2026/09/05
بث تجريبي
إعلان

مصر في شهادة.. ورقة عمرها 58 سنة تجعلنا نتساءل عن مستوى خريجي التعليم الفني

مصر في شهادة.. ورقة عمرها 58 سنة تجعلنا نتساءل عن مستوى خريجي التعليم الفني

>>| من التهجير بعد حرب 1967.. إلى تعلم تفصيل الملابس في قلب القاهرة
>>| اختار المهنة ليعين والده وأسرته.. وناشيونال والتوفيقية كانت البداية 

كتب- محمد سالم:


هناك صور قديمة لا تحكي فقط عن أصحابها، وإنما عن الزمن الذي خرجت منه، من بين هذه الصور شهادة عمرها 58 عامًا، تحمل صورة شاب في مقتبل العمر، وتاريخًا يعود إلى عام 1968، وعبارات مكتوبة بالفرنسية، بينها Diplôme d'Honneur، وتثبت أن صاحبها أتم دورة في فن القص والتفصيل واجتاز الاختبارات النهائية بنجاح.

▪️الشهادة وصاحبها

محمد محمود أحمد إبراهيم يبلغ الرجل الآن نحو 76 عامًا أو يزيد قليلًا، ويعيش في الإسماعيلية، ولديه محل بسيط هناك بشارع بجوار شارع الجيش.

وما زال يتذكر القاهرة التي عرفها شابًا، والمعهد الذي تعلم فيه تفصيل الملابس، والمحلات التي عمل بها بعد ذلك، والزمن الذي كانت فيه مهنة الترزي جزءًا أساسيًا من حياة الناس.

من القناة إلى قلب القاهرة

بدأت الحكاية قبل الشهادة بسنوات، كان الرجل طفلًا في خمسينيات القرن الماضي، وعرف مناطق وسط القاهرة في وقت كان وجود الأجانب وما يعرف بالخواجة فلان وعلان، قبل أن تتغير ملامح المجتمع والمنطقة مع التحولات التي شهدتها مصر بعد ثورة يوليو 1952.
ثم جاءت حرب 1967 وما تبعها من تهجير أعداد كبيرة من سكان محافظات القناة.

كان صاحب الشهادة من أبناء هذه المنطقة، وانتقل إلى القاهرة مستفيدًا من وجود أقارب له هناك، ليستقر في منطقة وسط البلد، بالقرب من التوفيقية وشارع فؤاد باشا، الذي أصبح اسمه لاحقًا شارع 26 يوليو.
لكن الشاب لم يكن يريد أن يقضي وقته في القاهرة بلا عمل، كان يريد أن يساعد والده وإخوته في مصروفات الحياة، ولذلك اختار طريقًا مختلفًا عن التعليم التقليدي، واتجه إلى تعلم حرفة يستطيع أن يعمل بها ويكسب منها.

▪️ «ناشيونال».. البداية من الحرفة

في عام 1968 التحق بمعهد «ناشيونال»، الذي كان موجودًا في إحدى عمارات شارع فؤاد باشا بوسط القاهرة.

كان المعهد، بحسب ما يتذكر، يهتم بتعليم تفصيل الملابس، ويضم أصحاب خبرة يقومون بتدريب الطلاب وتعليمهم أصول المهنة.

وتحمل الشهادة التي حصل عليها في ذلك الوقت اسم المعهد، إلى جانب صورته الشخصية، وعبارات فرنسية، وتقييم Très Bien.

أما العبارة الأساسية في الشهادة فتشير إلى أنه أتم دورة كاملة في Cours de Coupe، أي دورة في فن القص، واجتاز الاختبارات النهائية بنجاح.

بعد انتهاء دراسته، عمل الرجل في أكثر من محل للتفصيل، واكتسب الخبرة بالممارسة.
كان تخصصه في تفصيل الملابس الرجالية، وخاصة تفصيل البدل الرجالي، إلى جانب القمصان والبناطيل وغيره...
ويتذكر زمنا كان فيه تفصيل الملابس أمرًا شائعًا بين شرائح مختلفة من المجتمع، ولم يكن قاصرًا على الأثرياء وحدهم.
كان الرجل يذهب إلى الترزي، يأخذ مقاساته، ويختار القماش والتصميم، ثم تبدأ رحلة صناعة الملابس من القص والتفصيل حتى الخياطة والتشطيب.

وهنا تظهر قيمة ما تعلمه الرجل في المعهد، فالحرفة لم تكن مجرد تشغيل ماكينة خياطة، وإنما معرفة متكاملة تبدأ من المقاس والقص، وتحتاج إلى خبرة في التعامل مع القماش، وإدراك لشكل الملابس، ودقة في التنفيذ.

