>>| رجل الأعمال والمصرفي: استبدال ملكية الدولة في الشركات العامة أو حتى قناة السويس بالدين المحلي.. والهدف تحرير موارد للإنفاق على المواطن
أعاد رجل الأعمال والمصرفي حسن هيكل طرح رؤيته التي أطلق عليها اسم «المقايضة الكبرى» لمعالجة أزمة الدين العام المحلي، مستندًا إلى ما وصفه بـ«المقايضة الصغرى» التي جرى تنفيذها في تسوية مديونية الهيئة الوطنية للإعلام «ماسبيرو» مع بنك الاستثمار القومي.
وفي منشور عبر حسابه الرسمي على منصة «إكس»، قال هيكل إن الدولة استطاعت في حالة ماسبيرو تصفير ديونه من خلال مقايضة أصول، معظمها أراضٍ، مع نقل الدين إلى بنك الاستثمار القومي، بما أتاح لماسبيرو التخلص من عبء الدين والقدرة على الإنفاق على البرامج والمحتوى.

ويقترح هيكل توسيع النموذج ليشمل الدولة بأكملها، بحيث يحل البنك المركزي محل بنك الاستثمار القومي، وتصبح الأصول محل المقايضة هي ملكية الدولة في الشركات العامة أو حتى قناة السويس.
ويقول هيكل إن النتيجة المستهدفة من وجهة نظره هي «تصفير الدين العام المحلي»، بما يحرر موارد الدولة من أعباء خدمة الدين ويوجهها إلى مجالات يرى أنها تمس حياة المواطنين مباشرة، مثل الدعم والتأمين الصحي الشامل والتعليم.
• ماذا يقصد بـ«المقايضة الكبرى»؟
الفكرة التي طرحها هيكل لا تقوم ــ بحسب شرحه ــ على بيع قناة السويس أو خصخصتها أو نقل ملكيتها إلى مستثمر خاص، وإنما على إعادة ترتيب ملكية الأصول والتزامات الدولة داخل مؤسساتها.
وكان هيكل قد شرح الفكرة في يناير 2026 خلال حوار تلفزيوني، مقترحًا نقل ملكية هيئة قناة السويس من وزارة المالية إلى البنك المركزي المصري، في مقابل التعامل مع جزء من المديونية المحلية، معتبرًا أن ذلك يمكن أن يخفض تكلفة خدمة الدين بصورة كبيرة.
وطرح هيكل وقتها مثالًا لتوضيح الفكرة، مشيرًا إلى إمكانية تقييم الهيئة بقيمة كبيرة واستخدامها في مقاصة جزء من الدين المحلي، مع التأكيد على أن المقصود ليس بيع القناة وإنما نقل ملكيتها بين مؤسسات الدولة.
وفي منشوره الأخير، وسّع هيكل نطاق الفكرة، موضحا أن المقايضة يمكن أن تتم أيضا من خلال ملكيات وزارة المالية في البنوك والشركات العامة، بينما ذكر قناة السويس باعتبارها أحد الأمثلة الممكنة.
الأكثر إثارة في طرح هيكل هو إشارته الصريحة إلى قناة السويس.
فقد قال في رده على بعض المتابعين إن المقايضة يمكن أن تكون بملكيات وزارة المالية في البنوك أو الشركات العامة، ثم أضاف بشأن قناة السويس أن الأمر ــ من وجهة نظره ــ لا يغير شيئًا من الناحية السيادية إذا انتقلت الملكية من وزارة المالية إلى البنك المركزي، داعيًا إلى تطبيق النموذج الذي جرى مع ماسبيرو بصورة تدريجية ودراسة أي مضاعفات محتملة.
وهنا يجب التمييز بين طرح اقتصادي شخصي وبين قرار حكومي؛ فلا يوجد في كلام هيكل ما يعني أن الدولة قررت بالفعل نقل ملكية قناة السويس أو مقايضتها بالديون.
• تجربة ماسبيرو
ينطلق هيكل من تسوية مديونية ماسبيرو باعتبارها نموذجًا يمكن ــ بحسب رؤيته ــ توسيعه.
ففي الحالة الأولى، جرى التعامل مع مديونية الهيئة الوطنية للإعلام تجاه بنك الاستثمار القومي من خلال أصول مملوكة للدولة، بما أدى إلى تخفيف العبء عن ماسبيرو وإعادة ترتيب المديونية بين مؤسسات الدولة. وقد أعاد هيكل قراءة هذه التجربة باعتبارها نموذجًا لما يمكن أن يسميه «المقايضة الكبرى».
لكن نقل التجربة من مؤسسة واحدة إلى الدولة كلها يفتح أسئلة اقتصادية وقانونية كبيرة، أبرزها: ما القيمة العادلة للأصول؟ ومن سيتحمل الالتزام بعد عملية المقايضة؟ وما مصير العوائد التي تحققها الأصول التي تدخل في العملية؟ وهل يؤدي نقل الدين بين مؤسسات الدولة إلى خفض حقيقي لتكلفة الدين أم إلى تغيير في مكان تسجيله فقط؟
يرى هيكل أن المشكلة لا تكمن فقط في حجم الدين، وإنما في تكلفة خدمته وما تستهلكه من موارد كان يمكن توجيهها إلى الإنفاق العام.
وبحسب رؤيته، فإن التخلص من الدين المحلي أو خفضه بصورة جذرية سيتيح للدولة مساحة مالية أكبر للإنفاق على قطاعات مثل الدعم والتعليم والصحة والتأمين الطبي الشامل.

