2026/09/05
بث تجريبي
إعلان

«بعد الفشل العسكري.. هل تكون الحرب الاقتصادية ورقة ترامب الرابحة لإخضاع إيران؟»


خرج علينا الرئيس الأمريكي متوعدًا إيران بحرب اقتصادية لا مثيل لها، ولم يقتصر تهديده على طهران وحدها، بل امتد إلى الدول التي تتعامل معها، موضحًا أن عقوبات تنتظر أي دولة تتعامل مع إيران.

لكن هل يدرك ترامب أن إيران تخضع لهذه الحرب منذ سنوات طويلة، ومع ذلك ما زالت متماسكة في برامجها وأجندتها؟ صحيح أن العقوبات ألحقت ضررًا بالغًا بالشعب الإيراني، مع انخفاض قيمة الريال بأكثر من 80%، والتضخم الجامح، وتآكل الطبقة الوسطى، والاحتجاجات الداخلية المتكررة، ومنها احتجاجات 2022-2023.

فالصمود لا يعني النجاح؛ إذ إن العقوبات لم تُسقط النظام، لكنها استنزفت قدرته على الوفاء بالتزاماته الاجتماعية.

ومع ذلك، تمضي إيران في طريقها ولا تبدو مكترثة بالضغوط المفروضة عليها.

لكن لماذا طرح ترامب هذه الورقة الآن؟ هل يريد من خلالها الانسحاب تدريجيًا من الحرب العسكرية التي فشل فيها، أم أن وراءها حسابات أخرى؟

في أعقاب الثورة الإيرانية التي اندلعت عام 1979 بقيادة روح الله الخميني، اقتحم طلاب إيرانيون مقر السفارة الأمريكية في طهران، واحتجزوا 52 موظفًا أمريكيًا لمدة 444 يومًا، مطالبين واشنطن بتسليم الشاه المخلوع محمد رضا بهلوي.

هنا بدأت الحكاية، وبدأ معها الحصار الاقتصادي والعقوبات على إيران.

أعلن جيمي كارتر حينها حالة الطوارئ، وأمر بتجميد الأصول الإيرانية. ومع تتابع الإدارات الأمريكية، تصاعدت العقوبات المفروضة على طهران، وصولًا إلى قطع العلاقات الدبلوماسية معها عام 1980.

وعقب اندلاع الحرب الأمريكية-الإسرائيلية الإيرانية، قال وزير الخزانة الأمريكي سكوت بيسنت، في 24 أغسطس 2026، إن واشنطن أطلقت، بتوجيهات من الرئيس دونالد ترامب، عملية «المنبوذ الاقتصادي»، التي تستهدف إيران والجهات الداعمة لها، وفق قوله.

لذلك، فإن ما يقوله ترامب ليس وليد اللحظة، ولا يمثل أمرًا غريبًا على طهران؛ فإيران تتعامل منذ سنوات مع واقع الدولة الخاضعة للعقوبات، وطورت آليات للتعامل مع هذا الواقع.

لكن قد يقول قائل: إن ما ذكرته ينتمي إلى الماضي، ولكل مقام مقال. لذلك، سنحاول من خلال هذه المحاور الإجابة عن هذه التساؤلات.

المحور الأول:

هل فشلت أمريكا عسكريًا؟ وهل كشفت هذه الحرب حدود القوة العسكرية الأمريكية؟

قال الكاتب الأمريكي دبليو جيه هينيغان، في حديثه عن أداء الولايات المتحدة في حربها على إيران، إن «تلك العملية كشفت حدود القوة العسكرية الأمريكية وأفضت إلى هزيمة استراتيجية، رغم التفوق العسكري والتكنولوجي الهائل الذي أظهرته واشنطن في ساحة المعركة».

وما شاهدناه خلال هذه الحرب من إمكانيات عسكرية، وأساطيل ضخمة، وتفوق تكنولوجي هائل تحظى به الولايات المتحدة... وهنا سؤال آخر: هل تكفي القوة العسكرية وحدها لحسم حرب تدور على أرض الخصم؟

يبدو أن ترامب نسي عاملًا مهمًا: أن صاحب الأرض لا يُهزم بسهولة.

فإيران تمتلك تضاريسها الخاصة، وجبالًا وعرة، كما أن مصانع الصواريخ ومنصات الإطلاق ليست بالشيء الهين الذي يمكن رصده بسهولة من جانب أمريكا أو إسرائيل. وفي جانب كبير منها، تصب في مصلحة إيران.

لذلك، فإن ما حدث يمثل فشلًا ستكون له تبعاته.

أما فيما يتعلق بحدود القوة العسكرية، فإن إيران، بقدراتها المحدودة مقارنة بالولايات المتحدة، كشفت حدود القوة الأمريكية أمام العالم. والفائز في هذا الأمر ليس إيران وحدها، بل الصين وروسيا أيضًا؛ فقد أصبحت لديهما صورة أوضح عن حدود قوة خصمهما.

المحور الثاني:

هل ينجح الحصار الاقتصادي على إيران؟

ذكرنا سابقًا أن إيران تخضع للعقوبات منذ عشرات السنين، ومع ذلك لم يغير ذلك شيئًا جوهريًا من فكرها وعقيدتها. بل على العكس، دفعها ذلك إلى تطوير قدراتها، والتعايش مع العقوبات، والبحث عن بدائل آمنة للتعامل معها.

وكانت الصين الحاضن الأكبر لها، وأصبحت أكبر شريك اقتصادي لها والمستورد الرئيسي للنفط الإيراني، وتمثل مشتريات الصين من النفط نحو 80 إلى 90 في المائة من النفط الإيراني.

أما بالنسبة إلى روسيا، فقد ازدادت حاجتها إلى إيران كجسر استراتيجي نحو الأسواق الآسيوية والخليجية، بعد تقليص صادرات الغاز إلى أوروبا عبر أوكرانيا عقب الحرب.

لذلك، فإن إيران ليست دولة مكتوفة الأيدي، بل وجدت بدائلها منذ سنوات، وتتعامل معها وفق مصالحها وقدرتها على الاستمرار.

ومن هنا، يمكن القول إن الولايات المتحدة، إذا كانت قد أخفقت عسكريًا، فقد تواجه صعوبة أيضًا في تحقيق الحسم من خلال الحصار الاقتصادي.

ولنا في كوبا مثال؛ فقد استمر الحصار عليها لنحو 60 عامًا، ولم يؤدِ إلى إسقاط النظام.

وكذلك كوريا الشمالية وروسيا.

في النهاية، قد يكون الحصار الاقتصادي ورقة أخيرة في لعبة ترامب، وربما يمثل، في الوقت ذاته، تمهيدًا للانسحاب العسكري وإعادة صياغة أدوات الضغط على إيران.


إعلان
شارك الخبر:

التعليقات (0)