رجل مسن يجلس على حافة أحد الأرصفة، يمسك جريدته بيد، وبالأخرى عدسة مكبرة، محاولا قراءة ما بين السطور، لا يبدو متعجلا، ولا كأنه يؤدي مهمة عابرة؛ إنها لحظة هادئة بين قارئ وجريدته، وكأن الرجل يقول للصورة من دون كلام: ما زلت أريد أن أقرأ.
المشهد البسيط يفتح سؤالأكبر من الصورة نفسها: هل فقد الجيل الجديد عادة قراءة الصحف، أم أن الصحافة لم تعد تصل إليه بالطريقة التي اعتادها آباؤه وأجداده؟
ربما الإجابة ليست في اختفاء الرغبة في معرفة الأخبار، وإنما في تغير الوسيلة، الهاتف الذكي، ومواقع التواصل، والفيديو، والتنبيهات الفورية جعلت الخبر حاضرا طوال اليوم، دون انتظار الصحيفة...

• لا يترك الأخبار وإنما يترك الورق
تكشف بيانات تقرير الأخبار الرقمية 2026 لمعهد رويترز لدراسة الصحافة عن تحول لافت بين الشباب؛ إذ قال 56% من الأشخاص الذين تتراوح أعمارهم بين 18 و24 عاما، ممن لم يقرأوا صحيفة خلال الأسبوع السابق، إنهم لم يقرأوا صحيفة بانتظام من قبل.
وهذا الرقم لا يعني أن 56% من الشباب لا يقرأون الصحف مطلقا، وإنما يكشف أن نسبة كبيرة ممن ابتعدوا عن الصحيفة الورقية لم تكن لديهم أصلا عادة منتظمة في قراءتها.
وفي المقابل، أصبحت شبكات التواصل الاجتماعي ومنصات الفيديو جزءا أساسيا من الطريقة التي يحصل بها الناس على الأخبار عالميا؛ إذ يشير التقرير إلى أن 54% من الجمهور عالميا يستخدمون هذه المنصات للحصول على الأخبار، لترتفع النسبة إلى 56%.

• من الورق إلى الشاشة
في الولايات المتحدة، تظهر عملية الانتقال بوضوح داخل الصحافة المحلية نفسها، وبحسب مركز «بيو» للأبحاث، بين الأمريكيين الذين يحصلون على الأخبار من الصحف اليومية المحلية، يحصل 68% منهم عليها عبر الوسائل الرقمية، مقابل 30% عبر النسخة المطبوعة.
والفارق أكبر عند مقارنته بعام 2018؛ ففي ذلك الوقت كان 43% يحصلون على الأخبار من الصحيفة عبر الوسائل الرقمية، مقابل 54% عبر النسخة المطبوعة.
لكن التحول الأمريكي لا يتعلق بطريقة القراءة وحدها، وإنما بحجم الصناعة أيضا، حيث أظهر تقرير Medill State of Local News، تراجع عدد الصحف الأمريكية من 7325 صحيفة عام 2005 إلى 4490 صحيفة، بينما انخفض متوسط التوزيع اليومي من نحو 50 إلى 60 مليونا في مطلع القرن إلى أكثر قليلا من 15 مليونا.
الأرقام تقول إن الورق يتراجع، لكنها لا تقول إن الحاجة إلى الصحافة اختفت؛ فالخبر انتقل إلى الهاتف والموقع والتطبيق والبريد الإلكتروني ومنصات التواصل.
الصين.. القراءة مستمرة والورق يتراجع

