تحليل: محمود سيد محمد
المؤسسة المصرية للدراسات السياسية والاستراتيجية.
في منتصف عام 2026، شهدت أجزاء من ولاية جنوب غرب الصومال احتجاجات شعبية عارمة عقب غارات جوية يُقال إنها وقعت في محيط مدينة بيدوا، المركز الإداري للولاية وأحد أهم معاقل الحراك السياسي في جنوب الصومال.
وتداول نشطاء على منصات التواصل الاجتماعي مقاطع مصورة تظهر محتجين وهم يحرقون العلم التركي، تعبيرًا عن رفضهم للعمليات العسكرية التي يعتبرون أنها تجاوزت الحدود الآمنة وطالت المدنيين الآمنين في منازلهم. وجاءت هذه التطورات بعد أيام قليلة من احتجاجات مماثلة شهدتها مناطق في إقليم باي، حيث أقدم محتجون أيضًا على إحراق العلم التركي، مطلقين اتهامات لأنقرة والحكومة الفيدرالية في مقديشو بالتدخل السافر في الشؤون الداخلية للولاية وتهميش سلطاتها المحلية.
وتكرر المشهد ذاته في بلدات صغيرة حول بيدوا، ما يشير إلى أن الغضب لم يعد مقتصرًا على موقع الغارة، بل تحول إلى موجة احتجاجية أوسع، تحمل دلالات تتجاوز الرفض العسكري المباشر، لتعكس تزايد الحساسية تجاه التدخل الخارجي في النزاع الصومالي، خصوصًا عندما تقترن العمليات بجهة أجنبية تتمتع بعلاقات قوية ومتميزة مع الحكومة الفيدرالية، ما يضع أنقرة في موقع يحتاج إلى مراجعة دقيقة لسياساتها الميدانية وإعادة تقييم لطبيعة وجودها في الصومال.
تركيا التي نسجت خلال السنوات الماضية علاقات وثيقة مع الحكومة الصومالية في مقديشو، في مجالات الأمن والتدريب العسكري والبنية التحتية والتنمية، تجد نفسها اليوم في مواجهة غضب شعبي في إحدى أكثر ولايات الصومال حساسية واضطرابًا. لقد استثمرت أنقرة بكثافة في الصومال، حيث أنشأت قاعدة عسكرية في مقديشو لتدريب القوات الصومالية، وساهمت في تأهيل الجيش الوطني، إلى جانب مشاريع تنموية في مجالات الصحة والتعليم والطرق، الأمر الذي جعل من تركيا شريكًا استراتيجيًا رئيسيًا للحكومة الفيدرالية. لكن هذا الحضور المكثف، والذي كان يُنظر إليه في البداية على أنه دعم حقيقي لإعادة بناء الدولة الصومالية، بدأ يثير تساؤلات في أوساط شعبية متزايدة، خاصة في الولايات التي تشعر بأن مركز القرار في مقديشو يبتعد عن همومها ويستجيب بشكل أكبر لتوجهات حلفائه الخارجيين.
ومع تكرار الغارات الجوية التي تُنسب إلى القوات التركية في مناطق مختلفة، بدأ بعض الصوماليين ينظرون إلى الوجود التركي بعين مختلفة، أقل ثقة وأكثر تشككًا. وتتحول العلاقة بين أنقرة ومقديشو إلى ورقة ضغط داخلية، حيث تستخدم المعارضة السياسية والفصائل المحلية هذا التوتر لتعزيز مواقفها ضد الحكومة الفيدرالية، متهمة إياها بالتفريط بالسيادة الوطنية لصالح أجندات خارجية، وفي مقدمتها الأجندة التركية.
وهذا ما يجعل الاحتجاجات الحالية ذات طابع مزدوج: احتجاج ضد غارات جوية، واحتجاج ضد سياسة الحكومة الفيدرالية في إدارة العلاقات الخارجية على حساب المصالح المحلية.
تتميز ولاية جنوب غرب الصومال، التي تضم أقاليم باي وبكول وشبيلي السفلى، بحساسية سياسية وأمنية فائقة، حيث تتداخل فيها الصراعات القبلية والإقليمية مع التوترات المزمنة بين الحكومة الفيدرالية والولايات الأعضاء. وبيدوا، التي تعتبر العاصمة الإدارية الفعلية للولاية، تشكل نقطة التقاء لهذه التجاذبات، وهي مدينة شهدت على مر السنوات معارك ضارية بين حركة الشباب والقوات الحكومية المدعومة من القوات الأفريقية والدولية.