وهنا تبدو الشهادة القديمة مختلفة عن مجرد ورقة محفوظة داخل إطار، فهي بالنسبة إلى صاحبها وثيقة لبداية مهنة عاش منها، حين كانت الحرفة لها مكانتها

يتذكر الرجل أن منطقة التوفيقية كانت مختلفة تمامًا عما هي عليه اليوم في نظره، تغيرت الحياة، وتغيرت صناعة الملابس نفسها.

انتشرت الملابس الجاهزة، وتطورت الماكينات، ودخلت التكنولوجيا الحديثة إلى صناعة الملابس، وأصبحت كثير من مراحل الإنتاج أكثر اعتمادًا على الآلات.

أما التفصيل التقليدي الذي يقوم على خبرة الترزي ومهارته اليدوية، فلم يعد يحتل المكانة نفسها التي كان يحتلها في الماضي، بحسب ما يراه الرجل من تجربته الطويلة.

من «تعليم الصنعة» إلى الشهادة

ربما تكون شهادة الرجل فرصة للنظر إلى مفهوم أوسع: كيف كان المجتمع ينظر إلى تعليم الحرفة؟

في قصته، كان الشاب يبحث عن مهارة يتعلمها ثم يمارسها، ذهب إلى معهد متخصص، تلقى تدريبًا، خضع لاختبارات، وحصل على شهادة تحمل اسمه وصورته وتقديرًا لنتيجته، ثم انتقل إلى سوق العمل، حيث أكمل تعليمه بالممارسة والخبرة.

اليوم توجد مدارس ومعاهد للتعليم الفني في تخصصات كثيرة، لكن السؤال الذي تطرحه هذه الشهادة لا يتعلق بعدد الشهادات التي يحصل عليها الطلاب، وإنما بمدى ارتباط التعليم وخاصة التعليم الفني بما يستطيع الشاب أن يمارسه بالفعل بعد تخرجه.

هل يتعلم الطالب الحرفة التي تحملها شهادة تخرجه؟
وهل يجد المكان الذي يستطيع فيه تحويل ما تعلمه إلى مهارة حقيقية؟
وهل لا تزال الورش وأصحاب الخبرة قادرين على نقل أسرار المهنة إلى الأجيال الجديدة؟

• صاحب الشهادة.. والحنين إلى القاهرة

عاد الرجل بعد سنوات إلى الإسماعيلية، واستقر فيها، ولا يزال يمارس المهنة، لكنه عندما يتحدث عن القاهرة والتوفيقية يتحدث عن زمن مختلف.
يرى أن الإسماعيلية أكثر هدوءًا، لكن حركة العمل والبيع والشراء فيها محدودة مقارنة بما عرفه في القاهرة.
كما يشكو من ارتفاع الأسعار وصعوبة الحياة، ويرى أن المهنة نفسها لم تعد كما كانت، وربما لهذا السبب تحمل الشهادة بالنسبة إليه قيمة تتجاوز الورق.
إنها تذكره بشاب كان يبحث عن طريقه في الحياة، فاختار أن يتعلم مهنة، ثم قضى عمره يعمل بها.


58•  عامًا.. والشهادة ما زالت هنا

في الصورة، يقف شاب صغير بملابس رسمية، وتحتفظ الورقة بصورته إلى جوار كلمات فرنسية ورسوم للملابس وتوقيعات وختم وتقييم، مر عام 1968، تغيرت القاهرة، تغيرت التوفيقية، تغيرت صناعة الملابس، اختفى المعهد الذي تعلم فيه الرجل، وتغيرت الأدوات التي يعمل بها أصحاب المهنة.
لكن الشهادة بقيت، وبقي صاحبها أيضًا.

بعد 58 عامًا، لم تعد الورقة مجرد شهادة نجاح في دورة لتفصيل الملابس؛ أصبحت شاهدا على زمن كان فيه تعلم الحرفة طريقا إلى العمل، وكانت المهنة يمكن أن تبدأ من معهد صغير وتنتهي بمصدر رزق عاش به صاحبها عقودًا.

ومن داخل إطار قديم، لا تزال صورة الشاب تسألنا عن الحاضر:
ماذا حدث للحرفة التي كانت يتم تعلمها لكي تُمارس، وللتعليم الذي كان يقود صاحبه مباشرة إلى المهنة؟

إعلان
شارك الخبر:

التعليقات (0)