لم نكن نعرف أننا نعيش أجمل أيام العمر.. إلا بعد أن أصبحت مجرد ذكريات... فاكرين زمان وأيام زمان؟ فاكرين الحياة البسيطة، والقلوب الغنية؟ فاكرين راحة البال والرزق الحلال؟ فاكرين نعمة الرضا بالقليل؟ فاكرين لما كانت القلوب أغنى من الجيوب؟ فاكرين الأهل لما كانوا أحبابًا وسندًا، والجيران لما كانوا ونسًا، والأصحاب المخلصين؟.. فاكرين لما كان فيه كبير يُقدَّر، وصغير يُرحم، وضيف يُكرم، وجار يُصان، وقريب لا يُنسى؟
أصعب ما في الحنين أننا لا نشتاق إلى الأيام فقط، ولا إلى البيوت القديمة، ولا الشوارع الهادئة، ولا الوجوه الطيبة.. نشتاق إلى الحب الصافي والقلوب الدافئة... يااااه يا زمن.. كانت الدنيا أبسط.. والقلوب أدفأ..
زمان لم تكن السعادة تحتاج إلى كل هذا المال.. كانت السعادة في قعدة على باب البيت، وكوب شاي مع شخص نحبه، وفي لَمّة العيلة حول طبلية بسيطة، وفي ضحكة الأطفال وهي تملأ المكان... كانت فرحة العيد في اجتماع الأسرة والمرور على الجيران والأقارب، وفرحة رمضان في اللمّة، وفرحة المناسبات في أن البيت يمتلئ بالناس... لم تكن البيوت واسعة، لكنها كانت تتسع للجميع.. ولم تكن الموائد فاخرة، لكنها كانت عامرة بالبركة.. ولم تكن الحياة خالية من المشاكل، لكنها كانت مليئة بالرضا... كان الناس يمتلكون القليل، لكنهم كانوا يشعرون أنهم يمتلكون الكثير.
فاكرين الناس الطيبة اللي كانت تفرح لفرحتك وتحزن لحزنك؟ ويسألون عنك من غير مصلحة، ويطرقون بابك وقت الشدة قبل وقت الفرح؟.. فاكرين الجار لما كان يعرف أن جاره مريض، فيسأل عليه؟ والقريب الذي لا ينتظر مناسبة ليزورك؟ والصديق الذي كان يعرف من صوتك أنك تعبان، حتى لو تظاهرت بأنك تمام؟
كان الخير شيئًا طبيعيًا.. والشهامة طبعًا.. والجدعنة موقفًا، لا كلمة تُكتب على الفيس... طب إيه اللي حصل؟ هل الزمن هو الذي تغيّر؟ أم أننا نحن الذين تغيّرنا؟
الحقيقة أن الدنيا تغيّرت بسرعة.. ونحن تركناها تأخذ منا أشياء كثيرة جميلة.. أصبح كل شيء أسرع... الرسائل أسرع، والمواصلات أسرع، والأخبار أسرع، وحتى العلاقات أصبحت سريعة.. لكن وسط هذه السرعة كلها، فقدنا شيئًا مهمًا جدًا: فقدنا الحب، وفقدنا الوقت الذي كنا نمنحه لبعضنا..
أصبحنا نعرف أخبار البعيد، ولا نعرف أخبار القريب... نتابع حياة أشخاص لا نعرفهم، بينما قد يكون هناك إنسان بجوارنا يحتاج فقط إلى كلمة طيبة.. نجلس في بيت واحد، وكل واحد منا يعيش منعزلًا أمام شاشة تليفون.. أصبحنا أكثر اتصالًا بالعالم.. وأقل اتصالًا ببعضنا..
لم تعد المشكلة في قلة الحب.. بل في كثرة الحسابات.. زمان كان الإنسان يحب بإخلاص دون مصلحة.. واليوم أصبح البعض يسأل: ماذا سأستفيد؟ ماذا ستقدم لي؟ ماذا قدمت له؟... حتى بعض العلاقات أصبحت دفتر حسابات.. نعطي لكي نأخذ، ونزور لكي تُرَدّ الزيارة، ونساعد لكي يُقال عنا إننا أصحاب فضل..
ومع ذلك لن نفقد الأمل، فما زال هناك أناس طيبون... ما زالت هناك قلوب بيضاء، وأيادٍ تمتد للمحتاج، وأشخاص يقضون حوائج الناس في صمت.. فالدنيا لم تخلُ من الخير، لكنها أصبحت تحتاج إلى أن نبحث عنه...
أصعب ما في الحنين أننا لا نشتاق إلى الأيام الماضية والبيوت القديمة والوجوه الطيبة.. وإنما نشتاق إلى أنفسنا ونحن بينهم.. نشتاق إلى قلوبنا قبل أن تتعب.. إلى ضحكتنا قبل أن تثقلها الهموم.. إلى أشخاص كانوا جزءًا من يومنا، ثم رحلوا وأخذوا معهم شيئًا لا يعوض..
رحم الله أناسًا كانوا في حياتنا نعمة، ولم نعرف قيمتها إلا بعد رحيلهم..
نحن نشتاق إلى أب يجمع أبناءه في جو يملؤه الحب.. وأم كانت دعواتها تحيط بنا دون أن نشعر.
وجدًّا كانت كلماته لها هيبة.
وجدّة كانت تجمع الأسرة حولها.
وصديقًا كان حضوره يخفف عنك الدنيا.. وجارًا كان يعتبر جيرته مسؤولية..
رحم الله كل إنسان طيب مرّ في حياتنا وترك فيها أثرًا جميلًا..
لا نستطيع أن نعيد زمان.. لكن نستطيع أن نعيد أخلاقه.. ربما لن تعود الأيام كما كانت.. وربما لن نستطيع أن نعيد الذين رحلوا.. لكننا نستطيع أن نستعيد شيئًا من روح ذلك الزمن..
نستطيع أن نكون أكثر رحمة.. أكثر تسامحًا.. أكثر وفاء.. نستطيع أن نحترم الكبير، ونرحم الصغير، ونصل الرحم، ونسأل عن الغائب، ونعتذر عندما نخطئ، ونقول لمن نحبهم إننا نحبهم قبل أن يفوت الأوان.. فالعمر أقصر من الخصام، والقلوب أضعف من أن تتحمل كل هذا الجفاء.
وفي النهاية، لن يتذكر الناس كم كان معنا من المال، ولا كم كان بيتنا كبيرًا، ولا كم كانت ممتلكاتنا كثيرة.. سيتذكرون فقط: هل كنا طيبين؟
هل جبرنا خاطرًا؟
هل ساعدنا محتاجًا؟
هل وقفنا بجوار إنسان في وقت ضعفه؟ هل تركنا وراءنا قلبًا يدعو لنا؟..
وهنا نفهم أن أجمل ما يمكن أن نفعله في هذه الدنيا هو أن نترك خلفنا أثرًا طيبًا لا يرحل برحيلنا.
آه يا زمن فات.. فين أيامك الحلوة.. وفين أجمل الذكريات؟
فضفضة بقلم: عزت سلامة
التعليقات (0)