لم يكن حديث نائب الرئيس الأمريكي جي دي فانس عن «المسيح الدجال» مجرد حوار ديني عابر، ولا مجرد اعتراف شخصي بمعتقدات رجل سياسي. أهميته الحقيقية أنه كشف، من داخل أحد أعلى مواقع السلطة الأمريكية، عن عالم فكري تتقاطع فيه السياسة مع الدين، والحرب مع النبوءة، والشرق الأوسط مع تصورات «نهاية الزمان».
في الحوار الذي بثه بودكاست مسيحي، قال فانس إنه لا يستبعد أن يكون العالم قد دخل بالفعل «الأيام الأخيرة»، وإنه لن يكون مصدومًا إذا كان «المسيح الدجال يسير بيننا»، مؤكدًا في الوقت نفسه أنه لا يعرف متى ستأتي النهاية، وأنها قد تكون بعد آلاف السنين أو خلال أشهر. كما تحدث عن «ظلام روحي» شعر به خلال لقاءات مع بعض قادة العالم، ووصف بعض مظاهر الذكاء الاصطناعي بأنها تحمل طابعًا «شيطانيًا».
قد تبدو هذه الكلمات شأنًا شخصيًا، لكن المتحدث ليس واعظًا في كنيسة، وإنما نائب رئيس الولايات المتحدة، وهنا تبدأ القصة الحقيقية.
فانس لم يخلع عباءة السياسة ليرتدي عباءة الدين فقط، بل كشف عن وجود منطقة تتداخل فيها المرجعية الدينية مع الرؤية السياسية لدى جزء من اليمين الأمريكي الجديد.
وهذه المنطقة تستحق أن تُقرأ بعناية، خصوصًا عندما يتعلق الأمر بإسرائيل والشرق الأوسط.
من «نهاية الزمان» إلى إسرائيل
في قلب هذه المعادلة توجد الصهيونية المسيحية، وهي تيار ديني وسياسي مؤثر داخل قطاعات من البروتستانتية الإنجيلية الأمريكية، يرى أن عودة اليهود إلى الأرض المقدسة وقيام إسرائيل يرتبطان، لدى بعض أتباعه، بتحقق نبوءات توراتية وأحداث مرتبطة بنهاية الزمان، وهنا تكمن إحدى أخطر نقاط التقاطع.
فدعم إسرائيل داخل قطاعات واسعة من اليمين المسيحي الأمريكي لا يُبنى دائمًا على اعتبارات الأمن القومي أو المصالح الجيوسياسية وحدها، بل قد يستند أيضًا إلى تفسير ديني يرى أن لإسرائيل دورًا في مسار نبوءات نهاية العالم. وقد وثقت دراسات وتحليلات حديثة حضور الصهيونية المسيحية داخل البيئة السياسية الأمريكية المؤيدة لإسرائيل، وربطها بين دعم إسرائيل والنبوءات المتعلقة بالمجيء الثاني و«الأيام الأخيرة».
وهنا يصبح السؤال أكبر من جي دي فانس: هل نحن أمام تزاوج متزايد بين القوة الأمريكية والرؤية الدينية للشرق الأوسط؟
لا توجد إجابة تسمح بالقول إن السياسة الأمريكية كلها أصبحت دينية، فهذا تبسيط غير صحيح. لكن المؤكد أن التيار المسيحي الصهيوني يمتلك حضورًا سياسيًا وتنظيميًا وإعلاميًا مؤثرًا، وأن شخصيات بارزة في البيئة الجمهورية المحافظة تتعامل مع إسرائيل والشرق الأوسط من خلال لغة دينية تتجاوز الحسابات التقليدية، وهذا مهم؛ لأن إسرائيل نفسها تدرك قيمة هذا التحالف.
خلال زيارة نتنياهو الأخيرة إلى واشنطن، لم تكن لقاءاته محصورة في البيت الأبيض والكونغرس؛ فقد حرص أيضًا على التواصل مع الإنجيليين الأمريكيين، وظهر أمامهم باعتباره حليفًا في معركة وصفها بعض أنصاره بلغة دينية وصدامية، باعتبارها مواجهة مع «الجانب المظلم».
إذن، نحن أمام دائرة تتحرك في اتجاهين:
- إسرائيل تستخدم الرمزية الدينية لتعزيز شرعيتها لدى جزء من اليمين الأمريكي، وقطاعات من اليمين الأمريكي تستخدم إسرائيل داخل سرديتها الدينية والسياسية عن الشرق الأوسط.
- نتنياهو يعرف أين يطرق الباب، وهذه النقطة تحديدًا تجعل تصريحات فانس أكثر أهمية.
