2026/08/12
بث تجريبي
إعلان

في طريقنا إلى طبقية بغيضة!

في طريقنا إلى طبقية بغيضة!

الأستاذ الدكتور عادل القليعي

  أستاذ الفلسفة الإسلامية بآداب العاصمة ورئيس القسم السابق.


فإنه قد أكون مخطئًا أو قد أكون مصيبًا في طرحي واختياري لهذا العنوان! وقد تكون هواجس تدور بخلدي، لكن قد يتفق معي كثير من أصحاب الرؤى الذين يعايشون واقعًا نحياه جميعًا.

واقع يعج بالتناقضات والمتناقضات، واقع لا وجود فيه للطبقة الوسطى، فنحن الآن أمام فريقين، أولهما فريق أصحاب رؤوس الأموال المتضخمة الذين تغولوا على الجميع، فأصبحوا لا يرون أحدًا معهم ولا أمامهم.

أصبحوا يمتلكون كل شيء بأموالهم، يتحكمون في اقتصاديات البلاد، ويوظفون أموالهم بما يُعرف بالمال السياسي، فيشترون بأموالهم الذمم والمناصب، وكل ما يخطر على بالنا وما لا يخطر، بل بأموالهم تألّهوا على الناس واستعبدوهم إلا من رحم ربي.

وحتى هؤلاء، إذا وقفوا أمامهم، يدبرون لهم المؤامرات حتى يخرجوهم من قراهم؛ لأنهم ليسوا على هواهم، وليسوا من بني جلدتهم؛ لأنهم أناس يتطهرون، يقفون في وجه الباطل بقيمهم ومبادئهم التي نشأوا عليها.

نعم، طبقة الرأسمالية المتغولة التي تسكن الفلل والقصور الفارهة، أولئك الذين يتملكون قرى وسواحل بحالها، يحرم على غيرهم دخولها أو حتى الاقتراب منها. أولئك الذين لا هدف لذويهم إلا الترف والزينة والإفساد في الأرض.

هل علمتم أن هناك، وما أدراكم ما هناك، في الساحل الشمال (فعلاً ساحل شمال)، تُقام حفلات لتزويج الكلاب، فضلًا عن إقامة عرض أزياء للكلاب، ناهيكم عن تذاكر الحفلات الماجنة التي قد يصل سعر التذكرة إلى نصف مليون جنيه.

أليست مثل هذه الأفاعيل التي يفعلها هؤلاء وذووهم دليلًا دامغًا على خواء فكري وصراع وجودي من أجل إثبات الذات وإثبات الهوية بعدما رأوا البسطاء أصحاب الفكر الحر المستنير ينتقدونهم؟ فماذا عساهم فاعلين؟ يحاولون تعويض هذا الانسحاق الذاتي من خلال لفت الأنظار إليهم عن طريق الظهور بهذه المناظر التي نراها بأم أعيننا.

إلا أنهم بذلك يدمرون ما تبقى من هويتهم وذواتهم، لماذا؟ لأن بسطاء القوم قد تأخذهم الحسرة لحظات، لكن سرعان ما يعودون إلى وعيهم الوجودي ويستشعرون عظمتهم أمام هذه الزخارف والبهرجة الكاذبة، فيعاودون أدراجهم سيرتها الأولى.

عندما قامت ثورة ٢٣ يوليو، ثورة الضباط الأحرار، ووقف الجيش أمام النظام الإقطاعي والنظام الطبقي، فرح الشعب المصري فرحًا عظيمًا.

وعندما حكم الإخوان المسلمون البلاد عامًا كاملًا، وكان ولاؤهم لبعضهم البعض، وهمشوا باقي فئات المجتمع، وأصبح الحكم في أيدي حزب الحرية والعدالة.

قامت ثورة ٣٠ يوليو التي تخلص فيها الشعب من حكم الإخوان، واصطف الجميع دونما طبقية، دونما طائفة، دونما عصبية، وانحاز الجيش إلى الشعب.

فرح الشعب فرحًا شديدًا، وظن الجميع أن الطبقية انتهت وحزب الحكم الوحدوي انتهى، وظن الناس أن الرأسمالية انتهت، وأنه سيتحقق الرخاء للجميع، والكل سيتساوى في الحقوق والواجبات.

