2026/09/05
بث تجريبي
إعلان

من أنقرة إلى أم درمان: صفقة سلاح أم إعادة رسم الخريطة؟


قبل أيام، كان الفريق ياسر العطا في أنقرة. لم تكن زيارته عادية، هذا أكيد. فالرجل لم يذهب لتناول القهوة التركية أو حضور معرض عسكري، بل حمل حقيبة ثقيلة بالطلبات، وعاد منها بحقيبة أثقل، إن صح التعبير. المصادر تقول إن تركيا وافقت فورًا على قائمة الأسلحة المتقدمة التي قدمها، والأغرب أنها دخلت حيز التنفيذ دون تلك المماطلات الدبلوماسية المعتادة. السؤال الذي يفرض نفسه الآن: هل نحن أمام مجرد صفقة تسليح جديدة، أم أن هناك يدًا خفية تعيد ترتيب تحالفات المنطقة بالكامل؟

الحقيقة أن تركيا لم تكن غريبة عن السودان. العلاقة قديمة، تعود إلى العهد العثماني حين كان السودان ولاية تابعة. لكن في العقد الأخير، وتحديدًا منذ زيارة أردوغان للخرطوم عام 2017، أخذت الأمور منحًى آخر. كنا نتحدث عن استثمارات في سواكن، وعن جزيرة سواكن، ومشاريع زراعية. كان الطابع اقتصاديًا بحتًا. لكن الحرب التي اندلعت في أبريل 2023 قلبت كل شيء. تحوّل التركيز فجأة نحو الجانب العسكري والأمني، وكأن أنقرة قالت لنفسها: «الفرصة سانحة، فلنستثمر في السلاح بدلًا من القمح». وهذا ما نراه اليوم بأعيننا.

المعلومات المتسربة عن الصفقة مثيرة حقًا. نحن لا نتحدث عن بنادق كلاشينكوف أو ذخائر تقليدية. القائمة تشمل طائرات «بيرقدار تي بي 2» و«أكينجي» الثقيلة، وهي نفس الطائرات التي صنعت الفارق في أوكرانيا وليبيا. صفقة سابقة بقيمة 120 مليون دولار مع شركة «بايكار» كانت مجرد بداية. لكن الأهم، برأيي، هو ما لم يُعلن عنه علنًا: منظومات دفاع جوي قصيرة ومتوسطة المدى، وأنظمة حرب إلكترونية متطورة. وهنا يكمن جوهر المسألة. الجيش السوداني يعاني من ثغرة جوية كبيرة، وأي تغطية دفاعية حقيقية ستغير قواعد اللعبة في مواجهة الطيران المسيّر لقوات الدعم السريع. لكن هل هذا كافٍ؟ بالطبع لا.

المفارقة هنا أن الملف العسكري كان وجهًا واحدًا لعملة لها وجه آخر لم يتحدث عنه أحد. تشير المصادر إلى أن العطا لم يلتقِ العسكريين فقط، بل حضر لقاءات مغلقة مع قيادات الحركة الإسلامية السودانية الموجودة في تركيا، وفي مقدمتهم الفريق محمد عطا المولى عباس، الرجل الذي كان يدير جهاز الأمن والمخابرات سابقًا. هذا التداخل غير المعلن يثير حيرتي شخصيًا. هل تحاول بورتسودان إعادة بناء ظهرها السياسي عبر التنظيمات التاريخية الحليفة للجيش؟ أم أن تركيا تراهن على هذا التيار لتكون أداتها في مرحلة ما بعد الحرب؟ لدى أنقرة سابقة في ذلك: فعلتها في ليبيا، وفعلتها في الصومال. لمَ لا تفعلها هنا؟

دعنا الآن نكن صريحين: ما الذي تريده بورتسودان بالضبط من كل هذا؟ الأمر واضح. أولًا، هي بحاجة ماسة إلى سد العجز العسكري. عامان من الحرب استنزفا المخزون، والجيش يلهث خلف إمدادات نوعية تعيد له زمام المبادرة. ثانيًا، تريد كسر العزلة الدولية، والتنويع في مصادر السلاح كي لا تظل رهينة لأحد. ثالثًا، كلما تعززت قدراتها العسكرية، تحسن موقفها التفاوضي مع الدعم السريع والمجتمع الدولي. لكن السؤال الأصعب: وماذا تريد تركيا؟

أنقرة لها حساباتها المعقدة. هي تريد موطئ قدم على البحر الأحمر، ربما من خلال ميناء سواكن أو مناطق تعدين الذهب، في منافسة واضحة مع النفوذ الإماراتي الذي يكبر كل يوم. هي أيضًا تريد فتح أسواق جديدة لصناعتها الدفاعية التي باتت تصدر للعالم بأسره. وأخيرًا، تريد تعزيز دورها كوسيط إقليمي، وكأنها تقول للجميع: «أنا موجودة في أفريقيا، ولا يمكن تهميشي في أي تسوية مستقبلية». هذه طموحات مشروعة، لكنها تضع السودان في قلب صراع نفوذ أكبر من حجمه.

بطبيعة الحال، هذا التحالف الناشئ سيزعج كثيرين. مصر، التي تعتبر السودان عمقًا استراتيجيًا، ستنظر بارتياب إلى الوجود التركي على حدودها الجنوبية، خاصة أن علاقات القاهرة بأنقرة ليست على ما يرام. الإمارات، الداعم الأبرز لقوات الدعم السريع كما تشير التقارير، ستعتبر هذه الصفقة تحديًا مباشرًا. وقد ترد بزيادة دعمها للميدان، مما يعني مزيدًا من التعقيد. أما السعودية، التي تسعى للبقاء على الحياد، فستجد نفسها في موقف حرج بين حليفين. روسيا وأمريكا تراقبان من بعيد، الأولى تبحث عن قواعد بحرية، والثانية تريد استقرارًا في منطقة البحر الأحمر الحيوية. الكل لديه أجندة.

خلاصة القول، هذه التفاهمات ليست مجرد أسلحة تُباع وتُشترى. إنها تحالف استراتيجي متعدد الأوجه، يحمل فرصًا هائلة ومخاطر جسيمة. السودان يحصل على متنفس عسكري وسياسي ثمين، لكنه في المقابل يربط مصيره بتوازنات إقليمية معقدة، ويدخل في دائرة تنافس القوى الكبرى. بل ويضيف بُعدًا تنظيميًا للصراع قد يزيده تعقيدًا بدلًا من تبسيطه.

يبقى السؤال الأكبر والأكثر إلحاحًا في ذهني: هل تملك بورتسودان الحكمة الكافية لإدارة هذا التحالف بحرفية، بحيث لا يصبح ورقة في يد أنقرة ضمن لعبة إقليمية أكبر، أم أنها ستدفع الثمن غاليًا على صعيد استقلال قرارها الوطني؟ الأيام كفيلة بالإجابة، لكن شيئًا واحدًا مؤكدًا: خريطة التحالفات في شرق أفريقيا تغيّرت إلى الأبد، والسودان لم يعد هامشًا، بل أصبح محور صراع جديد عنوانه الأبرز: «من أنقرة إلى أم درمان».


إعلان
شارك الخبر:

التعليقات (0)