في مشهد متسارع ومفاجئ، تعرضت ليبيا خلال ساعات متقاربة لثلاث ضربات نوعية استهدفت أعمدة الدولة الحيوية: قطاع الطاقة، وجهاز الاستخبارات العسكرية، والمؤسسة المالية السيادية. وما يثير التأمل العميق هو تزامن هذه الأحداث مع لحظة بلغ فيها الإنتاج النفطي الليبي أعلى مستوياته منذ عام 2013، ومع تزامن الحديث عن مشروع استراتيجي لربط نفط طبرق بمصر عبر خط أنابيب بري بطول 800 كيلومتر وتكلفة تتجاوز المليار دولار. هذا التوقيت الدقيق يطرح تساؤلات جوهرية حول الجهة المستفيدة من زعزعة الاستقرار الليبي، والجهة التي ترى في أي تقارب مصري-ليبي تهديداً لمصالحها الإقليمية.
تبدأ الحكاية في مدينة الزاوية غرب ليبيا، حيث استُهدفت مصفاة النفط الرئيسية بطائرات مسيرة مجهولة، ما أدى إلى تسريب خزان النافتا ثم استهداف خزان البنزين التابع لشركة البريقة، الذي احتوى على نحو 4.5 مليون لتر من البنزين، مما تسبب في حريق ضخم أدى لانهيار الخزان. تعد مصفاة الزاوية (بطاقة 120 ألف برميل يومياً) العمود الفقري لتكرير النفط في ليبيا، والتي كانت قد سجلت إنتاجاً بلغ 1.44 مليون برميل يومياً، وهو أعلى مستوى منذ أكثر من عقد. أي ضربة لها تمثل خطراً على القدرة التكريرية المحلية والتصديرية معاً، وتأتي في وقت كانت فيه ليبيا تبشر بفورة نفطية تعيدها إلى خريطة الطاقة العالمية بقوة. لكن لم تتوقف الضربات عند هذا الحد، ففي الجهة المقابلة، وتحديداً في قلب مدينة بنغازي، عُثر على اللواء فوزي المنصوري، رئيس جهاز الاستخبارات العسكرية التابع للقيادة العامة، بعد استهداف عربيته بعبوة ناسفة أمام منزله في منطقة الهواري. هذا الاغتيال يحمل دلالات خطيرة، فهو يشير إلى اختراق أمني غير مسبوق، حيث استهداف شخصية بهذا المستوى، التي يُفترض أن تكون محاطة بإجراءات تأمين مشددة، يعني وجود شبكة استخباراتية متغلغلة قادرة على الوصول إلى أرفع المستويات، في وقت كانت فيه ليبيا تحاول توحيد مؤسساتها الأمنية بعد سنوات من الانقسام. ولم تكن الصدمة الثالثة أقل وقعاً، ففي تطور مفاجئ، قدّم محافظ مصرف ليبيا المركزي ناجي عيسى استقالته، مبرراً ذلك بأسباب وصفها بـ"الحساسة"، وسط ضغوط من المجلس الأعلى للدولة لاستمراره مؤقتاً للحفاظ على الاستقرار المالي. وتكمن خطورة الاستقالة في أنها تعيد إنتاج الأزمة السياسية بين الشرق والغرب حول إدارة عائدات النفط، خاصة أن اختيار عيسى في 2024 كان قد تم بعد تفاهم نادر وصعب بين الأطراف المتخاصمة، وكان يمثل جسراً للتوافق المالي، مما يعني أن رحيله الآن قد يعيد فتح ملف السيطرة على البنك المركزي، ويؤدي إلى تجميد أو تعطيل التعاملات المالية الدولية المرتبطة بالمؤسسة السيادية، وبالتالي التأثير على قدرة الحكومة على دفع الرواتب وإدارة الاقتصاد.
لكن الأكثر إثارة للانتباه هو الربط الخفي بين هذه الضربات الثلاث وما يجري على طاولة المفاوضات المصرية-الليبية، حيث تم الإعلان بالتزامن عن مشروع خط أنابيب النفط الضخم الذي يربط طبرق بالإسكندرية مباشرة، ويهدف إلى نقل الخام الليبي إلى المصافي المصرية على البحر المتوسط، ليعوض مصر عن أي اضطراب في إمدادات الخليج، ويمنح ليبيا فرصة لرفع قيمة نفطها عبر التكرير وإعادة التصدير. هذا المشروع، لو اكتمل، سيخلق مصلحة مشتركة في الاستقرار، ويجعل من ليبيا شريكاً استراتيجياً لمصر في مجال الطاقة، بدلاً من أن تبقى ساحة صراع. وهنا يبرز السؤال الأهم: من المستفيد من بقاء ليبيا دولة غير مستقرة؟ من يزعجه أن تدخل القاهرة وطرابلس في شبكة مصالح اقتصادية ونفطية تحول الاستقرار إلى مصلحة مشتركة؟ من المستفيد أن تبقى أهم منشآت النفط الليبي مهددة، وأن تظل مصر تبحث عن مصادر بديلة للطاقة بدلاً من أن يكون لديها خط بري مباشر مع جار يمتلك أكبر احتياطي نفطي مؤكد في أفريقيا؟ وتزداد الصورة وضوحاً عندما نتذكر أن مصر نفسها تعرضت قبل أيام لهجمة بطائرة مسيرة مجهولة في ميناء دمياط، أسفرت عن حريق وأضرار بسفينتي غاز، وكادت أن تتسبب في كارثة بيئية وإنسانية، ولم تعلن أي جهة مسؤوليتها أيضاً. هذا النمط المتكرر من الهجمات المجهولة، والتوقيت المتزامن مع أي تقارب أو مشروع استراتيجي، يشير إلى يد خفية تمتلك القدرة على التنسيق بين عمليات في الشرق والغرب الليبي، بل وتمتد إلى الأراضي المصرية، وتراهن على بقاء المنطقة في حالة من عدم الاستقرار. فالمستفيد الأكبر هو الطرف الذي يريد أن يظل الشرق الأوسط ساحة للصراعات لا منصة للتعاون الاقتصادي، والذي يرى في أي مشروع طاقة بديل تهديداً لهيمنته على أسواق النفط والغاز. وفي النهاية، تبقى الحقيقة أن ليبيا، التي بدأت تنهض وتلملم شتاتها، تواجه اليوم تحدياً وجودياً يتجاوز الانقسامات الداخلية، إنه تحدٍّ خارجي يستهدف مثلث السلطة: النفط، والأمن، والمال، في محاولة لإجهاض أي نهضة قبل أن تبدأ، وإفشال أي تحالف إقليمي قادر على تغيير خريطة الطاقة في المنطقة. وما على المراقب إلا أن يتأمل التوقيت والتنفيذ والتزامن، ليدرك أن هذه الضربات ليست صدفة، بل حلقة في مسلسل ممنهج من التخريب، يهدف إلى إبقاء ليبيا ومصر في دائرة الضعف والاعتماد، وحماية مصالح قوى لا تريد للشرق الأوسط أن يتحرر من تبعاته.
ليبيا بين ثلاث ضربات متزامنة: قراءة في خلفيات المشهد وتحليل الأبعاد
محمود سيد محمد. الموسسة المصرية للدراسات السياسية والإستراتيجية.
التعليقات (0)