>>|عمال لـ«المدار»: نعمل باليومية مع مقاول من الباطن.. وليس لنا أي تأمين
كتب- محمد سالم:
في الوقت الذي تستعيد فيه عمائر وسط البلد جزءًا من رونقها من خلال أعمال التطوير والترميم، يقف خلف هذه المشروعات عمال يعملون في ظروف لا تخلو من المخاطر، خصوصًا أولئك الذين يصعدون إلى ارتفاعات كبيرة لإزالة الدهانات وطبقات من الواجهات القديمة وتجهيزها لأعمال الترميم.
صور وثقتها «المدار» خلال أعمال ترميم إحدى العمائر، تظهر عمالًا على سقالات مرتفعة وهم يؤدون أعمال إزالة وكشط للواجهات، بينما لا تظهر في الصور وسائل حماية شخصية واضحة من السقوط، كما لا تظهر حواجز حماية مكتملة حول أماكن العمل التي يقفون عليها.

المشاهد تطرح سؤالا مشروعا عن مدى تطبيق اشتراطات السلامة والصحة المهنية في مواقع العمل، خصوصًا أن العامل الموجود على هذا الارتفاع لا يواجه خطر السقوط فقط، وإنما أيضا مخاطر سقوط أجزاء من الواجهة أو الأدوات والمخلفات على من هم أسفل المبنى.
• عمال باليومية
خلال حديث «المدار» مع عدد من العمال الموجودين في مواقع الترميم، قال بعضهم إنهم يعملون باليومية مع مقاول داخلي أو مقاول من الباطنكما يقال، متعاقد مع الشركة التي تنفذ الأعمال.
وهنا نتساءل، هل هؤلاء العمال مسجلون ومؤمن عليهم؟ ومن يتحمل مسؤوليتهم إذا تعرض أحدهم لإصابة أثناء العمل؟

فالعمل باليومية أو من خلال مقاول من الباطن لا يعني بالضرورة أن العامل خارج أي مظلة للحماية الاجتماعية، إذ يتضمن قانون العمل الجديد رقم 14 لسنة 2025 منظومة لرعاية العمالة غير المنتظمة، كما يتضمن أحكاما تتعلق بعمالة قطاع المقاولات والتشييد والبناء، ومساهمات مخصصة لهذه الفئات.
لكن القضية الأساسية تظل في التطبيق الفعلي: هل العمال الموجودون في مواقع الترميم مسجلون بالفعل؟ وهل لديهم تغطية تأمينية تضمن حقوقهم في حالة الإصابة؟ وهل يعرف كل عامل حقوقه والتزاماته إذا وقع حادث أثناء أداء عمله؟
وهي أسئلة يضعها «المدار» أمام الشركات المنفذة والمقاولين والجهات المختصة، لأن اسم «مقاول من الباطن» لا ينبغي أن يتحول إلى منطقة رمادية تضيع فيها مسؤولية حماية العامل.
• القانون المصري.. السلامة أولا
قانون العمل رقم 14 لسنة 2025 لا يترك مسألة السلامة المهنية بلا إطار واضح؛ إذ يلزم المنشآت بتوفير وسائل السلامة والصحة المهنية وتأمين بيئة العمل، وينص صراحة على الوقاية من المخاطر المرتبطة بأعمال التشييد والبناء ومخاطر السقوط.
كما يلزم القانون المنشأة بإجراء تقييم وتحليل للمخاطر وإعداد خطط للطوارئ، ويمنح جهات التفتيش المختصة صلاحيات التعامل مع حالات الخطر الداهم التي تهدد سلامة العمال أو المترددين على مكان العمل.
ولا يتوقف الأمر عند توفير معدات في موقع العمل؛ فالقانون يلزم المنشأة أيضا بتدريب العامل على الأسس السليمة لأداء مهنته، وإحاطته بمخاطر مهنته قبل بدء العمل، وتوفير أدوات الوقاية الشخصية المناسبة وتدريبه على استخدامها، مع عدم تحميل العامل تكلفة وسائل الحماية اللازمة.

• معايير السلامة العالمية
على المستوى الدولي، تعتبر منظمة العمل الدولية العمل على ارتفاعات من الأعمال التي تستوجب إجراءات واضحة لتقليل مخاطر السقوط، بدءًا من تقييم المخاطر والتخطيط والإشراف بواسطة أشخاص مؤهلين، وصولًا إلى استخدام المعدات المناسبة.
وتوصي المنظمة بأن تكون الأولوية، متى كان ذلك ممكنًا، لوسائل الحماية الجماعية مثل حواجز الحماية ومنصات العمل والسقالات الآمنة، قبل الاعتماد على وسائل الحماية الفردية، مثل حزام الأمان الموصول بنقطة تثبيت مناسبة.
كما تؤكد توصيات منظمة العمل الدولية الخاصة بأعمال البناء أن السقالات يجب أن تكون مصممة ومقامة وصيانتها بطريقة تمنع انهيارها أو تحركها العرضي، وأن تكون منصات العمل والممرات محمية بما يقي الأشخاص من السقوط أو من الأجسام التي قد تسقط من أعلى.
وفي الولايات المتحدة، تضع إدارة السلامة والصحة المهنية «OSHA» قواعد أكثر تحديدًا؛ فعلى السقالات التي يزيد ارتفاعها على 3.1 متر تقريبًا عن المستوى الأدنى، يجب توفير حماية من السقوط، باستخدام أنظمة حواجز الحماية أو أنظمة إيقاف السقوط الشخصية وفق نوع السقالة وظروف العمل.

وهذا يعني أن فكرة السلامة في مواقع البناء والترميم عالميًا لا تقوم على أن العامل «يعرف شغله» أو أنه اعتاد الصعود إلى الارتفاعات، وإنما على نظام متكامل يسبق العامل إلى مكان الخطر: سقالة مصممة وآمنة، حواجز حماية، وسائل وصول آمنة، معدات وقاية شخصية عند الحاجة، تدريب، وفحص مستمر.
• ترميم الحجر.. وحماية الإنسان
أعمال تطوير وترميم مباني وسط البلد تمثل خطوة مهمة للحفاظ على ذاكرة القاهرة وثروتها المعمارية، وإعادة الحياة إلى مبانٍ تحمل تاريخًا طويلًا.
لكن خلف كل واجهة يجري تنظيفها أو إعادة طلائها، هناك عامل يقضي ساعات من يومه على ارتفاع كبير.
وهنا يصبح الحفاظ على المبنى وحماية العامل هدفين لا يتعارضان.
فالترميم الحقيقي لا ينبغي أن يقاس فقط بشكل الواجهة بعد الانتهاء منها، وإنما أيضًا بالظروف التي يعمل فيها الأشخاص الذين أعادوا إليها الحياة.

ومن حق العامل أن يعرف: هل هو مؤمن عليه؟ ومن المسؤول عنه؟ وما حقوقه إذا أصيب؟ وهل حصل على التدريب ومعدات الوقاية اللازمة؟ ومن حق المجتمع كذلك أن يعرف: هل تلتزم مواقع الترميم باشتراطات السلامة التي يفرضها القانون؟
هذه ليست أسئلة ضد مشروع التطوير، وإنما أسئلة من أجل أن يكتمل المشروع بصورة أكثر إنسانية.
فالواجهة يمكن ترميمها مرة أخرى.. أما حياة الإنسان فلا توجد لها قطع غيار.
admin
التعليقات (0)