2026/09/05
بث تجريبي
إعلان

«مقايضة قناة السويس... زلة لسان أم جس نبض؟»





لم تكن الضجة التي أثارها تصريح حسن هيكل، المستشار الاقتصادي لرئيس مجلس الوزراء، عن مقايضة قناة السويس بالديون المحلية، مجرد ضجة عادية لتصريح عابر، ولكن ما حدث يطرح سؤالًا أكثر خطورة: كيف وصلت قناة السويس، بما تمثله من قيمة اقتصادية وسيادية واستراتيجية، إلى أن تُذكر أصلًا في سياق تسوية ديون الدولة؟

ورغم أن الحكومة سارعت إلى النفي القاطع، وأكدت أن قناة السويس ليست محلًا لأي مقترح للمقايضة أو الرهن أو نقل الملكية مقابل الديون، وأنها مرفق عام استراتيجي يرتبط مباشرة بالأمن القومي والسيادة المصرية، لكن هذا النفي لا يتعدى كونه طمأنة للرأي العام، ولا يغلق باب أسئلة مهمة جدًا:

من أين جاءت الفكرة؟ ولماذا طُرحت في هذا التوقيت؟ وهل الطرح مجرد اجتهاد شخصي من خبير اقتصادي قابل للنقاش، أم من شخصية اقتصادية من داخل دوائر صناع القرار؟

فحين يتحدث خبير اقتصادي مستقل عن بيع أو نقل ملكية أحد أصول الدولة، يمكن أن نقول ببساطة: هذا اجتهاده الشخصي... لكن عندما يصدر الحديث عن شخصية قريبة من دوائر الحكومة ومستشارًا اقتصاديًا لها، فإن المواطن من حقه أن يسأل: هل الطرح مجرد اجتهاد شخصي؟ أم أنه نقاش جرى بالفعل داخل مؤسسات الدولة؟

وإذا كان مجرد رأي شخصي، فهل كان من الحكمة طرحه بهذه الصورة وفي هذا التوقيت؟

أما إذا كان جزءًا من نقاش اقتصادي سابق داخل مؤسسات الدولة، فالسؤال يصبح أكثر أهمية: ما هي الأصول التي كانت مطروحة للمقايضة؟ ولماذا تم رفض الفكرة؟

وهل هي بالونة اختبار؟

لا أعتقد أنها مجرد مصادفة... ربما تكون الفكرة محاولة لجس نبض الشارع، حيث تبعها سرعة الغضب الشعبي والنفي الحكومي، ما يجعل السؤال الأكثر أهمية:

هل كانت هناك جهة تريد معرفة رد فعل المصريين على فكرة استخدام أصول الدولة في تسوية الدين؟ وهل يمكن أن تتحول أصول الدولة إلى ورقة لاختبار ردود الفعل الشعبية؟ ومن يحاسب المسؤول عن طرح فكرة بهذه الخطورة؟ من حق الرأي العام أن يعرف: هل كان الطرح بتكليف؟ وهل تمت مناقشته رسميًا؟ وهل يمثل سياسة حكومية أم مجرد اجتهاد فردي؟

الدول لا تدار بالشائعات، ولا ينبغي أن تصل رسائلها إلى المواطنين من خلال تصريحات متضاربة.

قناة السويس ليست شركة يمكن بيع أسهمها لتغطية عجز أو سداد دين.

إنها شريان عالمي للتجارة، وأحد أهم موارد الدولة، ورمز للسيادة المصرية، ولذلك فإن مجرد إدخال اسم القناة في نقاش يتعلق بتسوية الديون يثير قلقًا مشروعًا لدى المصريين، حتى لو انتهى الأمر إلى نفي الفكرة رسميًا.

لكن ماذا عن البدائل؟

إذا كانت الحكومة تواجه تحدي الدين المحلي، فالمطلوب ليس فقط أن تقول: لن نقترب من قناة السويس، وإنما أن تشرح للمصريين: ماذا سنفعل بشأن الدين؟

هناك بدائل كثيرة لإدارة الدين دون المساس بالأصول السيادية، منها إعادة هيكلة آجال الدين، وخفض تكلفة الاقتراض، وزيادة الإيرادات الحقيقية، ومكافحة الإهدار، وتحسين كفاءة الإنفاق، وتعظيم العائد من أصول الدولة دون التفريط في ملكيتها.

كما يمكن تحويل بعض الأصول غير المستغلة إلى مشروعات منتجة تدر دخلًا مستدامًا، بدلًا من بيعها أو رهنها لسداد جزء من الدين.

فالفرق كبير بين استثمار الأصل وبين التضحية به.

نحن لا نريد أن نستيقظ غدًا لنجد أن كل أزمة مالية لها حل واحد هو: نقل ملكية أصل من أصول الدولة.

الأصول العامة يجب أن تُصان وأن تكون وسيلة لخلق الثروة، لا مجرد خزينة مؤقتة لسداد العجز.

وإذا كانت قناة السويس ليست البديل، فما هو البديل الحقيقي لتسوية الدين المحلي؟

المصريون لا يحتاجون إلى تطمينات فقط، وإنما يحتاجون إلى شفافية كاملة في إدارة أموال الدولة وأصولها وديونها.

فقناة السويس ليست للبيع.. ويجب ألا تكون محل جدل.

لكن من طرح فكرة بيعها أو مقايضتها، ولماذا طرحها، ومن أين حصل على تصوره المرفوض؟.. هذه أسئلة أخرى لا ينبغي أن تُدفن تحت بيان نفي الحكومة، وإنما تستحق إجابات واضحة.

لأن القضية في النهاية ليست قناة السويس وحدها..

القضية هي: كيف نحمي أصول الدولة، ونسدد ديونها، دون أن ندفع ثمن الحاضر من مستقبل الأجيال القادمة؟

إعلان
شارك الخبر:

التعليقات (0)