وإضافة إلى ذلك، فإن ولاية جنوب غرب الصومال تُعد واحدة من أغنى الولايات من حيث الموارد الزراعية، ولها أهمية استراتيجية في الأمن الغذائي للبلاد، كما أنها تشكل معقلًا لقبائل بارزة لها وزنها السياسي في المشهد الصومالي. وهذا يجعل أي تدخل عسكري أو سياسي في هذه المنطقة يتحول سريعًا من قضية أمنية إلى قضية سياسية محلية، تعكس مخاوف السكان من تهميشهم أو تجاوز سلطاتهم المحلية. ولهذا تنظر الاحتجاجات الأخيرة إلى الغارات الجوية ضمن سياق أوسع، يتعلق بجدلية العلاقة بين مقديشو والولايات، وبحجم النفوذ الخارجي في البلاد، وبمدى احترام سيادة المناطق المحلية في اتخاذ قراراتها الأمنية والسياسية. إن تكرار الغارات في هذه المنطقة بالذات يثير تساؤلات حول ما إذا كانت العمليات العسكرية تُنسق مع السلطات المحلية أم أنها تأتي بقرار أحادي من المركز الفيدرالي وحلفائه، وهو ما يغذي مشاعر التهميش لدى سكان المنطقة.
لم تصدر عن الجانب التركي أي تعليقات رسمية حول الاحتجاجات الأخيرة، ولم يسبق لأنقرة أن اعتذرت أو أوضحت موقفها من سقوط ضحايا مدنيين في ضرباتها الجوية السابقة. وهذه الفجوة في التواصل مع الرأي العام المحلي تعمق الفجوة بين السكان والوجود التركي، وتجعل العلم التركي، الذي كان يُنظر إليه سابقًا كرمز للتعاون والتنمية، يتحول إلى رمز للاحتجاج والرفض في بعض المناطق.
وتشير تقارير محلية إلى أن الغارات الجوية التي تُنسب إلى القوات التركية استهدفت في مناسبات متعددة مناطق مأهولة بالسكان، مما أدى إلى سقوط قتلى وجرحى من المدنيين، دون أن تقدم أنقرة تفسيرات مقنعة أو تعويضات للعائلات المتضررة. وهذا الصمت الرسمي يزيد من مشاعر الإحباط والغضب، ويجعل أي عملية عسكرية مستقبلية قابلة للتحول إلى احتجاجات جديدة، بغض النظر عن مبرراتها الأمنية. وتأتي هذه التطورات في وقت تواجه فيه الصومال تحديات أمنية متصاعدة، مع استمرار حركة الشباب في شن هجماتها الدموية، وسط جهود حكومية وعسكرية متواصلة لاستعادة الأمن والاستقرار في مناطق واسعة من البلاد. لكن الإشكالية تكمن في أن العمليات الخارجية، مهما كانت ضرورتها الأمنية، تظل بحاجة إلى تغطية سياسية وشعبية محلية، وهو ما تفتقر إليه الغارات الجوية في جنوب غرب الصومال.
إحراق العلم التركي ليس مجرد عمل احتجاجي عابر أو تعبير لحظي عن الغضب؛ بل هو مؤشر واضح على تحول المشاعر الشعبية في بعض المناطق من القبول بالوجود التركي إلى الرفض المعلن، وعلى اتساع الفجوة بين السياسة التركية في الصومال والواقع الشعبي في بعض الولايات. لكن الخطر الأكبر يكمن في احتمال تحول هذه الاحتجاجات من ردود فعل على غارات محددة إلى حركة سياسية أوسع تعارض النفوذ التركي في الصومال، أو أن تصبح الغارات الجوية ورقة في الخلافات السياسية بين مقديشو والولايات الفيدرالية. وهناك مخاوف من أن تستغل فصائل محلية أو جماعات معارضة هذا الغضب الشعبي لأغراض سياسية، مما قد يحول الاحتجاجات من مظاهرات محلية إلى حركة احتجاجية منظمة تطالب بمراجعة شاملة للعلاقات مع تركيا، أو حتى بإلغاء الاتفاقيات الأمنية بين مقديشو وأنقرة.
