2026/09/05
بث تجريبي
إعلان

الشرطي الأمريكي يغادر.. فهل يتصدر التاجر الصيني المشهد؟


لم يكن الحضور الأمريكي في الشرق الأوسط وليد الحرب العالمية الثانية، ولا نتيجة مباشرة لاكتشاف النفط في الخليج، بل سبقه حضور أمريكي مبكر في شمال أفريقيا. ففي الحرب الأمريكية ضد إيالة طرابلس بين عامَي 1801 و1805، شارك القنصل الأمريكي ويليام إيتون في حملة عسكرية انتهت بالسيطرة على درنة عام 1805، قبل أن تتوصل الولايات المتحدة إلى معاهدة مع طرابلس في العام نفسه. وقد مثّلت تلك المرحلة المبكرة واحدة من أولى التجارب التي اختبرت فيها الولايات المتحدة قدرتها على استخدام القوة خارج حدودها.

لكن الولايات المتحدة لم تصبح القوة المهيمنة على الشرق الأوسط في تلك الفترة. جاء ذلك لاحقًا، مع تراجع القوى الأوروبية، وصعود أهمية النفط، واحتدام الحرب الباردة، ثم قيام إسرائيل وتطور التحالف الأمريكي الإسرائيلي، وصولًا إلى بناء شبكة واسعة من القواعد والشراكات الأمنية في الخليج والمنطقة.

ومنذ ذلك الوقت، قامت السياسة الأمريكية على مجموعة من المصالح المتداخلة: حماية طرق التجارة والطاقة، ودعم الحلفاء، ومواجهة القوى المنافسة، ومكافحة التنظيمات المسلحة، والحفاظ على قدرة واشنطن على التأثير في توازنات المنطقة.

وكانت إسرائيل ولا تزال جزءًا محوريًا من هذه الاستراتيجية، وإن كان من الصعب اختزال السياسة الأمريكية في إسرائيل وحدها.

لكن المشهد يتغير.

فالسؤال الذي يطرح نفسه اليوم ليس ما إذا كانت الولايات المتحدة ستختفي من الشرق الأوسط، وإنما ما إذا كانت تنتقل من مرحلة الهيمنة المباشرة إلى مرحلة إدارة النفوذ بأدوات أقل تكلفة وأكثر اعتمادًا على الشركاء.

وفي المساحة التي تنشأ بين هذين الخيارين، تتحرك الصين.

من شرطي المنطقة إلى مدير النفوذ

على مدى عقود، ارتبط النفوذ الأمريكي في الشرق الأوسط بالقوة العسكرية. حاملات الطائرات، والقواعد، وصفقات السلاح، والدفاع الجوي، والاستخبارات، والتحالفات الأمنية، شكلت جميعها شبكة يصعب على أي قوة أخرى أن تحاكيها في وقت قصير.

لكن المشكلة بالنسبة إلى واشنطن أن هذه المنظومة أصبحت أكثر تكلفة، بينما تغيرت أولويات المنافسة الدولية.

فالصراع الأمريكي الصيني لم يعد يدور فقط حول الانتشار العسكري. إنه صراع على التكنولوجيا، وسلاسل الإمداد، والرقائق الإلكترونية، والطاقة، والموانئ، والذكاء الاصطناعي، والأسواق.

ومن هنا يمكن فهم التحول الأمريكي في المنطقة باعتباره إعادة تموضع أكثر منه انسحابًا.

فالولايات المتحدة لا تزال مرتبطة بشراكات أمنية وعسكرية عميقة مع دول عربية رئيسية، كما أن استمرار صفقات التسليح والتعاون الدفاعي يؤكد أن فكرة مغادرة المنطقة بالكامل لا تعكس الواقع. وحتى في يوليو 2026، وافقت واشنطن على صفقة أسلحة محتملة للسعودية تقترب قيمتها من ملياري دولار، وهو مؤشر إضافي على استمرار العمق العسكري للعلاقة الأمريكية الخليجية.

إذن، الشرطي لم يغادر مركز الشرطة.

لكنه ربما لم يعد يريد أن يقوم بكل الدور بنفسه.