الصين تقدم مثالا مختلفا ومهما، فبحسب المسح الوطني الثالث والعشرين للقراءة، بلغت نسبة القراءة الشاملة بين البالغين في الصين 82.3% عام 2025، وتشمل الكتب والصحف والمجلات ووسائل النشر الرقمية.
وفي الوقت نفسه، بلغت نسبة استخدام وسائل القراءة الرقمية 80.8%، بينما تراجعت نسبة قراءة الصحف إلى 21.2% عام 2025، مقابل 22.5% في العام السابق.
كما بلغ معدل القراءة عبر الهاتف المحمول 79%، المفارقة هنا واضحة: القراءة لم تختفِ، لكن الصحيفة الورقية فقدت جزءا من موقعها داخل منظومة القراءة.
وهذا بالضبط ما يجعل تجربة الصين أكثر أهمية من أي رقم عن «عدد النسخ»: القارئ ما زال موجودا، لكنه يستخدم وسائط مختلفة.
• الهند مطبوع وإلكتروني
أظهر استطلاع وطني واسع لقراءة الصحف ارتفاع عدد قراء الصحف من 407 ملايين قارئ عام 2017 إلى 425 مليونا في الربع الأول من 2019.
هذه النسب متعلقة بالصحف المطبوعة، وقطعا نسب القراءة في الإلكتروني أضعاف ذلك بكثير...
وتكشف التجربة الهندية أن انتقال الجمهور إلى الوسائل الرقمية لم يكن بالضرورة متزامنا وبالسرعة نفسها في جميع الأسواق؛ فالصحافة المطبوعة استطاعت، في ذلك الوقت الاحتفاظ بقاعدة قراء هائلة، مدفوعة خصوصًا بقوة الصحف باللغات المحلية.
• روسيا.. 2.5 مليون زيادة
وفي روسيا وبحسب تحليل نشره صندوق «روسكونغرس» واستند إلى دراسة لاتحاد مؤسسات صناعة الطباعة، بلغ جمهور وسائل الإعلام المطبوعة في روسيا أو نسب التوزيع نحو 65 مليون شخص عام 2025، بزيادة تقارب 2.5 مليون شخص عن العام السابق.
وفي الوقت نفسه، يوضح التحليل أن عدد الإصدارات وتوزيعاتها يتراجعان، بينما تتجه المؤسسات المتبقية إلى تعزيز حضورها الرقمي؛ إذ يحصل جزء من الجمهور على محتوى هذه المؤسسات عبر شبكات التواصل الاجتماعي إلى جانب النسخة المطبوعة.
وهنا تظهر مفارقة أخرى: قد يتراجع الورق، بينما يبقى اسم الصحيفة وجمهورها وتأثيرها موجودا في وسائط أخرى.
• الصحافة لا تموت

ربما تكون الصورة الأصدق للمشهد العالمي أن الصحافة لم تختفِ، وإنما غيرت مكانها وطريقة وصولها إلى القارئ، القارئ الذي كان ينتظر بائع الصحف في الصباح أصبح يحمل الأخبار في هاتفه طوال اليوم.
والصفحة التي كان يقلبها بيده أصبحت تمر أمام عينيه بلمسة واحدة.
والخبر الذي كان يصل إليه بعد ساعات أصبح يصل إليه في اللحظة نفسها.
لكن ووسط هذا التسارع كله، تبقى قيمة الصحافة الحقيقية في أشياء لا تقاس بعدد الإشعارات ولا بسرعة النشر: التحقق، والسؤال، والتفسير، والتحقيق، ووضع الوقائع في سياقها.
قد يستطيع الهاتف أن يخبرك بما حدث، وقد تعرض لك منصات التواصل عشرات الروايات في دقائق، لكن الصحافة المهنية مطالبة بأن تسأل: ماذا حدث بالفعل ولماذا حدث، وما الذي نعرفه وما الذي لا نعرفه؟
ولهذا تبدو صورة الرجل المسن أكثر من مجرد لقطة جميلة، إنه لا يمسك جريدة فقط؛ بل يمسك عادة عمر كامل، ويذكرنا بأن الصحافة، مهما تغيرت وسائطها، لا تعيش بالورق وحده.

هي تعيش بالقارئ، وطالما أن هناك من يريد أن يعرف، ويسأل، ويقرأ، ويفهم.. «يبقى والله.. لسه فيك خير يا صحافة».
محمد حسن
التعليقات (0)