2026/09/05
بث تجريبي
إعلان

من الحمام الزاجل إلى الذكاء الاصطناعي.. كيف صنعت رويترز طريقها إلى قمة الصحافة العالمية؟

من الحمام الزاجل إلى الذكاء الاصطناعي.. كيف صنعت رويترز طريقها إلى قمة الصحافة العالمية؟

>>| 175 عامًا من السبق والتحقق والاستقلال.. تجربة مؤسسة تحولت من مكتب صغير إلى مدرسة يتعلم منها الصحفيون

>>| بول يوليوس رويتر أسس مكتب صغير لنقل أسعار الأسهم والمعلومات بين آخن الألمانية وبروكسل البلجيكية  

كتب- محمد سالم:


لم تبدأ رويترز كإمبراطورية إعلامية، ولم يكن مؤسسها يملك شبكة من الصحفيين المنتشرين حول العالم، ولا تقنيات متقدمة لنقل الأخبار في ثوانٍ.
بدأت الحكاية في عام 1851 من مكتب صغير في لندن، عندما أسس بول يوليوس رويتر مشروعه لنقل المعلومات والأخبار في زمن كانت فيه المعلومة تسافر ببطء، وكانت المسافة بين وقوع الحدث ووصول خبره إلى الناس تستغرق ساعات أو أيام...

ومنذ ذلك الوقت، قطعت رويترز رحلة طويلة تغيرت خلالها أدوات الصحافة مرات كثيرة، لكن المؤسسة حافظت على فكرة أساسية ظلت حاضرة طوال تاريخها: الوصول إلى الخبر المهم، ونقله بسرعة، مع الحفاظ على دقته ومصداقيته واستقلاله.

ولد بول يوليوس رويتر عام 1816 في مدينة كاسل الألمانية باسم «إسرائيل بير يوسافات»، في أسرة يهودية كان والده فيها حاخامًا. وفي عام 1845 اعتنق المسيحية البروتستانتية، واتخذ اسم بول يوليوس رويتر، الذي عُرف به لاحقا مؤسسا لوكالة رويترز.





وتقول رويترز في توثيقها لتاريخها، بمناسبة مرور 175 عامًا على تأسيسها، إن رحلتها امتدت من استخدام الحمام الزاجل لسد فجوة في شبكة التلغراف الأوروبية إلى البث الإخباري الفوري الذي يصل اليوم إلى جمهور عالمي. وتضم شبكتها حاليًا نحو 2600 صحفي داخل 165 دولة.

• الحمام الزاجل أسرع من الأخبار

في منتصف القرن التاسع عشر، كانت أوروبا تشهد تحولا كبيرًا في وسائل الاتصال. ظهر التلغراف وبدأ في تغيير مفهوم المسافة، لكن شبكة التلغراف لم تكن مكتملة، وكانت هناك فجوات تجعل انتقال المعلومات بين بعض المدن يستغرق وقتا أطول.


هنا ظهرت الفكرة التي ارتبطت باسم رويتر في بداياته، حيث استخدم بول يوليوس رويتر الحمام الزاجل لنقل أسعار الأسهم والمعلومات بين آخن وبروكسل، مستفيدا من سرعته في عبور المسافة التي لم تكن شبكة التلغراف تغطيها بصورة كاملة.

قد تبدو الفكرة اليوم غريبة، لكنها كانت في ذلك الوقت مثالا على التفكير المختلف في مشكلة بسيطة: كيف يمكن أن تصل المعلومة قبل الآخرين؟
والدرس الأهم لم يكن في الحمام نفسه، وإنما في عقلية صاحبه، فرويتر لم يتعامل مع وسيلة الاتصال باعتبارها جزءا مقدسا من المشروع، بل تعامل معها كأداة تتغير عندما تظهر أداة أفضل.
وعندما توسعت شبكة التلغراف، لم يتمسك بالحمام الزاجل، بل انتقل إلى التكنولوجيا الأسرع، وهذه واحدة من أولى القواعد التي يمكن أن يتعلمها الصحفي الشاب من تجربة رويترز:
لا تجعل الأداة هي مهنتك.. اجعل الوصول إلى الحقيقة هو مهنتك.

• لندن 1851 

في عام 1851، افتتح رويتر مكتبا من غرفتين بالقرب من بورصة لندن، وبدأ في الاستفادة من شبكة التلغراف لنقل الأخبار والمعلومات المالية.




كانت البورصة مكانا طبيعيا لبداية هذا النشاط؛ فالمعلومات بالنسبة إلى المتعاملين في الأسواق ليست مجرد أخبار، وإنما قد تكون لها قيمة مالية مباشرة.
ومن هنا بدأ نموذج عمل واضح في التشكل: الحصول على المعلومة، نقلها بسرعة، ثم تقديمها إلى المؤسسات والأشخاص الذين يحتاجون إليها.