وفي حال تحقق ذلك، فإن العلاقات التركية الصومالية قد تدخل مرحلة جديدة من التوتر، تكون فيها العلاقة مع الحكومة الفيدرالية غير كافية لضمان قبول شعبي للوجود التركي. كذلك فإن استمرار الغارات الجوية دون تنسيق واضح مع السلطات المحلية في ولاية جنوب غرب الصومال قد يؤدي إلى تصدع في العلاقة بين الحكومة الفيدرالية والولاية، خاصة أن قادة الولاية يجدون أنفسهم في موقف صعب بين شراكتهم مع مقديشو من جهة، وبين غضب ناخبيهم من جهة أخرى. وهذا قد يفتح الباب أمام أزمات سياسية جديدة في نظام الحكم الفيدرالي الصومالي الهش أصلًا.
في الوقت الذي تتصاعد فيه الأصوات المنددة بالغارات التركية، تبقى أنقرة صامتة، وكأنها تتعامل مع الاحتجاجات باعتبارها مجرد ردود فعل محلية محدودة لن تؤثر على العلاقات الاستراتيجية مع الحكومة الفيدرالية. لكن هذا التقدير قد يكون خاطئًا، فالصومال ليس دولة مركزية يمكن فيها تجاهل الرأي العام الإقليمي، بل هو دولة فيدرالية تعطي الولايات صلاحيات واسعة، والغضب الشعبي في ولاية بحجم جنوب غرب الصومال قد يتحول إلى أزمة سياسية تتجاوز حدودها المحلية. كما أن استمرار الغارات الجوية في مناطق حساسة، دون برنامج تواصل فعال مع المجتمعات المحلية، ودون آليات للتعويض عن الأضرار المدنية، يجعل من المستبعد أن تتراجع الاحتجاجات تلقائيًا.
بل على العكس، فإن كل غارة جديدة قد تكون وقودًا لموجة احتجاجية أوسع، تضع أنقرة في مواجهة مباشرة مع الشارع الصومالي، وهو ما قد يكلفها جزءًا كبيرًا من رصيدها الشعبي الذي بنته بصعوبة على مدى سنوات من الاستثمار في التنمية والتدريب. ويبقى السؤال الأهم: هل ستستمر تركيا في تجاهل الغضب الشعبي المتصاعد، أم أنها ستدرك أن استمرار العمليات العسكرية دون شفافية أو تواصل مع المجتمعات المحلية قد يكلفها غاليًا، وقد يحول العلم التركي من رمز للشراكة إلى رمز للاحتجاج في وعي الصوماليين؟ الإجابة عن هذا السؤال ستحدد مسار العلاقات التركية الصومالية في السنوات المقبلة.
تعكس احتجاجات جنوب غرب الصومال منعطفًا دقيقًا وخطيرًا في العلاقة بين تركيا والمجتمع الصومالي، وتذكر بأن العمليات العسكرية، مهما كانت مبرراتها الأمنية، تظل مرهونة بقبول الشعوب المحلية وثقتها. وإذا استمرت أنقرة في التعامل مع هذه الاحتجاجات بالتجاهل، فإن فقدان الثقة سيصبح واقعًا يصعب ترميمه، وسيفتح الباب أمام مزيد من التوترات التي قد تمتد أبعادها إلى ما هو أبعد من الميدان العسكري.
إن اللحظة الراهنة تتطلب من تركيا مراجعة شاملة لسياساتها في الصومال، تتجاوز العلاقة مع الحكومة الفيدرالية إلى بناء قنوات تواصل حقيقية مع المجتمعات المحلية والولايات، مع وضع آليات واضحة للشفافية في العمليات العسكرية والتعويض عن الأضرار المدنية. وإلا فإن الاحتجاجات الحالية قد تكون مجرد البداية لموجة أوسع من الغضب الشعبي، قد تعيد تشكيل المشهد السياسي في الصومال، وقد تضع العلاقات التركية الصومالية أمام اختبار لم تشهده من قبل.
فما تخسره تركيا اليوم في جنوب غرب الصومال قد لا يكون مجرد رصيد شعبي، بل قد يكون جزءًا من نفوذها الإقليمي في القرن الأفريقي بأكمله، وهو ما يجعل التعامل مع هذه الأزمة بجدية وشفافية ضرورة استراتيجية، وليس مجرد خيار دبلوماسي.
admin
التعليقات (0)