2026/09/05
بث تجريبي
إعلان

موسكو والصين في مرمى الاحتواء.. هل تعيد واشنطن استراتيجية كينان؟


في شتاء عام 1946، وعلى وقع برد موسكو القارس، دوّن الدبلوماسي الأميركي جورج كينان برقيةً طويلة حملت في معانيها رؤيةً استراتيجية غيّرت وجه العالم. لم يتحدث فيها عن أسلحة مدمرة، ولا عن تحالفات عسكرية ضخمة، بل عن فكرة بسيطة في معناها لكنها عميقة في تطبيقاتها: أن الإمبراطوريات لا تُهزم بالرصاص، بل بإنهاكها حتى تختنق بأنفاسها.

كان كينان يرى الاتحاد السوفييتي كمن يجري في مستنقع، كلما زادت سرعته ازداد غرقًا، وأن على الغرب ألا يجري خلفه، بل أن يقف على الضفة المقابلة ويتركه يستنفد طاقته.

هكذا وُلدت نظرية الاحتواء التي راهنت على "النفس الطويل" في مواجهة "النفس القصير"، واستطاعت بعد أربعة عقود أن تشهد سقوط خصم لم تطلق عليه رصاصة واحدة من الجانب الأميركي. لكن نجاح الماضي لا يضمن صلاحية الحاضر، وفي عالم تتلاقى فيه المصالح الاقتصادية والتكنولوجية، وتتنوع أدوات الصراع بين الفضاء السيبراني وأسواق الطاقة، يبرز سؤال مشروع: هل ما زالت هذه النظرية صالحة للتطبيق في سياقات اليوم، أم أنها أصبحت أداة من زمن مضى لا تناسب تحديات القرن الحادي والعشرين؟

قامت نظرية الاحتواء في الأساس على فرضية أن الخصم يمتلك نقاط ضعف بنيوية، وأن الضغط المتواصل والمتراكم على هذه النقاط، دون الانجراف إلى حرب شاملة، هو السبيل الأمثل للفوز. اعتمدت الاستراتيجية على أدوات متعددة ظهرت في الحرب الباردة بوضوح: الدعم الاقتصادي عبر مشروع مارشال، والتحالفات العسكرية الجامدة كحلف الناتو، وسباق التسلح الذي استنزف الموارد السوفييتية، والحرب الدعائية والثقافية لكسب القلوب والعقول.

وقد أثبتت هذه المقاربة فعاليتها إلى حد كبير، لكنها لم تخلُ من إخفاقات جسيمة، كفيتنام وإيران والكونغو، ناهيك عن التكلفة الباهظة التي تحمّلها العالم جراء سباق تسلح نووي كاد يمحو الوجود البشري.

أما اليوم، ومع عودة الحديث عن حرب باردة جديدة بعد الغزو الروسي لأوكرانيا، يرى العديد من الاستراتيجيين والمحللين المعاصرين أن الاحتواء لا يزال ضروريًا، بل أصبح أكثر إلحاحًا. وهم يطالبون بتطوير نموذج "احتواء من القرن الحادي والعشرين" يقوم على سد الثغرات في العقوبات الاقتصادية، وتكامل الخدمات اللوجستية المدنية والعسكرية، وتوسيع الإنتاج الدفاعي في أوروبا الشرقية، وإعادة تشكيل سلاسل التوريد للحد من الاعتماد على الصين.

غير أن هذه النظرة تصطدم بحقيقة جيوسياسية جوهرية: عالم اليوم ليس ثنائيًا كما كان في أربعينيات القرن الماضي.

فالصين لم تعد مجرد خصم أيديولوجي، بل أصبحت شريكًا اقتصاديًا لا يمكن فصله عن النظام العالمي دون تداعيات كارثية على الأسواق والقطاع الصناعي. ولا يمكن تجاهلها، وروسيا اليوم ليست الإمبراطورية السوفييتية التي كانت تسعى لنشر نموذجها البديل، بل دولة تحركها المصالح الوطنية والاعتبارات الجيوسياسية البحتة.