الصين تدخل من الباب الذي تركته السياسة الأمريكية مفتوحًا

الصين لم تدخل الشرق الأوسط بالطريقة التي دخلت بها الولايات المتحدة.

لم تبدأ بقواعد عسكرية واسعة، ولم تبنِ منظومة تحالفات شبيهة بحلفاء واشنطن، ولم تقدم نفسها بوصفها الضامن الأمني للمنطقة.

دخلت من الباب الأكثر هدوءًا:

التجارة.

وهنا حققت بكين تقدمًا يصعب تجاهله.

بلغ حجم التجارة الصينية العربية نحو 407.4 مليار دولار في عام 2024، بزيادة 2.3%، وكانت الصين أكبر شريك تجاري للدول العربية لسنوات متتالية، وفق البيانات الصينية الرسمية. كما أصبحت مشروعات البنية التحتية والطاقة والتكنولوجيا والمناطق الصناعية جزءًا متزايدًا من العلاقة بين الطرفين.

وتشير بيانات مبادرة الحزام والطريق إلى أن الدول العربية الـ22 أصبحت شركاء في المبادرة، مع أكثر من 200 مشروع رئيسي للتعاون مع الصين.

وهنا تظهر إحدى أهم نقاط التحول.

فالنفوذ لا يُبنى دائمًا بالدبابات.

أحيانًا يكفي أن تصبح الدولة شريكًا تجاريًا لا يمكن الاستغناء عنه، وأن تدخل شركاتها في الموانئ والطاقة والاتصالات والصناعة، وأن تصبح منتجاتها جزءًا من السوق المحلي.

عندها يتحول الاقتصاد تدريجيًا إلى أداة نفوذ سياسي.

لكن ذلك لا يعني أن الصين تعمل بلا مصالح.

على العكس.

بكين تسعى إلى تأمين أسواقها ومصادر الطاقة، وحماية طرق التجارة، وتوسيع حضورها الدولي، وربط مناطق العالم بشبكات اقتصادية تكون للصين فيها أهمية متزايدة.

الفارق أن الصين تضع الاقتصاد في مقدمة أدوات نفوذها، بينما بنت الولايات المتحدة جانبًا كبيرًا من نفوذها الإقليمي على الأمن والعلاقات العسكرية.

الرياض وطهران.. لحظة كشفت حجم التحول

كان الاتفاق السعودي الإيراني الذي رعته الصين في مارس 2023 من أكثر اللحظات دلالة على التحول في المعادلة الإقليمية.

فقد نجحت بكين في جمع خصمين إقليميين كبيرين حول طاولة واحدة، وهو ما اعترفت واشنطن نفسها بأنه شكّل اختراقًا دبلوماسيًا صينيًا مهمًا.

لم يكن معنى ذلك أن الصين أصبحت صاحبة الكلمة العليا في الخليج.

لكنه كشف شيئًا أهم:

أن الدول الإقليمية باتت مستعدة لاستخدام الصين في الملفات التي كانت واشنطن تملك فيها سابقًا مساحة أكبر من الحركة.

وهذا فارق استراتيجي.

فالمملكة العربية السعودية، مثلًا، لم تقطع علاقتها بالولايات المتحدة بعد الاتفاق مع إيران، ولم تستبدل واشنطن ببكين.

بل فعلت شيئًا أكثر ذكاءً:

وسّعت خياراتها.

وهذه ربما تكون السمة الأبرز في السياسة العربية الجديدة.

من احتكار الشراكة إلى تنويع الشركاء

الدول العربية لا تتحرك اليوم وفق قاعدة «أمريكا أو الصين».

إنها تحاول الحصول على أفضل ما يمكن من الطرفين.

من واشنطن: الأمن، والتسليح، والتكنولوجيا العسكرية، والخبرة المتراكمة في المجال الدفاعي.

ومن بكين: التجارة، والاستثمار، والبنية التحتية، والتكنولوجيا، والطاقة.

ومن روسيا وتركيا والهند وأوروبا وغيرها: مجالات أخرى من التعاون السياسي والعسكري والاقتصادي.