لكن تأتي الرياح بما لا تشتهي السفن، فرأينا الواقع بعد ذلك قد تغير، انفض المولد، وعاد من جديد تغول الرأسمالية، وأصبحت اللغة السائدة هي لغة المال، المليارات لا الملايين، فلغة الملايين لم تعد تجدي، لا تساوي أي شيء، قيمتها اندرس رسمها وانسحقت تحت عجلات السيارات الفارهة التي لا يعلم البسطاء ماركاتها، ولا فلل وشاليهات العلمين ومراسي والساحل الشمالي، ولا كمباوندات ولاد الذوات (ذوات الأربع إن صح التعبير).

أما الطبقة الفقيرة التي تكاد أن تكون معدمة، لا وجود لها، التي تعافر لتنقذ ما تبقى منها، الطبقة التي تكافح وتنافح من أجل رغيف خبز وتسعى جاهدة متوسلة ألا يزيد سعره عن جنيه ونصف، أصحاب الرواتب الزهيدة الركيكة التي لا تصمد لبضع أيام أمام آلة الغلاء الفاحش واحتكار وجشع التجار.

الطبقة التي تستدين من أجل أن تعلم أبناءها، لعل وعسى يجدون فرصة من خلال تعليمهم لانتشالهم من هذا الضياع الوجودي.

تلك الطبقة التي لم تجد حيلة أمامها إلا التسليم بالأمر الواقع، أولئك الذين ينظرون إلى احتياجاتهم المعيشية على أنها رفاهية، فيعرضون عنها، ملتجئين إلى الله طالبين منه أن يعوضهم عن ظلف العيش وحياة التقشف اللا إرادي التي يعيشونها.

تلك الطبقة التي معظمها راحت وانتخبت وأيدت، لعلها تجد الخلاص وتجد من يقل عثراتهم ويحقق لهم العيش الطيب، الذي يحقق لهم تعليمًا جيدًا، صحة جيدة، اقتصادًا جيدًا، ثقافة جيدة، يحقق لهم حياة اجتماعية لا أقول رغيدة، فلم يكن حلمهم العيش في قصور، وإنما حياة مطمئنة يطمئنون من خلالها على مستقبل أولادهم.

تلك الطبقة التي حتى لم تتركها الطبقة العليا في حالها، بل راحت تدغدغ مشاعرها تارة عن طريق التباهي بالملايين أمام شاشات التلفاز ومن خلال السوشيال ميديا، كيف يظهر شخص ما يقول إن عشرة ملايين بالكاد تكفيه في العام، ما هو موقف الفقراء عندما يسمعون هذا الكلام؟ ما موقفهم عندما يشاهدون أنواع السيارات الفارهة والملابس (البراند)؟ ماذا سيقولون لأولادهم؟

إن ما يحدث الآن على الساحة المصرية سيولد انفجارًا ضخمًا، ويحدث ما يمكن تسميته بالصراع الطبقي، ومن الممكن أن تنتشر السرقات، ومن الممكن أن يتجه بعض الفقراء إلى الانحراف لتحقيق الثراء المريح السريع، وكم من المسلسلات عالجت هذه الجدلية (حضرة المتهم أبي وغيرها).

أو قد يحدث نوع آخر، ألا وهو القلق الوجودي الذي قد يقود بعض الأسر إلى الانتحار الجماعي، وقد حدث بالفعل.

أو قد تستقطب بعض الجماعات الإرهابية هؤلاء الشباب الفقراء واستدراجهم إلى براثن الإرهاب، فيقعوا في شراكه.

ومن هذا المنطلق، ومن حرصنا على مصلحة وطننا، فإنه ضرورة ملحة لتحقيق المعادلة والتوازن بين الطبقات، وتحقيق ضمانة بقاء المجتمع متماسكًا، ولن يتم ذلك إلا من خلال تفعيل المبدأ الذي قامت من أجله ثورات العالم، والذي يضمن تحقيق الاطمئنان الجميل: (عيش، حرية، عدالة اجتماعية).


▪️«تنويه من المدار | الآراء والأفكار الواردة في مقالات الرأي مسؤولية أصحابها، ولا تعبّر بالضرورة عن رأي الموقع أو توجهه التحريري ».

إعلان
شارك الخبر:

التعليقات (0)