لكن المشروع لم يتوقف عند أسعار الأسهم، فمع مرور الوقت، توسعت رويترز في جمع الأخبار وتوزيعها، وبدأت في بناء شبكة قادرة على نقل الأحداث من مناطق مختلفة إلى الصحف والمؤسسات الإعلامية.

وهكذا بدأت الوكالة تتحول من مجرد وسيلة لنقل المعلومات إلى مؤسسة إخبارية تعتمد على شبكة ومصادر ونظام عمل.

وهنا يظهر درس آخر مهم لطلاب الإعلام:
الصحافة لا تقوم على امتلاك معلومة واحدة، وإنما على بناء نظام مستمر للحصول على المعلومات والتحقق منها وتقديمها للناس.

• اغتيال الرئيس لينكولن 




من أشهر القصص المرتبطة بتاريخ رويترز قصة نقل خبر اغتيال الرئيس الأمريكي أبراهام لينكولن عام 1865.

في ذلك الوقت لم تكن الأخبار تعبر المحيط الأطلسي في ثوان كما يحدث اليوم، بل كانت السفن وسيلة أساسية لنقل المعلومات بين القارتين.
وصل الخبر إلى وكيل رويترز في نيويورك بعد مغادرة السفينة المتجهة إلى أوروبا، فتمت ملاحقتها بقارب سريع، ونُقلت البرقية إلى طاقم السفينة، ثم قبل وصول السفينة الساحل الأيرلندي، تم استئجار قارب آخر وذهب مسرعا لإبلاغ الخبر وإرساله بالتلغراف إلى لندن.



كانت النتيجة أن وصل الخبر إلى الصحف البريطانية قبل وصول السفينة نفسها.
هذه القصة أصبحت مثالا مبكرا على قيمة السبق في العمل الإخباري.
لكنها تكشف شيئًا آخر أكثر أهمية: السبق لا يحدث بالصدفة دائما، وإنما يحتاج إلى شبكة، واستعداد، ومعرفة بوسائل الاتصال، وقدرة على اتخاذ القرار في الوقت المناسب.





• السرعة وحدها لا تكفي 

ربما يكون من السهل أن نعتقد أن سر نجاح وكالة أنباء عالمية هو أن تكون أسرع من منافسيها.

لكن التاريخ الطويل لرويترز يقول شيئًا مختلفا، لأن السرعة يمكن أن تمنح المؤسسة سبقا، لكنها لا تستطيع وحدها أن تمنحها ثقة الجمهور.
ولهذا تضع رويترز في معاييرها الصحفية الحالية الدقة فوق السرعة، وتؤكد أن مهمة الصحفي ليست فقط أن يحصل على الخبر أولا، وإنما أن يحصل عليه صحيحا.
وهنا قاعدة تصلح لكل صحفي:
الخبر المتأخر الصحيح أفضل من الخبر السريع الخاطئ.
قد يخسر الصحفي دقيقة من السبق، لكنه إذا نشر معلومة خاطئة فقد يخسر سنوات من الثقة.
وكما كان يقول أستاذنا محمد التابعي: أن تخسر ألف سبق أفضل لك من أن تنشر خبرا واحدا خاطئا...

• المصدر.. نصف الخبر

الصحفي المحترف لا يكتفي بأن يجد معلومة، بل عليه أن يعرف من أين جاءت المعلومة، وكيف عرف المصدر بها، وما مصلحته، وهل يمكن التحقق منها من مصدر آخر.
ولذلك تضع رويترز معايير على استخدام المصادر المسماة كلما أمكن، وعلى فحص المعلومات ومقارنتها بمصادر أخرى، وعلى تقييم سجل المصدر وموقعه ودوافعه، خصوصًا عند التعامل مع المصادر غير المسماة. كما تؤكد أن الصحفي يجب أن يكون واضحا بشأن ما يعرفه وما لا يعرفه.

وهذه قاعدة أساسية ينبغي أن يتعلمها طالب الإعلام منذ أيامه الأولى:

لا تسأل فقط: ماذا قال المصدر، بل اسأل أيضًا:
من هو المصدر؟ وكيف عرف؟ وهل توجد أدلة تؤيد كلامه؟
فلا تجعل المصدر يكتب الخبر بدلا منك، فمن أخطر الأخطاء الصحفية أن يتحول الصحفي إلى مجرد ناقل لما يقوله مصدر واحد.
فالمصدر قد يكون مسؤولا، أو خبيرا، أو شاهدا، أو طرفا في نزاع.