وهذا يعني أن المنطقة لا تستبدل قطبًا بقطب.

بل تحاول الخروج من منطق التبعية لقطب واحد.

وهنا تكمن أهمية التحول.

فلسطين.. اختبار القوة الناعمة الصينية

بعد اندلاع الحرب في غزة، ازدادت مساحة الحركة الصينية في الملف الفلسطيني.

وفي عام 2024، استضافت بكين لقاءات بين حركتي فتح وحماس وفصائل فلسطينية أخرى بهدف دفع المصالحة الفلسطينية. وفي يوليو من العام نفسه، أعلنت الصين عن اتفاق بين الفصائل يتعلق بتشكيل حكومة وحدة، وإن ظلت فرص تنفيذ الاتفاق محدودة بسبب الانقسامات العميقة بين الأطراف.

هذه التجربة مهمة، لكنها تكشف في الوقت نفسه حدود القوة الصينية.

فالصين استطاعت أن تجمع الأطراف حول الطاولة، لكنها لم تستطع إنهاء الانقسام الفلسطيني أو فرض تسوية سياسية.

والأمر نفسه ظهر في ملفات أخرى.

بكين تستطيع أن تكون وسيطًا، لكنها لا تمتلك حتى الآن أدوات النفوذ العسكري والأمني التي تسمح لها بفرض نتائج سياسية على الأطراف، كما تستطيع الولايات المتحدة، أو كما حاولت قوى أخرى في مراحل مختلفة.

ولهذا فإن وصف الصين بأنها «البديل الكامل لأمريكا» سيكون مبالغة.

الأدق أنها أصبحت بديلًا في بعض الأدوات والملفات.

وهذا أكثر أهمية مما يبدو.

السلاح الصيني.. ورقة أخرى في يد المنطقة

في المجال العسكري، تحاول دول عربية عديدة تنويع مصادر السلاح وعدم الاعتماد على مورد واحد.

وهذا فتح الباب أمام الصين لتوسيع حضورها في سوق الطائرات المسيرة والتكنولوجيا العسكرية.

لكن هنا أيضًا يجب الابتعاد عن المبالغة.

الصين تستطيع تقديم بدائل مهمة في بعض المجالات، لكنها لم تستبدل المنظومة العسكرية الأمريكية المتكاملة.

فالولايات المتحدة لا تبيع الطائرة أو الصاروخ فقط.

إنها تبيع منظومة كاملة من التدريب، والصيانة، والاتصالات، والاستخبارات، والدعم اللوجستي، والتكامل بين الأنظمة.

ولهذا فإن شراء دولة عربية سلاحًا صينيًا لا يعني بالضرورة انتقالها إلى المعسكر الصيني.

إنه يعني في كثير من الحالات أنها تريد أن تقول لواشنطن:

لدينا خيارات أخرى.

وهذه الرسالة السياسية ربما تكون أهم من السلاح نفسه.

المعركة الحقيقية انتقلت إلى التكنولوجيا

إذا كان القرن العشرون قد شهد صراعًا على النفط والممرات والقواعد، فإن القرن الحادي والعشرين يشهد صراعًا آخر على من يمتلك مفاتيح التكنولوجيا.

الرقائق الإلكترونية.

الذكاء الاصطناعي.

شبكات الاتصالات.

الحوسبة المتقدمة.

الطاقة الجديدة.

والقدرة على التحكم في سلاسل الإمداد.

وهنا تدرك الولايات المتحدة أن الخطر الصيني لا يأتي فقط من وجود سفن صينية في الموانئ، بل من احتمال تحول الصين إلى قوة تكنولوجية تستطيع أن تقدم للدول النامية بدائل عن التكنولوجيا الغربية.

لذلك أصبحت واشنطن أكثر اهتمامًا بمراقبة الاستثمارات والتكنولوجيا الصينية، خصوصًا في القطاعات التي تعتبرها حساسة.

ومن هذه الزاوية، فإن «الانسحاب الأمريكي» يصبح مفهومًا مختلفًا.

قد تتراجع واشنطن عن بعض الأعباء العسكرية المباشرة، لكنها لا تتراجع عن معركة التفوق الاستراتيجي.

