريقة التي تغير بها القوى الكبرى الخرائط أحيانًا: ليس بالقرار وحده، وإنما بصناعة أمر واقع ثم البحث عن شرعيته.
المعركة الحقيقية بدأت بعد إيران
حتى لو انتهت الحرب مع إيران غدًا، فإن سؤال هرمز لن ينتهي معها، بل ربما يكون هو السؤال الأصعب الذي سيبقى على الطاولة.
هل تعود السيطرة إلى المعادلة السابقة؟ أم تحتفظ الولايات المتحدة بوجود عسكري دائم؟
وهل يصبح المضيق منطقة نفوذ أمريكية مباشرة؟
وهل تفرض واشنطن ترتيبات أمنية جديدة على دول الخليج؟
وهل تقبل إيران أن تخسر الورقة الاستراتيجية التي كانت تملكها لعقود؟
هذه الأسئلة أهم من عبارة «كان يمزح»، لأن ترامب نفسه سبق أن أعلن أن الولايات المتحدة تسيطر على المضيق، وأنه يريد الاحتفاظ بهذه السيطرة.
يبقى هرمز الاختبار الأخير للهيمنة الأمريكية، والمعركة إذن لم تعد فقط:
أمريكا ضد إيران،
بل أصبحت:
من يملك مفتاح الخليج؟
ومن يملك مفتاح الخليج يستطيع التأثير في النفط، والتجارة، وأسواق الطاقة، وأمن الخليج، وحركة الأساطيل، وحتى الحسابات السياسية للدول العربية والآسيوية والأوروبية.
ولهذا فإن عبارة ترامب عن «هرمز الأمريكي» يجب ألا تُقرأ باعتبارها زلة لسان أو نكتة انتخابية فقط.
حتى لو كانت مزحة، لأنها كشفت شيئًا ليس مزاحًا:
أن واشنطن تفكر في هرمز باعتباره مساحة استراتيجية تريد أن تملك قرارها، وأن الحرب على إيران قد تكون فتحت معركة أكبر:
معركة من يملك مضيق هرمز، ومن ثم من يملك مفتاح الشرق الأوسط.
وهنا يصبح السؤال الأكثر خطورة:
إذا كان ترامب يريد هرمز أمريكيًا.. فماذا يريد من بقية الخليج؟
ألم يكن الخليج في حسابات الصهيونية منذ زمن بعيد؟
لقد كانت لي سابقة في كتابة مقال نُشر لي إبان عملي بالسعودية عام 1998 بعنوان «الخليج في حسابات الصهيونية»، ولم تكن هذه الحرب ببعيدة عما كتبت.
مضيق هرمز.. أرض أمريكية! حلم الصهيونية.. مشروع ترامب
admin
التعليقات (0)