نتنياهو لا يخاطب واشنطن باعتبارها إدارة سياسية فقط، بل يخاطب أيضًا شبكة واسعة من المحافظين والإنجيليين الذين يرون إسرائيل من خلال منظور ديني.
والرجل يعرف أن هذا الجمهور قادر على التأثير في الانتخابات، والكونغرس، والحزب الجمهوري، والبيئة السياسية المحيطة بالرئاسة.
لذلك فإن العلاقة بين إسرائيل وبعض التيارات المسيحية المحافظة ليست مجرد علاقة «لوبي» بالمعنى التقليدي؛ إنها، في بعض مستوياتها، تحالف أيديولوجي يلتقي فيه السياسي الإسرائيلي مع تيار أمريكي يرى أن دعم إسرائيل جزء من تصور ديني أوسع للعالم.
ومن هنا يمكن فهم لماذا أصبحت قضايا مثل القدس، والاستيطان، والسيادة الإسرائيلية، والحرب مع إيران، وغزة، أكثر قابلية لأن تُطرح داخل بعض الأوساط المحافظة الأمريكية باعتبارها قضايا تتجاوز السياسة اليومية.
الخطر يبدأ عندما تصبح النبوءة سياسة
والمشكلة ليست في أن يؤمن سياسي بالله، أو أن يمارس شعائره، أو أن يتحدث عن معتقداته، إنما المشكلة تبدأ عندما تتحول النبوءة إلى عدسة لقراءة الأحداث الدولية.
فإذا كان العالم يُنظر إليه باعتباره يتحرك نحو «نهاية الزمان»، وإذا أصبحت إسرائيل جزءًا من سردية دينية عن المستقبل، وإذا تحول الصراع في الشرق الأوسط إلى مواجهة بين «الخير والشر»، فإن مساحة التسوية السياسية تنكمش.
وفي هذه الحالة، يمكن أن تصبح الحرب ليست مجرد وسيلة لتحقيق هدف سياسي، وإنما حدثًا يُقرأ داخل تصور ديني أكبر.
وهنا تحديدًا يجب التوقف أمام تصريحات فانس. فالرجل لم يقل إن الولايات المتحدة يجب أن تخوض حربًا لتحقيق نبوءة دينية، ولم يعلن أن السياسة الخارجية الأمريكية تُبنى على فكرة المسيح الدجال. لكن حديثه عن «الأيام الأخيرة»، و«الظلام الروحي»، واحتمال وجود المسيح الدجال، يكشف أن المفردات الأخروية موجودة بالفعل داخل عالمه الفكري.
وهذا لا يثبت وحده تأثيرها على قرار أمريكي بعينه، لكنه يجعل المشروع يطرح السؤال:
إلى أي مدى يمكن لهذه الرؤية أن تؤثر، بصورة مباشرة أو غير مباشرة، في فهم بعض صانعي القرار الأمريكيين للصراع في الشرق الأوسط؟
وإذا كانت غزة.. الاختبار الحقيقي
يصبح الملف أكثر حساسية.
ففي الوقت الذي تتحدث فيه إسرائيل عن مستقبل غزة، وتطرح شخصيات من اليمين الإسرائيلي أفكارًا حول إخراج الفلسطينيين من القطاع، نجد أن البيئة السياسية الأمريكية المؤيدة لإسرائيل تضم تيارات دينية ترى الصراع من منظور مختلف عن القانون الدولي أو حل الدولتين.
وفي 4 سبتمبر 2026، جدد وزراء يمينيون في حكومة نتنياهو، بينهم إيتمار بن غفير وإسرائيل كاتس، دعوات مرتبطة بما يسمونه «الهجرة الطوعية» للفلسطينيين من غزة، في وقت تستعد فيه إسرائيل لانتخابات أكتوبر.
وهنا تظهر المفارقة.
فبينما تبحث الدبلوماسية عن تسوية سياسية، تتحرك تيارات أيديولوجية على جانبي الصراع بمنطق مختلف: الأرض، والهوية، والنبوءة، والحسم.
وإذا التقت هذه الرؤية مع قوة أمريكية عسكرية ودبلوماسية هائلة، فإن نتائجها على المنطقة يمكن أن تكون خطيرة.
واشنطن.. من حسابات المصالح إلى حسابات العقيدة؟
لا تزال المصالح الاستراتيجية الأمريكية حاضرة بقوة: أمن إسرائيل، واحتواء إيران، وحماية طرق التجارة والطاقة، والنفوذ في الخليج، ومواجهة القوى المنافسة.