ويضع هيكل المواطن في قلب فكرته، معتبرًا أن المؤشرات الاقتصادية لا تعني المواطن إذا لم تنعكس على قدرته على الحصول على الخدمات وتحسن مستوى المعيشة.
وكان قد قال في طرحه السابق إن «المقايضة الكبرى» تستهدف تحرير مئات المليارات سنويًا يمكن توجيهها إلى تحسين الأجور وتطوير التعليم والصحة.
هل يعني ذلك بيع قناة السويس؟
هيكل يتحدث عن نقل الملكية داخل الدولة، وليس عن بيع قناة السويس إلى جهة أجنبية أو مستثمر خاص.
وبحسب تصوره، فإن انتقال ملكية الهيئة من وزارة المالية إلى البنك المركزي لا يعني ــ من وجهة نظره ــ انتقال السيطرة على القناة إلى طرف خارج الدولة، وإنما تغيير الجهة الحكومية التي تسجل لديها الملكية.
لكن ذلك لا ينهي الأسئلة الاقتصادية والقانونية حول طبيعة هذا النقل، وقيمة الأصل، وطريقة احتساب المقابل، وتأثير العملية على إيرادات الدولة مستقبلًا.
ولهذا فإن وصف الفكرة بأنها «بيع قناة السويس لسداد الديون» سيكون غير دقيق، بينما وصفها بأنها «مقترح لمقايضة ملكية أصول الدولة بجزء من الدين المحلي» أكثر انضباطًا.
• من هو حسن هيكل؟
حسن محمد حسنين هيكل هو رجل أعمال ومصرفي واقتصادي مصري، ونجل الكاتب الصحفي الراحل محمد حسنين هيكل.
عمل هيكل لسنوات في قطاع الاستثمار والخدمات المالية، وكان من أبرز قيادات المجموعة المالية هيرميس، وارتبط اسمه أيضًا بتجارب استثمارية في قطاعات مختلفة.
وهو حاليًا عضو في اللجنة الاقتصادية الاستشارية لرئيس مجلس الوزراء، وهي الصفة الأدق عند التعريف به، وليس «مستشار رئيس الوزراء» بصورة مطلقة. وقد أكد هيكل، في سجال سابق حول طرحه الاقتصادي، أنه يتحدث في هذا الملف بصفته الشخصية وأنه «ليس مسؤولًا في الدولة».
حسن هيكل أحد المتهمين في القضية المعروفة إعلاميًا باسم «قضية التلاعب بالبورصة»، والتي تعلقت بوقائع مرتبطة ببيع البنك الوطني المصري، وشملت عددًا من رجال الأعمال، بينهم علاء وجمال مبارك.
وخلال نظر القضية، أنكر هيكل الاتهامات المنسوبة إليه، وقال في إحدى جلسات المحاكمة إنه فوجئ بإحالته إلى المحاكمة، موضحًا أنه كان يعمل خارج مصر في ذلك الوقت.
وظلت القضية متداولة أمام المحاكم لسنوات، إلى أن أصدرت محكمة جنايات القاهرة في 22 فبراير 2020 حكمها ببراءة حسن هيكل وعلاء وجمال مبارك وآخرين من الاتهامات المنسوبة إليهم.
كما أشارت تقارير لجنة الخبراء إلى عدم مسؤولية هيكل عن بيع أو شراء أسهم البنك الوطني المصري وعدم حصوله على منفعة شخصية من تلك التعاملات.
يبقى مقترح «المقايضة الكبرى» حتى الآن رؤية اقتصادية طرحها حسن هيكل، وليس قرارا صادرا عن الحكومة أو البنك المركزي.
والفارق مهم؛ لأن تحويل الفكرة إلى سياسة عامة يحتاج إلى تقييم دقيق للأصول والديون، وتحديد القيمة العادلة للأصول الداخلة في المقايضة، ودراسة أثرها على الإيرادات المستقبلية للدولة، فضلًا عن الجوانب القانونية والمالية والاقتصادية...
كما أن «تصفير الدين» محاسبيا لا يعني بالضرورة اختفاء الالتزامات الاقتصادية للدولة؛ فالمعيار الأهم هو ما إذا كانت العملية ستؤدي بالفعل إلى خفض تكلفة خدمة الدين وتحسين قدرة المالية العامة على الإنفاق دون التضحية بأصول استراتيجية أو بمصادر دخل مستقبلية.
طرح حسن هيكل يعيد إلى الواجهة سؤالًا أكبر من مجرد «مقايضة قناة السويس بالديون»: هل تستطيع الدولة إعادة هيكلة محفظة أصولها والتزاماتها بطريقة تخفض تكلفة الدين وتحرر موارد حقيقية للمواطن؟
هيكل يرى أن الإجابة تكمن في «المقايضة الكبرى»، مستندا إلى تجربة ماسبيرو، ويضع ضمن الأصول المحتملة ملكيات الدولة في الشركات العامة والبنوك، بل ويذكر قناة السويس صراحة.

لكن بين المقترح والتنفيذ مسافة واسعة من التقييمات القانونية والاقتصادية والمالية.
أما المؤكد، فهو أن الحديث عن بيع قناة السويس لا يعبر بدقة عن الفكرة التي طرحها هيكل؛ فالرجل يتحدث عن نقل ملكية داخل مؤسسات الدولة ومقابلة ذلك بجزء من الدين المحلي، مع تأكيده أن طرحه شخصي وليس قرارا حكوميا...
admin
التعليقات (0)