بل ربما تنقل المعركة إلى مستوى أكثر أهمية:

من يمتلك التكنولوجيا يمتلك جزءًا من القرار.

هل تستطيع الصين أن تحل محل أمريكا؟

حتى الآن، الإجابة هي: لا.

وليس واضحًا أصلًا أن الصين تريد ذلك.

الصين لا تبدو مستعدة لدفع تكلفة الدور الذي لعبته الولايات المتحدة في المنطقة لعقود.

لا تريد أن تصبح مسؤولة عن حماية الخليج بالكامل، ولا أن تتحمل تكلفة شبكة ضخمة من القواعد والقوات، ولا أن تدخل في كل حرب ونزاع إقليمي.

وهذا هو السبب في أن تشبيه الصين بـ«الشرطي الجديد» قد يكون مضللًا.

الصين تريد أن تكون شيئًا آخر.

شريكًا لا غنى عنه.

وهذا أكثر ملاءمة لطبيعة قوتها الحالية.

فالولايات المتحدة بنت نفوذها بدرجة كبيرة على الأمن.

أما الصين فتبني نفوذها من الاقتصاد إلى السياسة.

والسؤال ليس أي النموذجين أفضل بصورة مطلقة.

السؤال هو: أيهما سيصبح أكثر تأثيرًا في الشرق الأوسط خلال العقود القادمة؟

نهاية الهيمنة أم نهاية الاحتكار؟

لا تزال الولايات المتحدة القوة العسكرية الأكثر حضورًا وتأثيرًا في المنطقة، ولا توجد مؤشرات جدية على اختفائها قريبًا.

وفي المقابل، فإن الصين لم تصبح قوة مهيمنة في الشرق الأوسط.

لكن ما تغير بالفعل هو شيء أكثر عمقًا:

انتهى تقريبًا زمن احتكار قوة واحدة لمعظم الخيارات الاستراتيجية المتاحة أمام دول المنطقة.

وهذا لا يعني أن عصر الهيمنة الأمريكية انتهى.

لكنه يعني أن تكلفة الهيمنة أصبحت أعلى، وأن المنافسة أصبحت أكثر تعقيدًا، وأن الدول العربية باتت تمتلك مساحة أكبر للمناورة بين القوى الكبرى.

لذلك فإن الصورة التي أمامنا ليست صورة «شرطي أمريكي يغادر وتاجر صيني يحل محله».

الصورة أكثر تعقيدًا.

الشرطي الأمريكي لا يزال موجودًا، لكنه لم يعد اللاعب الوحيد.

والتاجر الصيني لم يعد مجرد تاجر.

فحين تصبح التجارة بالمئات من مليارات الدولارات، وتدخل الشركات في الموانئ والطاقة والاتصالات والصناعة، وتتحول بكين إلى وسيط في ملفات سياسية حساسة، فإن التجارة نفسها تصبح أداة من أدوات القوة.

وهنا ربما يكون السؤال الصحيح:

ليس من سيحل محل أمريكا؟

بل:

هل تستطيع دول الشرق الأوسط أن تستفيد من التنافس الأمريكي الصيني دون أن تتحول من تابع لهذا القطب إلى تابع لذاك؟

هذه هي المعركة الحقيقية.

فالمستقبل لن يكون بالضرورة أمريكيًا أو صينيًا.

قد يكون مستقبلًا تتعدد فيه مراكز القوة، وتبحث فيه الدول المتوسطة عن هامش أوسع للمناورة.

وفي هذا العالم، لن يكون الأقوى هو من يملك أكبر عدد من القواعد فقط، ولا من يملك أكبر حجم من التجارة فقط، وإنما من يستطيع الجمع بين الأمن والاقتصاد والتكنولوجيا والقدرة على اتخاذ القرار المستقل.

الصين تتقدم.

وأمريكا لا تنسحب.

أما الشرق الأوسط، فيبدو أنه بدأ يتعلم أخيرًا كيف يلعب بين الكبار بدلًا من أن يلعب دائمًا لحساب أحدهم.


إعلان
شارك الخبر:

التعليقات (0)