لكن السياسة لا تُصنع بالمصالح وحدها.
الأفكار التي يحملها صانع القرار عن العالم تؤثر في تعريفه للعدو والصديق، وفي تحديد ما يعتبره خطرًا وما يعتبره ضرورة، وهنا يأتي صعود فانس.
فإذا كان نائب الرئيس يمثل أحد وجوه الجيل الجديد داخل اليمين الأمريكي، فإن حديثه الديني لا ينبغي فصله تمامًا عن التحولات الفكرية التي تشهدها هذه البيئة.
والأهم أن فانس نفسه أصبح جزءًا من مستقبل الحزب الجمهوري، وليس مجرد نائب للرئيس الحالي. لذلك فإن السؤال لا يتعلق فقط بإدارة ترامب الحالية، بل بما يمكن أن تصبح عليه واشنطن بعد ترامب.
فإذا انتقلت هذه اللغة من الهامش الديني إلى مركز السياسة الأمريكية، فقد نشهد مستقبلًا تتداخل فيه حسابات الأمن القومي مع تصورات دينية وأخروية بدرجة أكبر.
وهنا تصبح إسرائيل طرفًا مستفيدًا من هذه البيئة، لأنها تجد داخلها تيارًا أمريكيًا لا ينظر إليها باعتبارها حليفًا استراتيجيًا فقط، وإنما باعتبارها جزءًا من سردية دينية يرى بعض أتباعها أن لها دورًا في مستقبل العالم.
لكن أخطر ما يمكن أن تفعله هو تحويل هذه المعطيات إلى نظرية مؤامرة تقول إن واشنطن قررت إشعال حرب عالمية لتحقيق نبوءة دينية، وفي الوقت نفسه لا توجد أدلة تثبت ذلك، حتى وإن كان الخطاب أو التصريحات فاضحة.
الأكثر خطورة وواقعية هو أن تتسلل الرؤية الأيديولوجية إلى عملية صنع القرار، حتى وإن لم تُعلن نفسها باعتبارها أيديولوجيا.
وهنا يصبح تصريح فانس كاشفًا.
الرجل يقول إن «الأيام الأخيرة» قادمة، وإنه لن يفاجأ إذا كان المسيح الدجال موجودًا بيننا، ويتحدث عن ظلام روحي يشعر به في بعض اللقاءات السياسية، بينما يقف في قلب إدارة تخوض صراعات كبرى وتعيد رسم استراتيجيتها للشرق الأوسط.
وفي الوقت نفسه، تتحرك إسرائيل تحت قيادة نتنياهو وسط بيئة سياسية يمينية أكثر تشددًا، ويعود الخطاب الديني والقومي إلى الواجهة بقوة.
وفي واشنطن، يجري بالفعل بحث استراتيجية أمريكية جديدة لما بعد حرب إيران، تتضمن احتواء إيران وتعزيز التطبيع بين إسرائيل ودول المنطقة، ما يؤكد أن الشرق الأوسط سيظل ملفًا مركزيًا في الحسابات الأمريكية خلال المرحلة المقبلة.
ومن هنا، فإن المسألة ليست: هل يؤمن فانس بالمسيح الدجال؟
والسؤال الأخطر هو:
ماذا يحدث عندما يصل رجال يؤمنون بأن العالم يتحرك نحو «نهاية الزمان» إلى قمة القوة السياسية، بينما يقود إسرائيل في الوقت نفسه تيار قومي ديني يرى أن الأرض والهوية والتاريخ والدين عناصر لا تنفصل عن الصراع؟
عند هذه النقطة، لا تعود المسألة دينية فقط، وإنما تصبح مسألة أمن قومي وقرار حرب وسلام ومستقبل منطقة بأكملها.
ولهذا فإن عبارة فانس عن «المسيح الدجال» تستحق أن تُقرأ لا باعتبارها تصريحًا غريبًا لنائب رئيس، وإنما باعتبارها نافذة صغيرة على عالم فكري أكبر يتشكل داخل اليمين الأمريكي الجديد.
قد لا تُكتب السياسة الأمريكية باسم الدين، لكنها تستطيع أن تترك بصماتها عليها.
وهنا تحديدًا يجب أن تنتبه المنطقة.
فالخطر ليس أن تدخل العقيدة إلى السياسة، وإنما أن تتحول العقيدة إلى عدسة تُرى من خلالها الحروب والحدود والشعوب والمستقبل.
فانس يخلع عباءة السياسة.. المسيح الدجال في البيت الأبيض!
السيد خلاف يكتب:
التعليقات (0)