• الاعتراف بالخطأ وتصحيحه

هناك فرقا بين مؤسسة تخطئ ثم تصحح، ومؤسسة تخطئ وتحاول إخفاء الخطأ، وتنص معايير رويترز على تصحيح الأخطاء بسرعة وبوضوح وشفافية، سواء كان الخطأ في قصة أو صورة أو مادة مرئية أو رسم معلوماتي.

وهذه قاعدة مهمة جدًا في عصر الصحافة الرقمية، فالتصحيح لا يعني أن الصحفي فشل، أحيانا يكون التصحيح الواضح دليلا على أن المؤسسة تحترم القارئ أكثر من احترامها لصورتها أمامه.

• الاستعداد للحدث 

تاريخ رويترز يقدم أمثلة كثيرة على قيمة وجود الصحفي في المكان قبل وقوع الحدث، ومن أشهرها تغطية صعود إدموند هيلاري وتينزينج نورجاي إلى قمة إيفرست عام 1953، حيث كان مراسل رويترز بيتر جاكسون موجودا في المنطقة وتمكن من نقل الخبر في وقت مبكر.

والدرس هنا أكبر من مجرد سبق صحفي، المراسل الذي يبني مصادره ويعرف منطقته ويعرف الأشخاص المؤثرين فيها قبل الأزمة، يكون أكثر قدرة على فهم ما يحدث عندما تقع الأزمة، ولهذا فإن الصحافة ليست فقط لحظة الضغط على زر «نشر».
جزء كبير من العمل الصحفي يحدث قبل ذلك بكثير.



• التكنولوجيا تتغير.. والصحافة معها

من الحمام الزاجل إلى التلغراف، ومن التلغراف إلى الهاتف والراديو، ثم التلفزيون والأقمار الصناعية، وصولا إلى الإنترنت والهواتف الذكية والذكاء الاصطناعي، تغيرت الأدوات التي يستخدمها الصحفي بصورة هائلة.

لكن رويترز حافظت على قدرتها على البقاء لأنها لم تتعامل مع التكنولوجيا باعتبارها تهديدا لهويتها، بل استخدمتها لتطوير قدرتها على جمع الأخبار وتوزيعها.

واليوم تقدم رويترز الأخبار العاجلة والتقارير والتحقيقات والمحتوى المرئي والمعلومات الموثقة، وتعمل على تطوير تقنيات حديثة للوصول إلى الأخبار وتوزيعها في الوقت الفعلي.
وهذا يضع أمام الصحفي المعاصر تحديا جديدا، ليس مطلوبا منك أن تنافس الآلة في السرعة، وإنما أن تكون أفضل منها في الحكم الصحفي.

الذكاء الاصطناعي.. أداة جديدة وليست صحفيا جديدا 

دخل الذكاء الاصطناعي بقوة إلى غرف الأخبار، يمكنه البحث والمساعدة في تحليل كميات ضخمة من البيانات، واقتراح أفكار، وتسريع بعض مراحل العمل.
لكن رويترز تضع قاعدة واضحة: لا يجوز التعامل مع المعلومات التي ينتجها الذكاء الاصطناعي باعتبارها حقائق غير قابلة للتحقق، ويجب على الصحفيين التحقق بصورة مستقلة من المعلومات والادعاءات التي تنتجها هذه الأدوات، كما تبقى المسؤولية التحريرية على رويترز والصحفي حتى عند استخدام أدوات الذكاء الاصطناعي.

وهنا ربما تكون أهم نصيحة للصحفيين هذه الأيام، استخدام الذكاء الاصطناعي ليس بديلا لعقلك، وإنما لتوسيع قدراتك.
الآلة تستطيع أن تقترح، لكن الصحفي هو الذي يقرر: هل هذا صحيح أم لا...

• ثقة الناس واحترامهم
أخيرا، كانت الرحلة من الحمام الزاجل إلى الذكاء الاصطناعي، تغيرت الوسائل، لكن الثقة ظلت هي الوسيلة الأهم التي لا يمكن الاستغناء عنها، ولهذا لم تكن قصة رويترز في النهاية قصة حمام زاجل، ولا تلغراف، ولا إنترنت، ولا ذكاء اصطناعي.




كانت قصة كيف تتحول الدقة إلى ثقة، والثقة إلى سمعة واحترام، والسمعة والاحترام إلى مؤسسة قادرة على الاستمرار، وهذه هي الرسالة التي يجب أن يتعلمها كل صحفي في بدايته، بل والله أقول يجب أن يتعلمها بعض الصحفيين الذين يعملون منذ سنين طويلة:
لا تجعل هدفك أن تكون أول من ينشر الخبر فقط، اجعل هدفك أن تكون ممن يثق الناس في أخبارهم، ويحترمون مهنيتهم، فقد يمنحك السبق لحظة، لكن الثقة هي التي تصنع التاريخ.

إعلان
شارك الخبر:

التعليقات (0)