إذا ما تجاوزنا السرديات التاريخية التقليدية التي تضع الحروب والثورات في صدارة تفسير حركة البشرية، وألقينا بثقل التأمل على مسار التطور العلمي النظري والتقني، سنجد أن التكنولوجيا هي المحرك الأعمق لتشكيل البنى الاجتماعية والسياسية، بل إنها اليوم تعيد صياغة القيم والمنظومات الفكرية ذاتها. غير أن المفارقة الكبرى تكمن في أن البشر اعتادوا قراءة هذا التطور كمنحنى خطي ثابت الإيقاع، بينما نحن على أعتاب تحول نموذجي (Paradigm Shift) قد يقلب الموازين رأساً على عقب، حيث لم يعد السؤال عن "كيف تتطور الأسلحة"، بل عن "من يملك حق امتلاكها وممارستها".
في جوهر هذه الرؤية، تبرز فرضية مستقبلية مقلقة: قد يصل التطور التكنولوجي، خصوصاً في الميدان العسكري، إلى نقطة تمكن التنظيمات السياسية المسلحة من امتلاك أسلحة دمار شامل -نووية، جرثومية، أو كيميائية- فتتحول هذه التنظيمات من مجرد جهات مزعجة إلى فاعل قادر على ابتزاز الدول بمختلف مستوياتها، مستغلة ثغرة جوهرية: أنها ليست دولة، وبالتالي فهي محصنة ضد أدوات الردع التقليدية التي تقوم على التهديد المتبادل بالأراضي والسكان.
هذه الفرضية ليست ضرباً من الخيال العلمي، بل هي استقراء منطقي لخمسة تحولات كبرى تتضافر في لحظة تاريخية واحدة، لترسم ملامح عالم لم نألفه بعد. ففي سياق انهيار احتكارية المعرفة، لم تعد أسرار الهندسة النووية أو التركيبات الكيميائية القاتلة محفوظة في خزائن حديدية داخل البنتاغون؛ بل أصبحت تدرّس في مئات الجامعات، وتُبث في قواعد البيانات المفتوحة، وتتناقلها المواقع المتخصصة، والأخطر من ذلك أن الحروب السيبرانية فتحت ثغرات في أرشيفات الحكومات، بينما وفّر آلاف العلماء -لأسباب تتراوح بين المادية والإيديولوجية- خبراتهم لمن يدفع الثمن، وهكذا تلاشت الحدود التي كانت تفصل المعرفة المحظورة عن المباحة. وبالتوازي مع ذلك، يشير المنحنى التنازلي لتكاليف الإنتاج التكنولوجي إلى حقيقة لا رجعة فيها؛ فالتقنيات التي كانت تحتاج إلى كميات هائلة من المواد النادرة، أصبحت تُنجز بجزء ضئيل منها وبسرعة أكبر. تأمل هاتفك المحمول، فهو يحوي أكثر من عشرة أجهزة مستقلة، ولو حسبنا المواد المستخدمة في كل جهاز على حدة قبل عقود، لوجدناها تفوق ما في الموبايل بعشرات الأضعاف، وهو ما يؤكد مقولة العالم غراهام فولر: "نحن في طريقنا لصناعة أي شيء من لا شيء"، مما يسهل على التنظيمات تجاوز عقبة البنية التحتية الضخمة التي كانت حكراً على الدول.
كما تلقي التكنولوجيا الحيوية بظلالها على هذا المشهد، فالهندسة الوراثية لم تعد حكراً على المختبرات العسكرية السرية، بل أصبحت أدواتها رخيصة ومنتشرة في المختبرات المدنية والأكاديمية، بل إن كثيراً من الابتكارات في الميادين العسكرية طُوّرت بالأساس في شركات خاصة لأغراض تجارية، مما يعني أن تحويل أدوات طبية إلى أسلحة فتاكة لم يعد يتطلب معملاً سرياً، بل مجرد إعادة توجيه للنيّات. وإذا أضفنا إلى ذلك تنامي قدرات التنظيمات المسلحة، التي أصبحت تمتلك اليوم طائرات مسيرة، وشبكات اتصالات مشفرة، وقدرات سيبرانية هجومية، وهي تقنيات كانت قبل عقدين امتيازاً حصرياً للجيوش النظامية، فإننا ندرك أن الفجوة التقنية بين الدول والتنظيمات آخذة في التضيق بشكل مذهل. ومع انهيار بعض الدول في مشهد من الاضطرابات، قد تسيطر هذه التنظيمات على مختبرات بحثية متكاملة، أو مخزونات من مواد أولية خطيرة، أو كوادر علمية كانت في خدمة الدولة، فتتحول تركة الوطن إلى تهديد عالمي بلا هوية.