بل إن هناك ما هو أكثر إشكالية: الولايات المتحدة التي تصر اليوم على سياسات الاحتواء ليست أميركا الأربعينيات. ففي ذلك الزمن، كانت القوة الاقتصادية الأكبر في العالم، قادرةً على ضخ المليارات لإعادة بناء خصومها السابقين. أما اليوم، وقد تجاوز دينها الوطني خمسة وثلاثين تريليون دولار، وانقسمت داخليًا بين أحزاب تتصارع على أولوياتها، فإن السؤال المطروح بإلحاح هو: هل تملك واشنطن حقًا طاقة "النفس الطويل" الذي يتطلبه الاحتواء، أم أنها قد تنهار قبل أن ينهار خصمها؟

بل يذهب بعض المؤرخين، كجون مولر، إلى القول إن الاتحاد السوفييتي لم يسقط بسبب الاحتواء الأميركي وحده، بل بفعل عوامله الداخلية من فساد، وسوء إدارة، وانهيار أسعار النفط، مما يعني أن إسناد النصر الكامل للاحتواء قد يكون مبالغة تخلط بين التأثير وبين العوامل الذاتية للخصوم.

في المقابل، يلوح بديل آخر يتمثل في المواجهة المباشرة، وهو النهج الذي يُصر عليه بعض صناع القرار عند التعامل مع أزمات كالملف النووي الإيراني. لكن المواجهة اليوم، في ظل انتشار أسلحة الدمار الشامل وتطور الحروب السيبرانية، ليست كمواجهات الأمس، بل هي مغامرة قد تفلت عن السيطرة وتتحول إلى جحيم لا طاقة لأحد به، مما يجعل التمسك بها خيارًا غير عاقل في سياق الصراع مع قوى عظمى.

ولعلّ ما يستحق التوقف عنده، قبل أن نصل إلى أي استنتاج، هو أن كينان نفسه، قبل رحيله بسنوات، كان يشاهد مؤسسات بلاده تخرج عن مسارها، ويصرخ قائلًا: "لقد حولتم حكمتي إلى آلة حرب". نعم، هو نفسه الذي أوصى بالصبر والدبلوماسية، رأى استراتيجيته تتحول إلى عقيدة جامدة، تُطبّق وكأنها وصايا منزلة، متجاهلةً أن الروح التي قامت عليها كانت تقوم على المرونة، لا على التصلب.

وفي إحدى الندوات التي سمعتها في إحدى القنوات قبل سنوات، سمعت دبلوماسيًا أوروبيًا كبيرًا يقول، بنصف ابتسامة، إن الغرب اليوم يمارس الاحتواء كما يمارس الرجل العجوز رياضة الشباب؛ يحاول استعادة مجد مضى، لكن مفاصله لم تعد تحتمل. صفق الحضور، لكن في عيون كثيرين كانت تترقرق حيرة حقيقية: إن لم يكن الاحتواء، فماذا؟

أما أنا، وبعد كل هذا، فأميل إلى الاعتقاد بأن الإجابة ليست في الاختيار القطعي بين الاحتواء والمواجهة كخيارين متضادين، بل في تجاوز هذا الثنائي العقيم نحو استراتيجية هجينة تعترف بتغير الزمن. إن العالم بحاجة إلى مزيج من الردع العسكري القابل للتصديق، والانخراط الاقتصادي والدبلوماسي حيثما تسمح الفرصة، وبناء تحالفات مرنة بدلًا من الكتل الجامدة التي تكرّس الاستقطاب، مع تركيز الجهود على تعزيز القوة الداخلية للدول المتبنية لهذه السياسات.

لأن قوة أي نظرية، في النهاية، تنبع من صلابة النظام السياسي والاقتصادي الذي ينفذها، وليس من قوة الخصوم الذين تحاصرهم.

وربما، وبكل تواضع، أن الحكمة الأعمق التي يمكننا استخلاصها من هذه الرحلة الطويلة مع نظرية الاحتواء، هي أن نجاح أي استراتيجية لا يُقاس بقدرتها على إسقاط الخصم، بل بقدرتها على حماية الذات من الانزلاق إلى مستنقعات الانهيار الذاتي. لأن التاريخ، والتاريخ يحب المفاجآت، قد يثبت لنا غدًا أن أطول الأنفاس لم تكن تلك التي احتوت الآخرين، بل تلك التي استطاعت أن تحتوي هشاشتها الداخلية أولًا وتعمل على إصلاحها.

فهل نحن، اليوم، مستعدون لسماع هذه الحقيقة المريرة؟


إعلان
شارك الخبر:

التعليقات (0)