هذا السيناريو، الذي تستشعره الدول الكبرى وتعد العدة له بصمت، يحمل في طياته تداعيات مصيرية تنذر بانهيار أسس السيادة الحديثة التي قام عليها النظام العالمي منذ معاهدة وستفاليا، حيث لن تبقى الدولة هي المحتكر الوحيد لآلة العنف المشروع. والأكثر تعقيداً أن ردع التنظيمات يختلف جذرياً عن ردع الدول، فهي لا تملك كياناً جغرافياً محدداً ولا أرضاً يمكن تهديدها، بل تتحرك كأشباح بين الثغرات، مما سيجعل استراتيجيات القوة التقليدية عاجزة. هذا الواقع سيمتص جزءاً غير هين من ميزانيات الدول في مجالات الأمن والعمل الاستخباري، ويدفعها إلى توسيع رقابتها على الجامعات ومراكز الأبحاث في تناقض صارخ مع روح العلم المفتوح، كما سيميل الجيوش تدريجياً إلى الاعتماد على التكنولوجيا الذاتية التشغيل بدلاً من العنصر البشري، مما يعني تقليص أعداد الجنود وإعادة تعريف مفهوم الجندية. وفي النهاية، ستقود هذه الظاهرة إلى اضطرابات اقتصادية موجعة تحركها تكاليف التأمين المرتفعة، وتقلبات الأسواق الناتجة عن الذعر، وارتفاع الإنفاق الأمني، وتقييد الحريات، وهو مزيج انفجاري يهدد الاستقرار الاجتماعي.
هنا تبرز الضرورة العلمية للتمييز بين الاستقراء الخطي الذي يظن أن وتيرة التغير التكنولوجي ثابتة، وبين الاستشراف التحولي (Transformative) القائم على تحول المسلمات، ونحن نميل بثقة إلى الثاني الذي سيأخذنا لمواجهات لم يعرفها العالم. فعلى مستوى بنية القوة، نشهد انتقالاً جذرياً من الاعتماد على المصانع الضخمة والموارد الكبيرة إلى الاعتماد المتزايد على التصميم والخوارزميات والأتمتة، مع ميل واضح نحو التصغير (Miniaturization) كما تشير ظاهرة حلول المسيرات محل الطائرات الحربية، وتفوق الذكاء الاصطناعي على الخبرة البشرية في مجالات حساسة. هذا التسارع في الابتكارات هو ما عبر عنه الباحث باري كيلمان بمصطلح "دمقرطة العنف"، أي مشاركة أوسع من الأفراد والجماعات في إنتاج وممارسة العنف، وهو يرى أن التطور في العلوم الحيوية قد يمكن عدداً قليلاً من الأشخاص من إحداث دمار كان بالأمس القريب حكراً على جيوش بأكملها. بل تكشف بعض الدراسات أن التنظيمات تجاوزت مفهوم أسلحة الدمار الشامل التقليدي (WMD) إلى مفهوم أكثر شمولاً هو (CBRN) الذي يشمل المواد الكيميائية والبيولوجية والإشعاعية والنووية، وهو تطور في التصنيف يعكس تطوراً في الطموح والقدرة.
ويظل السؤال الأكثر إلحاحاً معلقاً فوق منطقة الشرق الأوسط بكثافة: هل تفكر إسرائيل -بوصفها القلب النابض للأمن الإقليمي- في احتمال أن تمتلك تنظيمات في المنطقة أيّاً من فروع (CBRN)؟ وإذا كان الجواب بالإيجاب، فكيف سيكون الرد العملياتي؟ والأهم، كيف ستتصرف دول المنطقة إن أصبح التحدي قائماً وأصبح الخصم شبحاً لا يمكن ردعه بمعادلات الجغرافيا التقليدية؟ إن إنتاج أسلحة بيولوجية أو كيماوية لم يعد بحاجة إلى بنى تحتية ضخمة أو ميزانيات دولية؛ إنه قادم بأسرع مما نعتقد، وبتكلفة أقل مما نتصور، وعندها ستتحول خريطة الصراع من ساحات مكشوفة إلى متاهات من الظلال، حيث تذوب الأطراف، وتتلاشى المسؤوليات، وتنهار المعادلات الأمنية الراسخة. إن السؤال لم يعد "هل سيحدث هذا؟"، بل "متى سيحدث، وكيف نستعد له؟"، والضرورة العلمية تقتضي أن ننظر إلى هذا التحول بعين العقل، ليس للتشاؤم، بل لاستباق التداعيات قبل أن تفرض علينا "الأشباح" قوانينها في عالم أصبحت فيه القنبلة في متناول من لا دولة له.
لماذا فشلت معادلات الردع التقليدية في مواجهة "أشباح" العنف الجديد؟
محمود سيد محمد المركز المصري للدراسات السياسية والإستراتيجية
التعليقات (0)